بطلان المقدمة الأولى ببيان وقوع النزاع في العتق

10 paragraphs · vol. 2, p. 83

  1. فيقال لك: هذا وأمثاله من الاعتراضات على أجوبة المجيب لا يصلح أن يكون دليلًا لك في المسألة، وإنما يصلح أن يكون جوابًا عن استدلاله؛ ومع هذا فليس بجواب صحيح، بل كلا المقدمتين اللتين (١) ذكرتَهما في الجواب ظاهرة البطلان، فإنَّ ابن تيمية لم يكن معظم استدلاله هو القياس على العتق، ولا ذكرتَ بينهما فرقًا مؤثرًا في الشرع، بل أنت معترف بفساد الفرق بينهما، وأنَّ هذا الفرق وإن كان قد قاله أحد من الصحابة فقد أخطأوا في ذلك.

    vol. 2, p. 83
  2. أما المقدمة الأولى: فمعلومٌ أن النزاع في العتق مشهور، والأربعة وغيرهم ينازعون في العتق، وقد ادعى بعضهم الإجماع على وقوع العتق المحلوف به؛ فكيف يكون هذا حجة؟! بل إذا قيس الطلاق على العتق فلا بُدَّ من إثبات الحكم في الأصل بدليل يدل عليه.

  3. وأيضًا؛ فالمجيب استدل بالكتاب والسنة ودلالتهما من جهة عموم الخطاب عمومًا محفوظًا من أظهر الأدلة القولية، ومن جهة عموم المعنى المؤثر في سائر الصور؛ وهذا غاية ما يُستدل به على الأحكام الشرعية، فإن النص على كل فردٍ فردٍ ممتنع، وإنما بُعث الشارع بجوامع الكلم التي تَجْمَعُ في الكلمة الواحدة أنواعًا وأعيانًا؛ كما قال: «بعثت بجوامع الكلم» (٢) . ولما (٣) سُئل عن الحُمُر قال: لم يَنزل عَلَيَّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ

    vol. 2, p. 84شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ ــ ٨] أخرجاه في الصحيحين (١) ، وقال: «إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض» (٢) ، وفي الصحيحين ــ أيضًا ــ عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أَنَّ [٢٥/ ب] النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل عن الأشربة، فقيل: عندنا شرابٌ (٣) يُصْنَعُ من الذرة يقال له: المِزْر، وشرابٌ (٤) يصنع من العسل يقال له: البِتْع، وكان قد أوتي جوامع الكلم؛ فقال: «كل مسكر حرام» (٥) .

  4. وكلماته الجامعة هي القواعد الكلية وهي الألفاظ العامة، وهي ضوابط شرعه وقوانين دينه، لكن بعض الألفاظ يدخلها تقييدٌ يُجْعَلُ تخصيصًا لها، وقد لا يفهم منها المعنى العام الذي جعله الشارع مناط الحكم، فإذا كان خطابه العام وكلمته الجامعة باقية على عمومها لم يخص منها صورة، والمعنى الذي جعله مناط الحكم موجودًا في الصورة المستدل عليها= كان هذا غاية ما يستدل به على الأحكام، وإذا تم تصور الإنسان لمقصود الشارع كان علمه بذلك قطعيًا وإن كان غيره لم يفهم ذلك أو لم يحصل له فيه إلا ظن (٦) .

  5. وأيضًا؛ فالقياس الجلي في المسألة وهو قياسه على ما ثبت إما بإجماع

    vol. 2, p. 85الأمة وإما بإجماع الصحابة وإما بدلالة الكتاب والسنة من أن تعليق النذر الذي يقصد به اليمين هو يمين تجري فيه كفارة يمين، وهذا المعنى موجود في تعليق الطلاق والعتاق إذا قصد به اليمين؛ فهذه الأدلة تدل على أن تعليق الطلاق والعتاق جميعًا إذا قُصِدَ به اليمين كانت يمينًا مكفرة، ثم ذكرنا الآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين في العتق لنبين النزاع فيه وندفع من ظن في ذلك إجماعًا، وكان تعليق العتق قد اشتهر النقل فيه عن الصحابة والتابعين لكون الحلف بالتزام القُرَبِ كان قد ظهر في زمن الصحابة، بخلاف الحلف بالطلاق والظهار والحرام فإنَّ هذا لم يكن مشهورًا في زمنهم [قد كثر في كلامهم من ذلك] (١) ليعلم أنهم إذا أجابوا في ذلك بكفارة يمين معللين ذلك بأنه يمين كان جوابهم في الحلف بالطلاق بكفارة يمين أولى وأحرى لشمول الدليل والعلة له، وأنَّ العتق مع كونه قربة يَلزم بالنذر إذا كان قصد اليمين في تعليقه مانعًا من لزومه فلأن يكون هذا مانعًا من لزوم الطلاق الذي لا يلزم بنذر وليس بقربة بطريق الأولى والأحرى.

  6. ومذاهب العلماء المجتهدين يؤخذ من عموم خطابهم وعموم [٢٦/ أ] تعليلهم، كما يؤخذ حكم الشارع من عموم خطابه وعموم علته (٢) ؛ وعموم العلة أقوى من عموم اللفظ، فإنَّ العموم اللفظي يَقبل التخصيص لمطلق الأدلة، وأما العلة فلا يجوز تخصيصها إلا بفرقٍ معنوي مؤثِّر يبين اختصاص صورة الفرق بوصف يوجب انتفاء الحكم عنها، وإلا فلو ساوت سائر الصور في العلة الموجبة للحكم= لوجب أن يساويها في الحكم، وإلا

    vol. 2, p. 86كان ذلك تناقضًا ينزه الشارع عنه.

  7. فإنه إذا قال: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام؛ فعلَّق الحكم بوصف مشتق مناسب وهو السُكر، ثم أباح بعض المسكرات دون بعض مع عدم اختصاص ذلك المسكر بوصف يوجب الإباحة = كان هذا تناقضًا؛ بخلاف ما إذا أباح المسكر للضرورة ــ كما أباح الميتة للضرورة ــ مثل إباحته لدفع الغصة أو إباحته لمن أُكْرِهَ على شربه أو للعطش ــ إِنْ قيل إنه يدفع العطش ــ فهذا تخصيص بمعنى يوجب الفرق، كما يوجد مثل هذا التخصيص في تحريم الميتة، ولكن هو ــ سبحانه ــ في القرآن قال في الميتة والدم ولحم الخنزير: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة: ١٧٣] ولم يَذكر مثل ذلك في تحريم الخمر، لأنَّ الحاجة إلى الغذاء حاجة عامة، فالاضطرار إلى أكل هذه المحرمات يقع كثيرًا، وأما الخمر فلا يكاد أَحَدٌ يحتاج إلى شربها؛ فإنه لا يكاد أَحدٌ يغص بالطعام وليس عنده إلا خمر، وكذلك لا يكاد أحد يعطش وليس عنده إلا خمر، فإن الماء متيسر غالبًا، وكذلك وجود غيرها من المرطبات التي هي أبلغ منها في دفع العطش كثير جدًا، وأما هي فقد قيل تزيل العطش وقيل لا تزيله، ولهذا اختلف الفقهاء في شربها للعطش بناء على هذا المأخذ (١) .

  8. وكذلك في الأيمان إذا قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] وكان هذا الخطاب يتناول ما هو يمين من أيمان المسلمين وإن كان بصيغة التعليق كقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ الحج ومالي صدقة ونحو ذلك كما ثبت ذلك عن الصحابة وجمهور التابعين، بل ويتناول قوله: وكل مملوك لي حر؛ فمن المعلوم أَنَّ تناول ذلك ــ أيضًا ــ للحلف بالطلاق واجب كتناوله لهذه الصورة وأولى، ويمتنع أن يكون الشارع قد جعل هذا الخطاب متناولًا للحلف بالنذر أو بالنذر والعتق دون [٢٦/ ب] الحلف بالطلاق، ويمتنع أن يكون كون التعليق يمينًا هو الوصف المؤثر في تحليل هذه اليمين بالكفارة، ثم تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين لا يؤثر كونه يمينًا في تحليل هذه اليمين بالكفارة، فإنَّ هذا من أعظم التناقض الذي يُنَزَّهُ عنه الصحابة - رضي الله عنهم - فضلًا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فضلًا عن رب العالمين ــ سبحانه وتعالى ــ.

    vol. 2, p. 87
  9. ويمتنع أن يقوم دليل شرعي إجماع أو غير إجماع على [أنَّ] (١) هذا التعليق القسمي يكفر دون هذا التعليق، كما يمتنع أن يقوم إجماع أو غير إجماع على الفرق بين هذا المسكر وهذا المسكر مع تساويهما من كل وجه في الصفات المعتبرة في الشرع، فإن الأمة لا تجتمع على خطأ ولا على ضلالة (٢) ،

    vol. 2, p. 88والفرق بين المتماثلين ونقض العلة مع تساويها في محالها, ومخالفة الكتاب والسنة = من الخطأ الذي نَزَّه الله الأمة أن تجتمع عليه (١) .

  10. ولهذا ــ ولله الحمد والمنة ــ لا توجد الأمة مجتمعة على حكم إلا وأدلته أدلة صحيحة سالمة عن المعارض المقاوم، والاحتجاج بدعاوى الإجماعات المخالفة للكتاب والسنة والقياس الجلي في مثل هذه المسائل مما ابتدع في الإسلام بعد انقراض عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان بل وبعد عصر التابعين، ولهذا أنكر أئمة الإسلام مثل هذه الدعاوى؛ كما أنكر ذلك أحمد بن حنبل وغيره، وكذلك الشافعي ذكر أن السلف لم يكونوا يَدَّعُون مثل هذه الإجماعات (٢) .