قول المعترض هذا يدل على عدم فهمه لمراد المجيب وما سيق الكلام له

11 paragraphs · vol. 2, p. 871

  1. أحدهما: صِدْقُ اسمِ اليمين على أصل النزاع، وهو التعليق المقتضي حثًّا أو منعًا أو تصديقًا، فإنه إنما يجب شمول الآية لذلك [٢٤٨/ ب] إذا ثبت أَنَّ تسميةَ ذلك حقيقة لغوية أو شرعية، أما إذا كان ذلك عرفيًّا إما خاصًّا وإما عامًّا، وتسميةُ أهل العرف له يمينًا لمشابهة (١) اليمين= فلا يلزم اندراجه في الآية) (٢) .

    vol. 2, p. 871
  2. والجواب:
  3. أَنَّ قوله: (فَرَغَ من نسبةِ القول المذكور إلى السلف وتخريجه على قواعد الأئمة ــ كما زعم ــ، وَشَرَعَ يتعرض للاستدلال له) = قولُ مَنْ لم يَفهم مراد المجيب وما سيق له هذا الكلام، فإنه لم يتعرض هنا للاستدلال على تكفير الطلاق، بل هو قد وعد بهذا، كما في قوله: (والمقصود: ذكر تحرير النقول عن السلف والأئمة في هذه المسائل، وسيأتي ذكر الدلائل) .

  4. وإنما ذكر المجيب هنا تقريرَ قول أحمد ــ رحمة الله عليه ــ أَنَّ الاستثناء إنما يكون فيما فيه الكفارة. فقال المجيب: (هذا الذي قاله أحمد، هو (٣) قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك ــ رحمة الله عليه ــ وغيره) فإنَّ النص ورد بالكفارة في الأيمان، وورد بالاستثناء في الأيمان؛ فكل ما تناوله هذا النص تناوله هذا النص، ومعلومٌ أَنَّ نَصَّ التكفير لا يتناول إنشاء الطلاق

    vol. 2, p. 872والعتاق فلا يتناوله نص الاستثناء.

  5. فلهذا قال المجيب: فإنَّ الله ــ تعالى ــ قال: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} إلى قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] فجعل هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقًا، وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (١) ، فما دخل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ في قول الله تعالى، والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة.

  6. فهذا الذي ذكره المجيب دليلٌ على الأصل الذي أَصَّلَهُ الجمهور، وهو أصلُ مالكٍ وأحمد ــ رحمهما الله تعالى ــ وغيرهما، والنصُّ ورد بالاستثناء في اليمين وورد بالكفارة في اليمين، فما دَخَلَ في نَصِّ الاستثناء دخل في نص الكفارة والطلاق والعتاق، [٢٤٩/ أ] [وما] (٢) لا يدخلان في نص الكفارة اتفاقًا فلا يدخلان في نص الاستثناء.

  7. وهذا بَيِّنٌ؛ لكن هذا يقتضي أَنَّ الاستثناء في الطلاق والعتاق لم يتناوله النص، فإنما يتناول ما هو يمين، وهذا ليس بيمين فلا يتناوله النص، فلا يتم هذا الدليل إلا بِأَنْ يقال: الاستثناء إنما يكون في اليمين، وإنما يكون فيما ورد

    vol. 2, p. 873فيه النص، والطلاق والعتاق ليسا (١) بيمين ولم يرد نَصٌّ بالاستثناء فيهما (٢) = فلا ينفع فيه الاستثناء.

  8. يوضح ذلك: أَنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصفٍ مناسبٍ كان عِلَّةً لَهُ، والحكمُ ينتفي لانتفاء عِلَّتِهِ، وكونُهُ يمينًا وصفٌ مناسبٌ، فينتفي الحكم إذا انتفى كونه يمينًا.

  9. ويقال ــ أيضًا ــ: الاستثناء في اليمين، لأنَّ المعلَّق بالمشيئة يُعْلَمُ أَنَّ الله شاءه فَوُجِدَ، وَإِنْ لم يشأه يُعْدِمُ وجودَهُ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يلزم من جواز التعليق على مشيئةِ الله للفعل التعليقُ على مشيئته للحكم، فإنَّ الأحكام الشرعية ليست أمرًا محسوسًا، ولا تثبت دون أسبابها ولا تتخلف عن سببها التام، فلا يوجد الطلاق بدون التطليق البتة، ولا يتخلف عن التطليق الشرعي، فلا يلزم من جواز التعليق على مشيئة الله تعالى للفعل التعليقُ على المشيئة للحكم.

  10. ومن الفقهاء من استدل بقوله: «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (٣) على جواز الاستثناء في الطلاق، ولا ريب أَنَّ هذا غلطٌ محضٌ، فإنَّ هذا النص لا يدل على هذا البتة، بل مفهومه يدل على نقيض ذلك.

  11. نعم؛ يدل على الحلف بالطلاق والعتاق فإنهما من الأيمان، وهذا حجةٌ