فصل في الكلام على اشتراط قصد القربة في العتق ودلالة أثر ابن عباس

9 paragraphs · vol. 2, p. 464

  1. قال: (وقوله: إنه لم يقصد عتقًا يبتغي به وجه الله، فالشرط قصد العتق، وهو حاصل على تقديرٍ ــ كما قلناه ــ لا قَصْدُ القربةِ؛ بدليلِ أَنَّ مَنْ نجز عتق عبده [١٢٤/ ب] غيرَ قاصدٍ التقرب إلى الله يصح (١) عتقه، وكذلك صح عتق الكافر المشرك الذي لا يصح منه قَصْدُ التقرب؛ فقد أعتق حكيم بن حزام في الجاهلية مائة رقبة، وقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: «أسلمت على ما أسلفت لك من خير» (٢) ، ولم يحكم بأن ذلك العتق لم يقع) (٣) .

    vol. 2, p. 464
  2. والجواب: أَنَّ المجيب فَسَّرَ كلام ابن عباس، لم ينظر لكون العتق لا يصح إلا بشرط ابتغاء الله، فاحتجاجه بصحة العتق وإن لم يقصد به وجه الله ــ إِنْ صح ــ فإنما هو حجة على ابن عباس لا على المجيب.

  3. ثم هذا المعترض قد قال قَبْلَ هذا ما يُناقض هذا! أو هذا الحديث حجةٌ عليه؛ حيث ذكر في الفرق بين نذر اللجاج والغضب والطلاق، فقال: (الثالث عشر: أَنَّ المشي ــ مثلًا ــ إنما يلزم (٤) في نذر اللجاج لأنه غير قاصد للتقرب، وأما الطلاق فالطلاق قصده فقط، وأما (٥) قصد التقرب فلا يشترط) (٦) .

    vol. 2, p. 465ثم قال: (فإنْ قلتَ: فيلزم أن العتق المنجز لا يقع إذا لم ينو التقرب به، وأن النذر المنجز أو المعلق إذا لم يقصد التقرب به لا يقع) (١) .

    وقال: (قلتُ: أما الأول: فإما أَنْ يلتزم (٢) ذلك على مذهب أبي ثور وَيُفَرِّق بين الطلاق والعتق، وإما أَنْ يقول: قصد التقرب لا يشترط إلا للثواب (٣) ) (٤) ، ولم يُجِبْ عن قصد النذر؛ وقد تقدم الكلام على ما في هذا الكلام من الفساد (٥) ، والمقصود هنا الإشارة.

  4. ثم نقول جوابًا عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن ابن عباس تَكَلَّمَ بصيغةِ حصر، وصيغةُ الحصر يُنفى بها ما كان من جنس المثبت، لا يُنفى بها كل ما سوى المثبت؛ كقوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: ٧] {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: ٢١ - ٢٢] ، فهو لم ينف جميع الصفات سوى الإنذار، فإنه مبشر مع كونه منذر، وهو شاهد وداعٍ إلى الله ــ تعالى ــ كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] فوصفه [١٢٥/ أ] بأربع صفات، وكونه نذيرًا واحد منها فليس مراده بقوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} لست ببشيرٍ ولا شاهدٍ ولا داعٍ إلى الله، وإنما مقصوده: نَفْيُ كونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء،

    vol. 2, p. 466ولهذا قال: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: ٧] ، [فأخبر عن] (١) ما طلبه المشركون حيث قال: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [الرعد: ٧] ، فقال تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: ٧] لست الذي ينزل الآيات، بل هذا إلى الله.

  5. وكذلك قوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: ٢١ - ٢٢] فقوله: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} لم ينفِ كونه مع التذكير مبشرًا وهاديًا وداعيًا.

  6. ولَمَّا كان من عادة المسلمين إذا أَعتقوا أَنْ يَبتغوا بذلك وجه الله = صار هذا لازمًا لعتق المسلمين، فنفى اللازم لقصد نفي الملزوم، ومراده: لا عتق إلا لمن قَصْدُهُ العتق، وقاصد العتق من عادة المسلمين يبتغي به وجه الله، ليس مراده: إِنْ أَعتَقَ (٢) ولم يقصد وجه الله لا يصح عتقه، وهذا كما قال عطاء والشافعي في نذر التبرر.

    قال الشافعي (٣) : ومن حلف بالمشي إلى بيت الله ففيها قولان؛ أحدهما: معقولُ معنى قولِ عطاء: أَنَّ كل مَن حلف بشيءٍ مِن النسك صومٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ فكفارته كفارة يمين إذا حنث، ولا يكون عليه حجة ولا عمرة ولا صوم؛ ومذهبه: أَنَّ أعمالَ البِرِّ لله لا تكون إلا لفرض يؤديه من فروض الله عليه، أو تبررًا يريد به الله، فأما على غلق الأيمان فلا يكون تبررًا، وإنما يعمل

    vol. 2, p. 467التبرر لغير الغَلْقِ.

  7. فقد بين الشافعي قول عطاء الذي يوافقه عليه الشافعي، وهو: أَنَّ الناذر نذر اللجاج والغضب ــ وهو غلق الأيمان ــ لا يكون تبررًا يريد اللهَ بِهِ، وإنما يعمل التبرر لغير الغلق، وجعل كونه لا يراد الله به هو الموجب لكونه يمينًا مكفرة = فهكذا ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ مع أن عطاء والشافعي لا يشترطون في نقل الملك قصد التقرب، بل مقصودهم أَنَّ الناذر هو الذي يقصد التزام ما يتقرب به إلى الله، وهذا لم يقصد التقرب إلى الله فليس بناذر، والمسلم من شأنه أن يفعل القربة تقربًا إلى الله بها، فيعتق ويهدي ويضحي ويتصدق تقربًا إلى الله ــ تعالى ــ.

  8. فإذا حلف بلزوم العتق والصدقة والهدي والأضحية لم يكن قصده التقرب إلى الله بذلك، لأنه لم يقصد أن يلزمه ذلك فيمتنع أن يقصد التقرب بشيء لم يقصد لزومه، فلو قَصَدَ لزومه لَقَصَدَ التقرب به في عادة المسلمين، ولكن انتفى قصد لزومه فانتفى قصد التقرب به؛ فلهذا قال ابن عباس وعطاء والشافعي وغيرهم: إنه إذا لم يقصد التبرر لم يلزمه، بل هو حالف لا لأنه عندهم قصد لزومه ولم يقصد التقرب به، بل لم يقصد لزومه بحال، ثم إذا جعله لازمًا وفعله يفعله لكونه لزمه بالحنث لا لقصد التقرب به.

  9. ومن الناس كابن جرير من يجعل المنذور نذر التبرر لا يقصد [١٢٥/ ب] به التقرب إلى الله، لكنه قصد المكافأة، وهو مع هذا لازم عندهم وهم ذكروا الإجماع على ذلك، وهذا أرادوا به الفرق بين من يفعله لأنه نذره فيلزمه وبين من يفعله ابتداءً، وأما الحالف به فلم يقصد لزومه لا لله ولا لغير

    vol. 2, p. 468الله، فإذا قيل: يلزمه؛ أُلْزِمَ بفعلِ ما لم يقصد لزومه بحال، ولا كان له نية في فعله لله حين عقد اليمين بخلاف نذر التبرر، فإنه كان له قصد أن يلتزمه لله لكن إذا حصل غَرَضُهُ.