فصل في الجواب عن قول المعترض: (والنفي الثاني الدال على جواز الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق. . . إلخ)
8 paragraphs · vol. 2, p. 863
- vol. 2, p. 863
الموضع، إذ لو لم يكن فيه كفارة لوجب نفي الاستثناء عنه، فإنَّ الاستثناءَ يُنفى عن كل موضع انتفت فيه الكفارة.
-
فالحلف بالطلاق والعتاق إذا قُدِّرَ انتفاء التكفير فيه لزم انتفاء الاستثناء فيه، لأنَّ انتفاء الاستثناء لازم لانتفاء الكفارة، فحيث انتفت الكفارة انتفى الاستثناء، فإذا لم ينتفِ (١) الاستثناء لم تنتف الكفارة، بل يثبت مع الاستثناء؛ إذ لو لم يثبت للزم أَنْ يكون الاستثناء ثابتًا مع انتفاء الكفارة، وهذا يُناقضُ قولَ القائل: إذا انتفت الكفارة انتفى الاستثناء.
-
وهذا أمر بَيِّنٌ معلوم بالضرورة، ويمكن التعبير عنه بأنواعٍ من العبارات، مثل أَنْ يقول: نفي الكفارة مستلزم لنفي الاستثناء، فإنه إذا انتفت الكفارة انتفى الاستثناء؛ فإنه لا يُنفى الاستثناء إلا مع نفي الكفارة، فلا يُعْدَم الاستثناءُ إلا إذا عُدِمَت الكفارة، فَعَدَمُ الكفارةِ مستلزمٌ لعدمِ الاستثناء، وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا انتفى اللازم وهو عدم الاستثناء بثبوت نقيضه وهو وجود الاستثناء= لزم انتفاء الملزوم وهو عدم الكفارة بثبوت نقيضه وهو وجود الكفارة.
-
فصلٌ
وأما قوله: (والنفي الثاني (٢) الدال على جواز الاستثناء في الحلف بالطلاق [٢٤٦/ ب] والعتاق ــ إِنْ صَحَّ ــ يدل على عدم انحصار الاستثناء فيما فيه الكفارة، فيكون ذلك اختلافًا من أحمد في أنه هل من شرط الاستثناء أَنْ
vol. 2, p. 864تكون اليمين مما تُكَفَّر أم لا؟ ولذلك أثبت أصحابه روايتين في جواز الاستثناء في الحلف به، فهذا (١) التصرف [في كلام الإمام] أولى من أَنْ يُجعل النصُّ الدال على جواز الاستثناء دالًّا على جواز التكفير مع التصريح بنفيه) (٢) .
-
فيقال: هذا كلامُ مَنْ لم يَعرف نصوص أحمد ومذهبه وتعليله؛ فإنَّ عامَّهُ في عامة نصوصه يمنع الاستثناء بالمشيئة في الطلاق والعتاق، وَإِنْ كان قد توقف في ذلك في بعض أجوبته، ولأجل توقفه خَرَّجَ بعض أصحابه رواية عنه بعدم الوقوع.
-
وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ في نصوصه يحتج على أَنَّ الطلاق والعتاق لا كفارة فيهما: بأنَّ الكفارة إنما تكون فيما فيه الاستثناء (٣) ، والنص إنما جاء في الاستثناء في اليمين لم يجئ نَصٌّ بالاستثناء في طلاق وعتاق، فقال أحمد: الطلاق والعتاق ليسا بيمين، لأنهما لو كانا من الأيمان لكان فيهما كفارة فلا يكون فيهما استثناء، فإنَّ الاستثناء إنما يكون فيما يكفر، فإنه لا يكون إلا في اليمين، واليمين هو مما (٤) يكفر، والطلاق والعتاق لا كفارة فيهما فلا استثناء فيهما.
-
وأحمد جَزَمَ بنفي الاستثناء في الطلاق والعتاق لهذه العلة، واختلف
vol. 2, p. 865جوابه في الحلف بهما؛ فتارة جَعَلَ ذلك كإيقاعهما فمنع من الاستثناء فيه، وتارة جَعَلَ الحلف بهما من الأيمان فَسَوَّغَ الاستثناء فيه. فلو كان أحمد - رضي الله عنه - ــ كما قاله المعترض ــ لا يَخُصُّ الاستثناء فيما فيه الكفارة، بل يقول به فيما يكفر وما لا يكفر= قال به في الطلاق والعتاق، كما قاله أبو حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما -، بل هو في إحدى الروايتين يمنع الاستثناء في إيقاعهما والحلف بهما، وفي الأخرى يجوِّز الاستثناء في الحلف بهما دون إيقاعهما، ولا يقول بالاستثناء في إيقاعهما والحلف بهما حتى يقال: إنه لا يحصر الاستثناء فيما فيه الكفارة بل يراه فيما يكفر وفيما لا يكفر، فإنَّ هذا لم يَنُصَّ عليه قَطُّ، بل نصوصه متطابقة على أَنَّ الاستثناء إنما يكون فيما فيه الكفارة، [٢٤٧/ أ] والطلاق والعتاق لا كفارةَ فيه فلا استثناء فيه، فهذا تارة يريدُ به الحلف والإيقاع جميعًا، فيقول: إِنَّ ذلك لا كفارة فيه فلا استثناء فيه، فهذا يوافق قوله: إِنَّ الحلف بهما ليس فيه استثناء.
-
وأما إذا قال: الحلف بهما فيه استثناء وإيقاعهما ليس فيه استثناء؛ فهذه الرواية لا تطابق ما ذكره من إثبات الاستثناء فيما لا يكفر سواء كان حلفًا أو إيقاعًا، فإنه إنما أثبته في الحلف دون الإيقاع، فكيف يُكْذَبُ عليه، ويقال: بل مقصوده: أنه لا ينحصر الاستثناء في المكفر، بل يثبت فيما لا يكفر سواء كان حلفًا أو إيقاعًا؟ وهو إنما أثبت الاستثناء في الحلف بهما دون إيقاعهما، ولا يطابق ــ أيضًا ــ إثبات الاستثناء دون الكفارة في الحلف، وإنما يطابق ما ذكرناه، وقد بسطنا كلام أصحابه في هذه الرواية وتعليلها في غير هذا الموضع، مثل قول الشيخ أبي محمد - رحمه الله - (١) .