الجواب عن قول المعترض: (وأما تسميته يمينا فالأسبق إلى الفهم من كلام الفقهاء. . . إلخ)
6 paragraphs · vol. 2, p. 907
- vol. 2, p. 907
[٢٥٩/ أ] للأول= كلامٌ صحيح.
ثم قال: (وأما تسميته يمينًا؛ فالأسبق إلى الفهم من كلام الفقهاء أنه لأجل المعنى الأول، وهو الامتناع من الفعل، فكأنه حَلَفَ ألا يفعل ذلك. قال: ويحتمل أَنْ يقال: إِنَّ جهة اليمين فيه التزام الإعتاق لأنَّ الحالف ملتزم ــ كما تقدم ــ فلذلك سمي يمينًا) إلى آخره.
-
فيقال: أما كونه حالفًا لالتزام الإعتاق ــ كما ذكره ــ وهو المعنى المشترك الذي عُلِّقَ به وجوب الكفارة؛ فهذا في غاية الفساد إِنْ لم يقرن بذلك التزام ما يكره لزومه له، لينفصل بذلك عن نذر التبرر، فإنه لو كان جهة اليمين كونه التزم الإعتاق لكان كل ملزم للإعتاق يمينًا مكفرة، ونذر التبرر فيه التزام الإعتاق وهو واجب عليه، وهو قد عَرَفَ أَنَّ هذا القول مردود عند الفقهاء، فقال: (والفقيه قد يرد (١) هذا الاحتمال، لكن ينبغي له أَنْ يتمهل حتى ينظر فيه).
-
فيقال: حقيقةُ الأمر أن كلًّا من هذا النظر وهذا النظر يقتضي أَنَّ صاحبه لَحَظَ بعض صفات اليمين، أما كونه ممتنعًا من الفعل وحاضًّا عليه، فهذا أحد أوصاف اليمين، لكن لا يجوز أَنْ تكون يمينًا لهذا المعنى وحده، كما قد يظنه بعض الفقهاء، وكما ألزمه المعترض للمجيب وبنى عليه عامة اعتراضه، وهو هنا اعترف بفساده، إذ لو كان الموجب لليمين كونه حاضًّا ومانعًا لكان إذا قال: إِنْ فعلتُ فلله عليَّ أَنْ أطلقك؛ أي: فوالله لأطلقنك، إنما كان حالفًا لكونه مَنَعَ نفسه من الفعل لا لكونه حلف ليطلقنها إذا فعل.
- vol. 2, p. 908
وأما ما رجحه من أَنَّ جهةَ اليمين هو التزام العتق فهو قد لحظ فيه بعض معاني اليمين، وهو أنه لا بُدَّ في اليمين مع الحض والمنع من أن يلتزم عند الحنث أمرًا من الأمور، وإلا فمجرد قصد الحض والمنع ليس كافيًا في كونه حالفًا، إذ لو كان حالفًا بذلك لكان كل مَنْ تَوَعَّدَ حالفًا؛ كقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ ــ ٨] ، وقوله سبحانه: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: ١٢٣] ، وقوله ــ عَزَّ وجل ــ: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: ٣٨] ونحو ذلك، بل لا بُدَّ أن يلتزم عند الشرط ما يَكره لزومه.
-
فاليمين تتضمن هذه الصفات [٢٥٩/ ب] الثلاثة: الحضُّ والمنع في الطلب، والتصديق والتكذيب في الخبر، وتوكيد ذلك بالتزام أَمْرٍ من الأمور عند المخالفة، ولا بُدَّ أَنْ يكون ذلك اللازم مما يكره لزومه له وإن وجد الحنث، لتكون كراهته للزومه عند الحنث مانعًا من الحنث، وإلا فلو أراد وجوده على تقدير الحنث وَإِنْ كان مكروهًا بدون الحنث= امتنع ــ حينئذٍ ــ أَنْ يكون مانعًا من الحنث.
-
فإنَّ ما يراد على تقدير الحنث ملائمٌ للحنث مناسبٌ له، بل هو موجب الحنث، ومقتضاه بمنزلة المعلول، والمعلولُ الموجب المقتضي لا يكون مضادًّا منافيًا مانعًا من عِلَّتِهِ وَسَبَبِهِ وموجبه الذي يقصد المعلول إذا وجد، ولكن إذا كان الجزاء مكروهًا بتقدير الحنث يكرهه مع وجود الحنث= صار لزومه للحنث مانعًا من الحنث يقتضي التعليقُ وجودَه إذا وجد الحنث، وهو مكروهٌ على هذا التقدير فتكون كراهةُ هذا اللازم موجبةٌ لكراهةِ الملزوم، والملزوم هو الحنث، فيبقى الحالف ممتنعًا بيمينه من الحنث، وأما إذا كان