فصل في الجواب عن زعم المعترض أنه لا يسمى يمينا شرعا إلا ما دخلت عليه أدوات القسم
11 paragraphs · vol. 2, p. 880
- vol. 2, p. 880
قال: (ولا شك أَنَّ اليمين في اللغة تطلق على الحلف بكل ما تدخل عليه أدوات القسم؛ كالحلف بالله وصفاته، والآباء ــ على عادة العرب ــ والكعبة والقرآن وغير ذلك مما يُقصد تعظيمه، فإنَّ الحالفَ مُعَظِّمٌ للمحلوف به، مُؤكِّدٌ للمحلوف عليه= كُلُّ ذلك يسمى يمينًا، لأنهم كانوا عند العهود والالتزام وأخذ المواثيق يأخذون بأيمانهم، يمسك كُلُّ واحد من المتعاقدين بيمينِهِ يمينَ صاحبِهِ؛ فَسُمِّيَ يمينًا للزوم اليمين فيه، وسمي قَسَمًا وحلفًا وعهدًا وميثاقًا وإيلاء، وَسُمِّيَ المحلوف عليه يمينًا لتلبُّسِهِ (١) بها؛ ومنه الحديث: «مَنْ حَلَفَ على يمينٍ» (٢) ) (٣) .
-
والجواب: أَنَّ هذا الكلام يتضمن أنه لا يسمى يمينًا في الشرع إلا ما كانت فيه أدوات القسم، وأدوات القسم هي حروفه: كالباء والتاء والواو، وهذا هو الذي يَعْقِدُ له النحاة (باب القَسَم) ليتكلموا في إعراب ألفاظِ القسم.
-
فإنَّ أصل [٢٥١/ ب] هذا الباب: أحلف بالله؛ ثم لكثرةِ دورانِ القَسَم على ألسنتهم حذفوا الفعل كثيرًا، وصاروا يقولون: بالله، ثم عَوَّضُوا الواو عن الباء لتلازمهما؛ كما قالوا: تُخَمَه، وتُهَمَه، وتُجَاه؛ وأصل ذلك الواو، فإنه من الوجه والوهم (٤) .
- vol. 2, p. 881
ولما كانت الواو هي البدل لم يُدْخِلُوهَا إلا على اسم ظاهر ولم يظهروا معها الفعل، ثم عَوَّضُوا التاء عن الواو في اسم الله خاصة، ونُقِلَ أنهم قالوا: تَرَبِّ الكعبة.
-
فهذا ونحوه مما يتكلم فيه النحاة في أدوات القسم، لكنْ أَجمَعَ المسلمونَ على أَنَّ حكمَ اليمين المذكور في كتاب الله وسنة رسوله ليس مختصًّا بما تكون فيه هذه الأدوات؛ بل يكون القَسَمُ جملةً اسميةً كقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: ٧٢] ، ومنه في الحديث: «لعمرو إلهك» (١) ،
وفي الصحيحين من حديث الإفك عن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّ سعد بن عبادة وَأُسيد بن
vol. 2, p. 882حضير كل منهما يحلف بحضرةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار فيقول: هذا كذبٌ ــ لعمرو الله ــ لا يقتله، ولا يقدر على قتله، ويقول الآخر: كذبتَ ــ لعمرو الله ــ لنقتلنَّه؛ إنك منافق تجادل عن المنافقين (١) .
-
وفي الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: بَعَثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثًا وَأَمَّرَ عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَنْ تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إِمْرَةِ أبيه من قبل؛ وايم الله. إِنْ كان لخليقًا للإمارة، وَإِنْ كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا من أحب الناس إليَّ بعده» (٢) ، وفي الصحيحين ــ أيضًا ــ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلةَ على مائةِ امرأةٍ كُلٌّ منهن تأتي بفارسٍ يقاتلُ في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل: إِنْ شاء الله. فلم يفعل، فطاف عليهنَّ جميعًا، فلم يحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءت بشقِّ رجل؛ وايم الذي نفس محمدٍ بيده لو قال: إِنْ شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» (٣) .
-
وأيضًا؛ فلو قال الرجل: عليَّ عهدُ اللهِ وميثاقُهُ لأفعلنَّ كذا؛ كان يمينًا، والجملة الأولى اسمية ليس فيها شيء من حروف القَسَمِ.
-
[٢٥٢/ أ] وأيضًا؛ فقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كفارة النذر كفارة يمين» (٤) ، وقال عقبة بن عامر: النذر
vol. 2, p. 883حَلْفَةٌ (١) .
-
وكذلك قال غير واحدٍ من الصحابة كعمر وابن عباس وجابر - رضي الله عنهم -: النذر يمين (٢) . وسواء أريد به أنه نوع من اليمين، أو أن (٣) حكمه حكم اليمين؛ فهو دليل على أَنَّ كفارة اليمين لا تختص بأدوات القسم.
-
وفي السنن عن عقبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نذر نذرًا ولم يسمِّهِ فكفارته كفارة يمين» (٤) قال الترمذي: حديث صحيح. فَجَعَلَ قولَهُ: عليَّ نذرٌ موجبًا لكفارة يمين؛ وهذا قول عامة السلف والخلف، وذكره بعضهم إجماعًا، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وإذا كان مسمَّى اليمين المكفرة في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته أعم مما فيه حروف القَسَم= بَطَلَ قولُ مَنْ يقولُ إِنَّ اليمين المكفرة ما كان فيها أدوات القسم، وَعُلِمَ أَنَّ هذا قولٌ يخالفُ النصَّ والإجماعَ.
-
وأيضًا؛ فلو حَلَفَ بغير العربية انعقدت يمينه بالإجماع مع انتفاء الأدوات (٥) ، فلا بُدَّ أَنْ يوجد المعنى الذي يعبر عنه بهذه العبارة وغيرها؛ وحينئذٍ فقوله: (وأما التعليق فليس فيه شيءٌ من هذا) = كلامٌ لا ينفعُهُ إلا إذا بَيَّنَ أَنَّ لفظَ اليمين لا يتناول في الشرع إلا ما كان فيه أدوات القَسَم؛ وهذا لم يثبته.