الوجه الثاني: أن دعواه الإجماع مقابلة بما هو أظهر منه من دعوى الإجماع على نقيضه
6 paragraphs · vol. 2, p. 748
- vol. 2, p. 748
وقد تبين أَنَّ الأمر بخلاف ذلك، وأَنَّ جماعةً من أئمة الصحابة والتابعين يقولون بأنَّ العتق المحلوفَ به فيه كفارة ــ كما تقدم غير مرة ــ، بل القائلون من الصحابة والتابعين بأنَّ فيه كفارة يمين أكبرُ وأجلُّ من القائلين بلزوم العتق.
-
الثاني: أَنَّ دعوى الإجماع في ذلك مقابَلٌ بما هو أظهر منه من دعوى الإجماع على نقيضه، وذلك أَنَّ القول بالتكفير هو القول الثابت عن الصحابة - رضي الله عنهم -، ونقيضه ضعيف، والرواية المخالفة لهذه متروكة بإجماع العلماء.
-
فالصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ روي عنهم في الحلف بالعتق والنذر روايتان؛ رواية التكفير ــ كما في حديث ليلى بنت العجماء ــ، وروايةُ التزام النذر ــ كما في حديث عثمان بن حاضر ــ، وهذه الرواية متروكة باتفاق العلماء، فإنَّ فيها أَنَّ الحلف (١) بالمال يجزئ فيه الزكاة، وَأَنَّ الحلف بالذبح يجب فيه بدنة، مع قولهم: إنَّ العبد يعتق، ولم يقل أحد من العلماء بهذه الثلاثة.
-
وإذا كانت هذه الرواية مع ضعفها متروكة بالإجماع، فقد أجمع التابعون وَمَنْ بعدهم على ترك أحد قولي الصحابة، فإنْ كان إجماع التابعين بعد تنازع الصحابة يرفع النزاع، فقد أجمع التابعون على بطلان القول بهذه الرواية، ولم يَبْقَ عن الصحابة إلا الرواية الأولى، والصحابة لم يقولوا إلا هذا أو هذا، وفي كليهما (٢) سَوَّوا بين العتق والنذر، فَمَنْ فَرَّقَ بينهما، أو قال بلزوم العتق والنذر كما قَدَّرَه = فقد خالف إجماعهم، لم يقل بقولهم هذا ولا بقولهم هذا.
- vol. 2, p. 749
وإذا اختلف الصحابة على قولين؛ لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالثٍ عند عامة العلماء، فإنَّ إحداثَ قول ثالث كإحداث قول ثانٍ، إذ كان الصواب لا يخرج عن أقاويل الصحابة (١) ؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل: (يلزم مَنْ قال: يخرج من أقاويلهم إذا اختلفوا: أَنْ يخرج من أقاويلهم إذا اجتمعوا) (٢) .
وقال ــ أيضًا ــ: (إذا اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَخَيَّرَ من أقاويلهم [٢١٠/ أ] ولا يخرج عن قولهم إلى مَنْ بعدهم) (٣) ، وهذا قول عامة العلماء، وإنما نازع في ذلك شذوذ.
-
وحينئذٍ؛ فإذا لم يكن للصحابة إلا قولان، قول بلزوم العتق والنذر وقول بتكفيرهما جميعًا، والرواية بلزومهما متروكة باتفاق التابعين بعدهم = تعين أَنْ يكون القول بتكفيرهما هو القول الصواب، لئلا يلزم اتفاق الصحابة أو التابعين على الخطأ، فإنه إِنْ كان الصواب حديث عثمان بن حاضر، وقد