الوجه الأول: بيان ما تضمنه كلام المعترض من الجهل بمعنى القياس، والفرق بين زائغه ومستقيمه

20 paragraphs · vol. 2, p. 779

  1. واستعملَ النقضَ في القياس وهو (١) إنما توصف به العلة.

    vol. 2, p. 779
  2. وقوله: (وهو عندهم يمين اعتبارًا بمعناه (٢) )؛ موافقٌ لما قلناه من موافقة التعليقات المذكورة لليمين بالله في الالتزام، فلذلك جُعِلَت يمينًا، لا أَنَّ المعتبَر كونُ الحَثِّ والمنع حاصلًا فيها خاصة، لأنَّ الحَثَّ والمنع فرعٌ عن الالتزام الحامل (٣) عليه) (٤) .

  3. والجواب من وجوه:
  4. أحدها: قول المعترض: (إِنَّ النقض المذكور لا يصح؛ لما تقدم من الفرق بين تعليق الالتزام وتعليق الطلاق والعتق) كلامٌ يتضمن الجهل بمعنى القياس صحيحه وسقيمه، والفرق بين زائغه ومستقيمه؛ وذلك: أَنَّ القياس إذا انتقض بصورة من الصور = كان هذا سؤالًا صحيحًا باتفاق الناس، لم يختلفوا أنه إذا وجد الوصف الذي عُلِّقَ به الحكم في القياس بدون الحكم أَنَّ هذا قياس منتقضٌ، وَأَنَّ هذا سؤال وارد.

  5. لكن مَنْ يقول بأن العلة لا يجوز تخصيصها يقول: بأنَّ هذا يستلزم فسادَ القياس ولا جواب عنه، ويقول: إنه متى انتقضت العلة فسدت.

  6. وَمَنْ يقول بأنه يجوز تخصيصها إما لفوات شرط وإما لوجود مانع، أو مَنْ يُجَوِّزُ تخصيصها لمطلق الدليل فإنه يجيز النقض بالفرق؛ فيفرِّق بين

    vol. 2, p. 780صورة النقض وبين الأصل بِفَرْقٍ مشترَكٍ بين الأصل والفرع منتفٍ في صورة النقض، لأنَّ الوصف وُجِدَ في الأصل مقرونًا بالحكم، ووجد في صورة النقض بدون الحكم، فليس إلحاق الفرع بصورة الأصل أولى من إلحاقه بصورة النقض، فإنَّ الوصف موجود في الصور الثلاث، والحكم موجودٌ معه في صورةٍ معدومٌ معه في صورةٍ أخرى، وصورة النزاع محتملة، فليس جعلها لأجل الوصف كالأصل بأولى من جعلها مع الوصف بصورة النقض.

  7. والناس هنا لهم ثلاثة أقوال، هي ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره؛ أحدها: [٢٢٠/ ب] أنهم لا يقبلون الجواب عن النقض، لقولهم: إِنَّ العلة إذا خُصَّت تبين فسادها.

  8. والثاني: يقبلون الجواب بذكر دليل يخص صورة النقض بانتفاء الحكم فيها، وهم الذين يُجَوِّزُون التخصيص لمطلق الدليل، ويقولون بالاستحسان الذي هو تخصيص العلة لمجرد دليل لا لمعنًى مؤثِّر.

  9. والثالث ــ وهو أصح الأقوال ــ: أنه يقبل الجواب ببيان فرقٍ مؤثر يوجب مفارقةَ النقض للأصل والفرع بوصفٍ اختصَّ (١) به دونهما؛ أوجب انتفاء الحكم عنه، كتخلف الحكم لفوات شرطٍ أو وجود مانع (٢) .

  10. والنزاع بين مَنْ يقول بتخصيص العلة لمعنى مؤثر ومن يمنعه نزاعٌ لفظي؛ فإنَّ العلة قد يراد بها العلة التامة المستلزمة للحكم (٣) ؛ فهذه يدخل

    vol. 2, p. 781فيها كل معنى ينتفي الحكم بانتفائه، مثل: جزء العلة وشرطها وعدم المانع، وهذه متى انتقضت بطلت.

  11. ويراد بالعلة: المعنى المقتضي للحكم وَإِنْ كان له شروط وموانع؛ فهذه يجوز تخصيصها لفواتِ شرطٍ أو وجود مانع.

  12. وأما التخصيص بدليل لا يبين الفرق المعنوي؛ فهذا لا يقبل إلا إذا كانت العلة ثابتة بنص أو إجماع، والتخصيص كذلك، فيكون الحكم في الحقيقة ثابتًا بالخطاب، ويكون التخصيص من باب تخصيص الألفاظ لا من باب تخصيص المعاني.

  13. إذا عُرِفَ هذا؛ فهذا القياس المذكور في أَنَّ العتق المعلق بالصفة يقع وَإِنْ قصد به اليمين. قيل فيه: بأن العتق عُلِّقَ على شرطٍ وهو قابل للتعليق فيقع بوجود شرطه، كالطلاق.

  14. والقائسون بهذا القياس لم يقيموا دليلًا لا من نَصٍّ ولا إجماع على أَنَّ كُلَّ قابلٍ للتعليق إذا عُلِّقَ بأيِّ شرطٍ كان وقع، وهم يقولون: إن النذر قابل للتعليق، وإذا عُلِّقَ بشرط فَإِنْ كان على وجهِ اليمين لم يلزم، وإِنْ كان على وجه التقرب لزم؛ فَيُقَسِّمُونَ القابل للتعليق إذا عُلِّقَ إلى قسمين: قسم يلزم؛ وهو إذا قصد وجود الجزاء عند الشرط. وقسمٌ لا يلزم؛ وهو إذا قصد به اليمين.

  15. [٢٢١/ أ] فإذا قالوا ذلك؛ ثم ذكروا عن منازعيهم من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من الفقهاء أَنَّ العتق المعلق بالصفة إذا قصد به اليمين لم يلزم وإذا قصد به الإيقاع لزم، كما قالوا هم في تعليق النذر، فإذا احتجوا عليهم

    vol. 2, p. 782بقولهم: العتق عُلِّقَ على شرط وهو قابل للتعليق فيقع كالطلاق = كان هذا القياس منتقضًا بالنذر المعلَّق على شرط إذا قُصِدَ به اليمين فإنه قابل للتعليق، وهو لا يلزم إذا قصد به اليمين.

  16. ولا فرق بين أن يكون المعلق وجوبًا في الذمة أو حكمًا في عين من الأعيان، فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي ففرسي هذه حبسٌ في سبيل الله أو فشاتي أضحية أو هدي ونحو ذلك جاز، ولو قصد به اليمين لم يلزم.

  17. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقفٌ على المساكين جاز في أحد الوجهين في مذهب أحمد، ولو قصد به اليمين لم يلزم.

  18. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فَكُلُّ شيءٍ لي على الناس فهم في حِلٍّ منه صَحَّ ذلك في أظهر القولين. ولو قصد به اليمين لم يلزم مثل أَنْ يقول: إِنْ سافرت معكم فمالي هدي ودُوْرِي وقف ومالي على الغرماء صدقة عليهم ونحو ذلك.

  19. فالمقصود: أنه إذا قاس قياسًا، فذكر وجود الوصف بدون الحكم، كان هذا نقضًا واردًا على القياس بلا ريب، ثم إِنْ كان هناك فرقٌ صحيح كان من باب الجواب عند من يجيز النقض بالفرق، ومَنْ لا يقبله يقول: كان ينبغي له أن يذكر في العلة.

  20. فهذا الفرق الذي ذكره المعترض لو كان صحيحًا كان ينبغي عند هؤلاء أَنْ يذكر في القياس، فيقال: عُلِّقَ على شرطٍ على غير وجه الالتزام، أو حُكْمٌ في عينٍ معينةٍ عُلِّقَ على شرطٍ، ومن يقبل جواب النقض فإنه يَعترف بأنه سؤالٌ صحيحٌ لكن بذكر الفرق، لا نقول ــ كما قال المعترض ــ: (إِنَّ هذا