الوجه الثالث: أنه قد نقل عن بعض الصحابة ألفاظ تعم الطلاق والعتاق

9 paragraphs · vol. 2, p. 675

  1. إذا نذر الطلاق لم يكن عليه شيء [١٨٧/ ب] فهؤلاء قد يقولون: إذا عَلَّقَهُ على وجه اليمين لزمه الكفارة، كقوله: إنْ لم أفعل كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي كما ذَكَرَ ذلك مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أصحاب الشافعي الخراسانيين وأصحاب أبي حنيفة.

    vol. 2, p. 675
  2. وكذلك إذا نذر الطلاق على وجه اليمين بأنْ يقول: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي؛ ومرادُهُ: حَضَّ نفسه؛ أي: والله لأطلقنَّ امرأتي؛ فعليه كفارة يمين إذا لم يُطلِّق عند أحمد وأبي حنيفة، وكذلك ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ من الخراسانيين، وأحمد يوجب عليه الكفارة سواء نذره للتقرب إلى الله لاعتقاده أَنَّ طلاقَ المرأة قربة، أو أَنَّ الطلاق والترهب قربة، أو كان قصده بالنذر الحلف، وقصده حض نفسه على الطلاق.

  3. والمقصود: أنه على كل تقدير إذا قيل: إِنَّ العتق المحلوف به لا يلزم فالطلاق أولى ألا يلزم، وأما وجوب الكفارة فلا يقال: إذا وجبت في الحلف بالعتق فهي في الحلف بالطلاق أولى، بل هذا فيه نزاع، لكن يقال قام الدليل على أَنَّ الطلاقَ المحلوف به كالعتق المحلوف به في لزوم الكفارة في ذلك.

  4. الثالث: أنه قد نقل عن بعضهم ألفاظ تَعُمُّ الطلاقَ والعتاق؛ كقول ابن عباس: (الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله) (١) .

  5. وما يروى عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (كُلُّ يمينٍ ــ وإنْ عظمت ــ فكفارتها كفارة اليمين بالله) (٢) . فهذا يتناول الحلف بالطلاق وغيره.

  6. فقد تبين أنه إِنْ كان القياس صحيحًا؛ فإنه يلزم من فتواهم بعدم وقوع العتق المحلوف به، وإيجاب الكفارة في ذلك، وجعل ذلك يمينًا، وجعل تعليق العتق غير لازم إذا قصد اليمين = أن يكون الطلاق المعلَّق إذا قصد به اليمين أولى ألا يكون لازمًا، وهذا لا ينازع فيه إلا معاند قوي العناد أو جاهل قوي الجهل.

    vol. 2, p. 676
  7. وإلا فقول القائل: العتق المحلوف به لا يلزم، بل فيه كفارة يمين لأنه (١) يمين مكفرة، وليس هذا التعليق الذي قصد به اليمين لازمًا مع القول بأن تعليق الطلاق الذي قصد به اليمين [١٨٨/ أ] لازم = في غاية التناقض والفساد الذي يصان عنه مَنْ هو دون الصحابة؛ ومَنْ نَسَبَ ذلك إلى فقهاء الصحابة فقد أسرف في نسبتهم إلى الغباوة وقلة الفقه.

  8. وأبو ثور ــ رحمه الله تعالى ــ لم يقل ذلك لدليل شرعي من كتاب أو سنة ولا قياس صحيح، ولا لمعنًى اختص به الطلاق عنده، ولا لكون العتق يُشترط فيه قصد التقرب ــ كما ذكره هذا المعترض ــ بل لظنِّهِ أَنَّ الطلاق محل وفاق، فجعله موضع استحسان مخالفًا للأصول والقياس.

  9. كما يفعل مثل ذلك مَنْ يقول بجواز تخصيص المعاني والعلل العامة بمجرد دليل، والدليل المخصِّصُ عنده هو ظنه الإجماع، وهذا الظن منتفٍ في الصحابة الذين هم أولُ مَنْ تكلَّم في هذا الباب، فلم يكن قبلهم إجماع يتبعونه، ولا عندهم ظن إجماع يهابونه؛ بل لم يتكلم أحد قبلهم في الحلف بالطلاق.