فصل في الجواب عن اعتراض المعترض على الوجه الرابع من تخريج القول بالكفارة على مذهب أحمد

9 paragraphs · vol. 2, p. 505

  1. قال المعترض:

    vol. 2, p. 505
  2. (قال المجيب:
  3. الوجه الرابع: أَنَّ أحمد قد أطلق في مواضع كثيرة أنَّ كل ما قُصِدَ به اليمين ففيه الكفارة.

    قال الكرماني: سمعت أحمد قال في رجل قال: عليَّ المشيُ إلى بيت الله وهو مُحْرِمٌ بحجةٍ وأهدى فلانًا ونحو هذا. قال: أَنَا أذهبُ إلى أنه كل ما أراد به عقد اليمين يريد بها يمينًا = فهي يمينٌ تُكَفَّر (١).

    وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمدَ عن النذور والأَيمان، فقال: كل من عقد شيئًا من اليمين فهو على ما أراد من ذلك، حتى يكون معناه معنى النذور، فإذا كان معناه معنى النذور وجهة القربة = فعلى ما قال أبو لبابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إِنَّ مِنْ توبتي أَنْ أَنخلع من مالي صدقة لله وأهجر دار قومي، فقال النبي [١٣٦/ أ] - صلى الله عليه وسلم -: «يجزئك من ذلك الثلث» (٢) ؛ فَمَنْ عَقَدَ يمينًا يريد اليمين فهو

    vol. 2, p. 506على ما عقد وإن كان من جهة النذر، كأخت (١) عقبة بن عامر قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْهَا فلتكفر (٢) ، وتصوم ثلاثة أيام» (٣) فأمرها بالتكفير لتعذيبها نفسها، وبإنفاذ ما أوجبت على نفسها (٤) .

  4. فقد بَيَّنَ أحمد: أَنَّ الاعتبار في لفظ الأيمان والنذور بقصد الرجل ومراده؛ فكل مَنْ عَقَدَ شيئًا من اليمين فهو على ما أراد من اليمين، وإن كان صيغته صيغة الشرط والجزاء؛ كقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ كذا؛ حتى يكون مراده معنى النذر والتقرب إلى الله ــ تعالى ــ لا الحلف بذلك، كحديث أبي لبابة، فهذا يلزمه الوفاء، لكن إذا نذر الصدقة بماله كُلِّهِ أجزأه الثلث، وأما إن كان مراده اليمين فهو على ما عقد (٥) يكون يمينًا، وإذا كان نذرًا فإنه يُكَفِّرُ مع العجز، كحديث أخت عقبة بن عامر.

  5. وهذا الكلام يقتضي [أنَّ] (٦) الاعتبار في باب الأيمان والنذور بمراد الإنسان ومقصوده (٧) ، فإذا كانت صيغته صيغة الشرط والجزاء، فتارة يقصد النذر وتارة يقصد الحلف؛ فالأول كقوله: إِنْ شَفَى الله مريضي تصدقت بكذا،

    vol. 2, p. 507والثاني كقوله: لا أكلم فلانًا وإِنْ كلمتُهُ فعليَّ كذا، وكذلك إِنْ كانت صيغتُهُ صيغةَ القسم ومقصوده اليمين أجزأته الكفارة، وإِنْ كان مقصوده النذر لزمه الوفاء لقوله [تعالى] : {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} الآية [التوبة: ٧٥] .

  6. وعلى هذا؛ فإذا حَلَفَ على أفعال بِرٍّ ليفعلنَّها فقد نذرها، فإنَّ القَسَمَ زادها توكيدًا؛ فإذا قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي تصدقت، أو قال: والله لإنْ سَلَّمَ الله مالي لأتصدقنَّ = كان هذا نذرًا مؤكدًا، كالذين ذكرهم الله في كتابه.

  7. وإذا قال: إِنْ شَفَى الله مريضي، أو سَلَّمَ غائبي فعليَّ صدقة = كان هذا نذرًا.

  8. وإِنْ قال: إِنْ كلمتُ فلانًا أو زَوَّجْتُ فلانًا ونحو ذلك فعليَّ صدقة = فهذا حالفٌ لا ناذرٌ.

    قال (١) : قلتُ: قد طَوَّلَ في هذا الوجه؛ وملخَّصُهُ وملخَّصُ النصوص المنقولة فيه عن أحمد تُبيِّن ما يكون يمينًا وما يكون نذرًا، ويتحصَّلُ له من ذلك: أَنَّ تعليق الطلاق والعتق على وجه [١٣٦/ ب] الحث أو المنع داخلٌ في قسم اليمين ولا نزاع في ذلك؛ فقد تقدم استثناء أحمد لهما من الأيمان التي يجب فيها الكفارة، والاشتغال بعد ذلك بتقرير ما يدل من كلامه على أنهما من الأيمان لا يُجدي؛ غايته: أنْ يضم إليه أَنَّ كُلَّ يمين مكفَّرة، وهو الوجه الذي نازعناه في إرادة العموم منه، وأَنَّ النصوص الخاصة عن أحمد مُقَدَّمَةٌ عليه.

  9. ثم إِنَّهُ في هذا الفصل لم يمثِّل اليمين بعد التلخيص من كلام أحمد إلا