فصل في الجواب عن اعتراض المعترض على الوجه الأول من تخريج القول بالكفارة على مذهب أحمد
11 paragraphs · vol. 2, p. 474
- vol. 2, p. 474
قال المعترض:
(قال ــ يعني المجيب ــ: (وقد تبيَّن أَنَّ هذا القول مُخَرَّجٌ على أصول أحمد من عدة أوجهٍ؛ منها: أنه قد جعل التكفير والاستثناء متلازمين، وهذه اليمين ينفع فيها الاستثناء في أحد القولين عنه، بل في الصحيح من قوليه؛ فكذلك الكفارة) .
قلتُ (١) : شَرَعَ في تعديد الأوجه التي يُخَرَّجُ القول الثالث على أصول أحمد منها، فذكر هذا الوجه الأول وقد تقدم الجواب عنه، وأنه يجب تقديم النص الخاص على العام، ولا يجوز القياس مع وجود النَّصِّ الصريح، لا سيما المذكور على وجه الاستثناء، فإنَّ أحمد قد صَرَّحَ باستثناء الطلاق والعتاق من الأيمان المكفَّرة ــ كما تقدم ــ) (٢) .
- والجواب:
-
أنه قد تقدم الجواب عن [١٢٧/ أ] جوابه، وأن (٣) تقديم الخاص على العام إنما يكون في العمومات اللفظية إذا كان المتكلم ليس له قولان؛ كالنبي المعصوم، وأما حيث كان العموم مرادًا (٤) إما لكونه علة معنوية يمنع تخصيصها بدون فوات شرط ولا وجود مانع، أو (٥) لكون المتكلم قصد
vol. 2, p. 475العموم= فلا يحمل العام على الخاص.
-
ولهذا تنازع العلماء في العام المتأخر هل يُبْنَى عليه الخاص المتقدم في خطاب الشارع على قولين (١) ، هما روايتان عن أحمد؛ إحداهما: يُبْنَى عليه؛ وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - بناءً على أَنَّ العام لو أريد به الخاص لكان ناسخًا للخاص، وإذا لم يرد به لم يلزم النسخ.
-
والثانية: لا يُبْنَى عليه؛ بناءً على أَنَّ العام يدل [على] (٢) إرادةِ أفراده به إذا لم يقترن به المخصص، وحينئذٍ؛ فيكون ناسخًا للخاص فيما خالفه فيه.
-
وقد تقدم أَنَّ أحمد - رضي الله عنه - له روايتان في الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق، وأنه نَصَّ في غير موضع أن الاستثناء والتكفير متلازمان، وأنه جعل ذلك حجة له في أنه لا يكفر في الطلاق والعتاق، واختلف قوله في الاستثناء في الحلف بهما، ونَصُّهُ على استثناء الطلاق والعتاق إذا أريد به استثناء الحلف بهما فإنما يتوجه على إحدى الروايتين عنه، وأما على الرواية الأخرى فلا يجوز أَنْ يُستثنى من التكفير إلا إيقاعهما لا الحلفُ بهما، وإلا فلو استثنى الحلف بهما من التكفير مع قوله بالاستثناء في الحلف بهما، وقوله إن التكفير والاستثناء متلازمان، واحتجاجه بذلك على أن ما لا كفارة فيه لا استثناء فيه = كان هذا تناقضًا يفسد حجته وأصله ومذهبه.
- vol. 2, p. 476
وأحمد وغيره من الأئمة ليسوا أنبياء، بل هم متبعون للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومقصودهم اتباع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وليس لأحدهم أَنْ يعم ما أراد ويستثني منه ما أراد، وإنما يعممون ما عمَّمه الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخصون ما خصه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأحمد يخبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما قاله، فيمتنع أن يخبر [١٢٧/ ب] عنه بكلام متناقض، لامتناع التناقض في كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-
ولهذا إذا احتج أحد العلماء بحجة ونقضها؛ قيل: هذه فاسدة وعلة فاسدة، لم يجز أن يقال في كلامه عام وخاص، كما يقال ذلك في كلام المعصوم - صلى الله عليه وسلم -.
-
فلو قال أحدهم: إنما حرم الله ــ تعالى ــ الخمر لأنها مسكرة، ثم أباح بعض المسكرات؛ لكان هذا تناقضًا يفسد علته وحجته، لا يجوز أن يقال: هذا من باب الخاص والعام.
-
فإذا قال أحمد وغيره من العلماء: لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتاق لأنه لا كفارة فيهما، والاستثناء إنما يكون فيما يكفر لا فيما لا يكفر، وقال مع هذا: إنَّ الحلف بالطلاق يجوز فيه الاستثناء دون التكفير = لكان هذا تناقضًا يقتضي فساد قوله، ليس هذا من باب العام والخاص.
-
فَعُلِمَ أَنَّ ما قاله أحمد ــ رحمة الله عليه ــ إنما يتوجه على إحدى الروايتين، وهو قوله: إنه لا استثناء لا في إيقاعه ولا في الحلف، وأما على الرواية التي يقول فيها إنه يجوز الاستثناء في الحلف به دون إيقاعه؛ فلا بُدَّ على هذه الرواية من أن يقول بجواز التكفير فيما جاز فيه الاستثناء، أو يَبْطُلَ قولُهُ: لا استثناء إلا فيما فيه كفارة، لكن هذا الأصل أصل مذهبه الذي بَنَى
vol. 2, p. 477عليه مذهبه، وعليه دل الكتاب والسنة، فإنْ كان هذا صحيحًا لزمه جواز التكفير [في] (١) الحلف بالطلاق إذا قيل بجواز الاستثناء فيه، وهذا أَمْرٌ واضحٌ كما تقدم (٢) .