الوجه الثالث: لا يجوز لمدعي الإجماع الاستدلال به على المثبت للنزاع

21 paragraphs · vol. 2, p. 620

  1. الثالث: أَنْ يقال: المدعي للإجماع سواء اعتقده باستقرائه أو نقله عمن استقرأه = إنما يجوز له أن يحتج به ناظرًا أو مناظرًا إذا لم يكن عنده نقل بالنزاع؛ فأما مع وجود النقل بالنزاع فلا يجوز الاستدلال [به] (١) على المثبت (٢) للنزاع، فإنَّ وجود النزاع ينفي الإجماع، والنقل بالنزاع في الطلاق موجود من وجوه.

    vol. 2, p. 620
  2. لكن المقصود هنا: ذكر ما هو عند المعترض في كتبه التي ينقل منها؛ فمن ذلك: أَنَّ ابن حزم نقل في كتاب (الإجماع) له في الطلاق الأقوال الثلاثة: هل يلزم أم لا يلزم؟ وإذا لم يلزم هل يكفر أم لا؟

    فقال (٣) : (واختلفوا فيمن حلف بنحر ولده أو نحر أجنبي أو هديه (٤) أو بالمصحف أو بالتوراة أو بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه مخالف لدين الإسلام (٥) أو بطلاق أو بظهار أو تحريم شيء من ماله أو ما أحل الله، أو قال: عليَّ يمين، أو قال: علم الله، أو قال: حلفت، أو قال: لا يحل لي، أو قال: عليَّ لعنة الله، أو أخزاني الله= أيكفر، أم لا كفارة عليه وإن خالف ما حلف عليه؟

  3. واختلفوا في جميع هذه الأمور التي استثنيناها أفيها كفارة أم لا؟ وفي صفة الكفارة في ذلك؟ وفي وجوب بعضها.

    vol. 2, p. 621قال: واختلفوا في اليمين بالطلاق أهو طلاق فيلزم أم هو يمين فلا يلزم؟).

  4. فذكر في الحالف بالطلاق والظهار والنذر وسائر ما ذكره قولين: هل يكفر أم لا يكفر؟ ثم ذكر في الطلاق قولين: هل هو طلاق فيلزم أم هو يمين فلا يلزم؟

  5. فإنْ شئت قلت: إذا لم يكفر؛ ففيه قولان: هل هو يمين لاغية أم هو طلاق لازم؟ وإن شئت قلت: إذا قيل: هو يمين؛ فهل هو يمين مكفرة أم غير مكفرة؟ فإنَّ المقصود واحد.

  6. وهذا بخلاف الظهار والحرام فإنما ذكر فيه قولين هل يكفر أم لا؟ وذلك أَنَّ الطلاق إذا قيل هو ليس بيمين، فلا كفارة فيه باتفاق المسلمين؛ فلهذا ذكر فيه النزاع إذا قيل هو يمين هل يكفر أو لا؟ ثم ذكر النزاع هل هو يمين فلا يلزم أم هو طلاق فيلزم؟ فإذا قيل: هو طلاق لازم، فلا كفارة فيه بالاتفاق، بخلاف [١٧٢/ ب] غيره.

  7. فإنه إذا قيل: إنَّ الحلف بالظهار ظهار، والحلف بالحرام حرام، والحلف بالنذر نذر؛ ففي الظهار الكفارة وفاقًا، وفي الحرام والنذر على أحد القولين، وأما إذا قيل: إنه ليس بظهار ولا حرام ولا نذر بل هو يمين؛ ففيه النزاع: هل هو يمين مكفَّرة أم غير مكفَّرة؟

  8. فبكل حال؛ قد قيل فيه كفارة وإنْ قيل إنه ليس بيمين، بخلاف الطلاق فإنه إذا لم يكن يمينًا فلا كفارة فيه.

  9. ثم ذكر في موضع آخر ــ أعني: ابن حزم ــ فقال (١) : (واتفقوا على أَنَّ الطلاق إلى أجل أو بصفةٍ واقعٌ إِنْ وافقت وقت طلاق، ثم اختلفوا في وقت وقوعه؛ فمن قائلٍ الآن، ومن قائلٍ هو إلى أجله.

    vol. 2, p. 622
  10. واتفقوا إذا حان ذلك الأجل في وقت طلاق أن الطلاق واقع.

    قال: واختلفوا في الطلاق إذا خرج مخرج اليمين أيلزم أم لا؟).

  11. فقد ذكر النزاع في الطلاق الذي خرج مخرج اليمين في غير موضع من كتاب الإجماع.

  12. وذكر ــ أيضًا ــ في المحلى قال (٢) : (وأما مَنْ فَرَّقَ بين العتق المعيَّن وغيره فخطأ، وحجتهم في ذلك أنه عتق بصفة، وليس كما قالوا؛ بل هو يمين بالعتق، فهو باطل ــ أيضًا ــ لا يلزم.

    وقالوا: قسنا العتق المعيَّن على الطلاق المعين. فقلنا: القياس كله باطل، ثم لا يصح قولكم في الطلاق المعين إذا قصد به اليمين لا من قرآن ولا سنة ولا إجماع).

  13. فقد نفى أن يكون في الطلاق المعين إذا قصد به اليمين كتاب أو سنة أو إجماع، وهذا تخصيص منه لنفي الإجماع في الطلاق الذي قصد به اليمين دون الذي لم يقصد به اليمين، وقد ذَكَرَ الإجماع على أَنَّ الطلاق المعلق الذي لم يقصد به اليمين يقع، ثم اختار بعد ذلك في المحلى أنه لا يقع.

  14. وقد تقدم أَنَّ هذا قول أبي عبد الرحمن الشافعي، وهذا نزاعٌ لم يكن قد اطلع عليه ابن حزم ــ أيضًا ــ، كما قد ذكرنا قطعة كبيرة من إجماعاته التي فيها نزاع لم يطلع عليه (١) ، مع أنه من أعظم نقلةِ الإجماعات اطلاعًا، وأكثرهم انتقادًا.

    vol. 2, p. 623
  15. وقد قال في كتابه في (الإجماع) (٢) : (وإنَّا أملنا بعون الله ــ تعالى ــ أَنْ نجمع المسائل [١٧٣/ أ] التي صَحَّ فيها الإجماع، ونفردها من سائر المسائل التي وقع [فيها] الخلاف بين العلماء) .

  16. إلى أَنْ قال (٣) : (وقد أدخل قومٌ في الإجماع ما ليس منه؛ فقومٌ عَدُّوا قول الأكثر إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا ما لا يعلمون فيه خلافًا وإِنْ لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه= فحكموا على أنه إجماع، وقومٌ عَدُّوا قول الصاحب [المشهور] المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفًا [وإنْ وجد الخلاف من التابعين ممن بعدهم فعدوه إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول الصاحب الذي لا يَعرفون له مخالفًا من الصحابة - رضي الله عنهم - وإنْ لم يَشتهر ولا انتشر إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول أهل المدينة إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول أهل الكوفة] إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولين أو أكثر كانت للعصر الذي قبلهم إجماعًا.

    vol. 2, p. 624قال: وكل هذا آراء فاسدة).

    قال (١) : (وقومٌ قالوا الإجماع هو إجماع الصحابة فقط، وقومٌ قالوا: إجماع كل عصر إجماع صحيح، إذا لم يتقدم قبله في تلك المسألة خلاف) .

    قال: (وهذا هو الصحيح لإجماع الأمة عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به، وتركهم ما أَصَّلُوه له) .

  17. إلى أَنْ قال (٢) : (وصفةُ الإجماع: ما تُيُقِّنَ (٣) أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك، مثل: أَنَّ المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن (٤) ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأَنَّ بني أمية ملكوا دهرًا ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت وقعة صفين والحرة؛ وسائر ذلك مما يعلم بيقينٍ وضرورة).

    وقال ــ أيضًا ــ (٥) : (إنما نُدخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا نُخالَف فيه البتة، الذي نعلمه كما نعلم أَنَّ صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان) .

  18. فهذا شرطه في إجماعه؛ ومع هذا: فقد ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو ــ أيضًا ــ، قد ذكرنا منها قطعة فيما كتبناه في الإجماع في غير هذا الموضع.

  19. وأما ما ينقله ابن عبد البر من الإجماعات؛ فيوجد في كثيرٍ منها من النزاع أكثر مما يوجد في إجماعات ابن حزم، وهما في عصرٍ واحدٍ وبلدٍ واحدٍ؛ مثل هذه المسألة، فإنَّ ابن عبد البر نقل فيها الإجماع مع أَنَّ من عادته أنه ينقل قول داود وأصحابه، ويقال: إنه كان أولًا على مذهبهم، كما كان أبو إسحاق الشيرازي على مذهبهم؛ ومع هذا فلم ينقل ابن عبد البر مذهبهم في ذلك كما نقله ابن حزم، لأنه [١٧٣/ ب] لما رأى ما ذكره أبو ثور وابن (١) نصر تبعهما في ذلك، وقد تبين أن الأصل في ذلك عدم علم أبي ثور بالنزاع أو ظنه عدم النزاع، وهذا إذا عارضه مَنْ أثبتَ النزاعَ مجملًا لم يكن لأحدٍ أَنْ يجزم بنفي النزاع، بل ولا يظنه إذا لم يعلم انتفاءه مع جزم الناقل بثبوته، فكيف وقد عرف ثلاثة أقوال أخر؟!

    vol. 2, p. 625
  20. قولُ مَنْ يقول: الطلاق المعلق بالصفة لا يقع بحال؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم ومن وافقهم من الإمامية كالمفيد والموسوي والطوسي وغيرهم، وإِنْ كان هؤلاء لم ينفردوا عن أهل السنة بقولٍ صواب، فإذا قالوا قولًا قاله بعض أهل السُّنَّة ذُكِرُوا تبعًا لأهل السنة، وقد ذكرنا تنازع الناس في أهل الأهواء هل يعتد بنزاعهم أم لا في موضع آخر (٢) .

  21. والقول الثاني: قولُ مَنْ يُفَرِّقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي لا يقصد، لكن يقول: إذا قَصَدَ اليمين لم يقع ولا كفارة عليه كما يقول ذلك طائفة أكثر من ذلك، وهو محكي عن داود وغيره وعن طائفة من أهل البيت.