الجواب عن قول المعترض: (وابن تيمية يوافق على وقوع الطلاق المعلق بالصفة)

18 paragraphs · vol. 2, p. 97

  1. السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» (١) ، وإنما الطلاق الذي قَصَدَ إيقاعه عند الصفة، فهو تطليق عند الصفة من غير أن يحتاج إلى فعل في الصفة بل بمنزلة الظرف؛ كما لو قال: أنتِ طالق عند الهلال.

    vol. 2, p. 97
  2. وأما قوله: (وابن تيمية يوافق على وقوع الطلاق المعلق بالصفة التي ليس فيها يمين؛ فيلزمه على مساق كلامه إذا قال: إنه عند الصفة يصير تطليقًا، فليقل: بأنه عند وجود الشرط والحنث يصير تعليقًا) .

  3. فيقال: ابن تيمية مع قوله بالفرق يقول: لا حجة للمعترض وأمثاله ممن يجمع ويُفَرِّق في أحكام التعليقات بغير دليل شرعي على من نفى وقوع

    vol. 2, p. 98الطلاق المعلَّق، فإنهم يجمعون بين ما فرق الله بينه ويفرقون بين ما جمع الله بينه، فلم يكن لهم حجةٌ شرعيةٌ على ما يذكرونه من وقوع الطلاق المعلق ــ سواءً قصد به اليمين أو الإيقاع ــ من المنع من وقوع غيره من الأحكام المعلقة؛ كالولايات والوكالات والضمانات والأنكحة وغيرها من الأحكام.

  4. وأما ابن تيمية فإنه يقول: الطلاق الذي يَقصد إيقاعه عند الصفة يَلزم، كما يلزم النذر المعلَّق بالصفة والعتق المعلَّق بالصفة والجعالة المعلَّقة بالصفة والظهار المعلَّق بالصفة والتحريم المعلَّق بالصفة والولايات المعلَّقة بالصفات، وغير ذلك من الأحكام مما يدخل في مسمى الاسم الذي عُلِّقَت به الأحكام لفظًا ومعنى، ويُفَرِّقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع، وهو يقول: كما أَنَّ لفظ النذر والعتق يتناول مُنَجَّزَهُ ومُعَلَّقَهُ= فكذلك لفظ الطلاق وغيره لا فرق بينهما لا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع [٢٩/ ب] ولا العقل.

  5. فلما كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١) يتناول المُطْلَقَ والمعلَّق بالنص والإجماع، وقوله: «الولاء لمن أعتق» (٢) يتناول المنجِّزَ للعتق والمعلِّقَ له بالإجماع= فكذلك قوله: «الزعيم غارم» (٣)

  6. يتناول المنجِّز

    vol. 2, p. 99للضمان والمعلِّق له، كقوله: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: ٧٢] فهذا ضمانٌ بحِمْلِ بعير، وهو معلَّق على المجيء بالصاع، وهو تعليق للجعالة وللكفالة، لكنه تعليق على سبب الوجوب، ولهذا كان جمهور العلماء أحمد وغيره على أنَّ تعليق الضمان على سبب الوجوب يجوز، مثل أن يقول: إنْ أقرضتَهُ ألفًا فأنا ضامنٌ له، وتنازعوا فيما إذا عَلَّقَهُ بغيره كطلوع الشمس، وفيه وجهان في مذهب أحمد؛ والأظهر جوازه.

  7. وعلى هذا فالمطلِّق موقعٌ للطلاق عند الصفة، كما أَنَّ الناذرَ ملتزمٌ للمنذور عند وجود الصفة، وهو من جنس التعليق يُطَلِّقُ طلاقًا مقيدًا موصوفًا لا طلاقًا منجزًا مرسلًا، كما أَنَّ الناذر من حين يعلق النذر ناذرٌ نذرًا مقيدًا موصوفًا لا نذرًا مطلقًا، ولا فرقَ بينَ حال المطلِّق والناذر والجاعل بين عقد التعليق وبين وجود الصفة التي لا تتعلق بفعله، فإنه لم يتجدد منه

    vol. 2, p. 100شيء، لكن إذا حدثت الصفة وقع الطلاق الذي كان عَلَّقَهُ به، كما يجب المنذور الذي كان عَلَّقَهُ بالصفة، ويحصل العتق الذي عَلَّقَهُ بالصفة، ويجب الجُعْلُ الذي علقه بالصفة إذا قال: مَنْ رَدَّ عبدي الآبق له عشرة دراهم فإذا حصل الرد وجب الجعل، فالتطليق متقدم من حين عقد التعليق، ووقوعُ الطلاقِ حاصلٌ إذا حصلت الصفة التي عَلَّقَ بها الطلاق كسائر الأمور المعلقة بأسبابها.

  8. ومجرد تعليق الطلاق تطليقٌ معلَّقٌ بالصفة (١) ليس تطليقًا مجردًا منجزًا مرسلًا، ولا يقول: إنه لا يسمى تطليقًا معلقًا بالصفة إلا عند وجودها، بل هو موجود، ويسمى بذلك قبل أنْ يقع، لكن عند وقوعها وقع الطلاق وصارت المرأة مطلَّقة؛ فحصول المجموع وهو في تلك الحال صار مطلقًا بالفعل طلاقًا وَقَعَ وَحَصَل.

  9. وأما القاصد لليمين فهذا لا نُسلِّم أنه مُطلِّق؛ كما أنَّ المعلِّق للنذر القاصد لليمين لا نسلم [٣٠/ أ] أنه ناذر، بل هذا حالف وهذا ناذر، لا هذا أراد النذر ولا هذا أراد الطلاق، ولا المعلِّق للعتق والظهار والحرام على وجه اليمين أراد العتق والظهار والحرام، لا هو ناذرٌ لا مطلقًا ولا مقيدًا، ولا مُطلِّقٌ لا مطلقًا ولا مقيدًا، ولا معتقٌ ومظاهِرٌ ومحرِّم لا مطلقًا ولا مقيدًا؛ فكيف يصير مُطَلِّقًا عند وجود الصفة بدون أن يكون عند التعليق لا مُطَلِّق لا مطلقًا ولا مقيدًا؟!

  10. وليس بين تعليق النذر على وجه اليمين وبين تعليق الطلاق والعتاق

    vol. 2, p. 101والظهار والحرام إلا فرقٌ غير مؤثر في الشرع، فإنَّ الناذر عَلَّقَ الوجوب بالشرط، والوجوب مقتضاه أَنْ يفعل ما أوجبه، فمقتضى التعليق أفعالٌ (١) يؤمر بها، والموقِعُ عَلَّقَ بالشرط وقوع الطلاق والظهار والحرام.

  11. والوقوع مقتضاه حرمة أفعال وتركها والكَفُّ عنها؛ فمقتضاه ترك محظورات، كما أَنَّ مقتضى النذر فعل مأمورات، ولما كانت الحرية إذا ثبتت لم يؤمر الإنسان بفعلٍ ينشئه بعدها بل الكَفُّ والإمساك، والوجوب يؤمر فيه بفعل المنذور، وصار الناذر يفعل، ثم إنه بعد الحلف بالنذر قد يخير بين فعل المنذور والتكفير.

  12. وأما الحرية فهي إذا ثبتت لم توجب إلا الكَفَّ والإمساك، فلا يُعْقَلُ تَخَيُّرٌ بينَ فعلٍ وبين تكفير وهذا فرق صوري؛ فإنه إذا كان قصده اليمين لم يثبت هناك وجوب، بل كان مخيرًا بين فِعْلِ ما عقد سبب وجوبه من التكفير؛ وهنا إذا كان قصده اليمين لم يثبت وقوع، بل كان مخيرًا بين إيقاع ما انعقد سبب وقوعه وبين التكفير، وهو مخيرٌ بين التكفير وبين الإيقاع الموجب للوقوع والمقتضي للكف، وهناك (٢) مخيرٌ بين التكفير وبين الفعل الذي انعقد سبب وجوبه؛ فالوقوع هناك متقدم على الفعل الذي يخير بينه وبين التكفير، وهنا الوقوع متأخر عن الإيقاع الذي يخير بينه وبين التكفير، وهذا فَرْقٌ لا تأثير له في الشرع.

  13. والجمع والفرق إنما يكون بالصفات المؤثرة في الشرع، المعتبرة في

    vol. 2, p. 102الكتاب والسنة؛ وهي الصفات التي عَلَّقَ الشارع بها الأحكام، ولهذا يقول (١) [٣٠/ ب] الفقهاء: هذا وَصْفٌ شَهِدَ له الشرعُ بالاعتبار، وهذا وَصْفٌ شَهِدَ له بالإلغاء والإهدار، وتكلم كثيرٌ منهم في المناسب المرسل والمصالح المرسلة هل يجوز تعليق الأحكام بها أم لا؟ بناءً على اعتقادهم أن في الوجود مناسبًا ومصالحَ (٢) لم يعتبرها الشرع ولم يلغها؛ وهذا غلط، فليس في الوجود وصف يظن أنه مناسب أو مصلحة إلا والشارع قد اعتبره أو أهدره (٣) .

  14. وقد بَيَّنَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - جميع الدين وما تعلق به الشرع من الأوصاف، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٤) ، وقد قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ

    vol. 2, p. 103نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣] .

  15. لكن قد يخفى على كثيرٍ من الناس ما بيَّنه الله ــ تعالى ــ وَدَلَّ عليه من الأحكام وما عَلَّقَ به تلك الأحكام من الصفات المعتبرة المناسبة وما في ضمن ذلك من المصالح والحِكَم، وقد يَظُنُّ أنَّ ما أهدره وألغاه فيه مصلحة وهو مناسب، وتكون مصلحته ــ إِنْ كان فيه مصلحة ــ مرجوحة بالمفسدة الراجحة، وكذلك إن كان فيه نوع مناسب فتكون مرجوحة بالمناسبة التي تقتضي خلافه.

  16. والشارع أحكم الحكماء يُرَجِّح عند التعارض والتزاحم أرجح المصلحتين وإن فاتت أدناهما (١) ؛ كما يدفع أعظم المفسدتين وإن لزمت أدناهما، كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: ٢١٩] ، وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ٢١٧] ، وقال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ

    vol. 2, p. 104تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ] (١)

  17. لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: ٢٥] ، وقال: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦] ، وبسط هذا له موضعٌ آخر (٢) .

  18. والمقصود هنا: أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين، إذا كان المعلَّقُ وجوبَ فعلٍ خُيِّر بين ذلك الفعل وبين التكفير، وإذا كان المعلَّق وقوع طلاق أو ظهار يقتضي ترك فعلٍ خُيِّرَ بين التزام (٣) ذلك الطلاق والظهار وبين التكفير، والطلاق لا يكون لازمًا له [٣١/ أ] حتى يوقعه، فيكون الفعل هنا الذي خير بينه وبين التكفير الذي أوجبه التعليق هو الموجِب للوقوع المقتضي للكف والإمساك، وهناك الفعل الذي يخير بينه وبين التكفير هو الذي أوجبه التعليق، والتعليق هناك أوجب فعلًا أو أوجب تركًا، فإذا خير هناك لم يحتج إلى فعلٍ يقتضي الحكم، بل يخير بين الفعل الذي جعله واجبًا