بيان خطأ المعترض في كلامه هذا، وأنه مبني على أصلين فاسدين
11 paragraphs · vol. 2, p. 926
- vol. 2, p. 926
فعل الأول كان حالفًا ليطلقها، فإنْ لم يطلقها مع وجود الفعل الأول لزمته كفارة في مذهب أحمد المنصوص المشهور عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو الذي [٢٦٥/ ب] ذَكَرَهُ الخراسانيون مذهبًا للشافعي، ولم أجد عنه نَصًّا يخالفهم؛ فإنَّ نَصَّهُ على أَنَّ نذر المعصية والمباح لا كفارة فيه، إنما يتضمن إذا كان نذرًا محضًا بخلاف ما إذا قصد به اليمين، بل قد وجد عنه ما يوافقهم فإنه نَصَّ على ما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ نذر أَنَّ عليه كفارة يمين، مع قوله فيمن قال: عليَّ نذر لا شيء عليه، وهنا إذا وجد الشرط قلنا له: أنت مخير بين أَنْ تحنث في اليمين الثانية وتكفِّر، وبين أَنْ تفعل ما حلفت عليه من الطلاق.
-
كما نقول له في نذر اللجاج والغضب: أنت مخير إذا وجد الشرط بين أَنْ تحنث في اليمين الثانية بتكفير، وبين أَنْ تفعل ما التزمته من العبادات، لكن لَمَّا كانت هذه العبادات لم يقصد التزامها لله ولا يفعلها لقصد التقرب بها إلى الله ــ تعالى ــ، بل لاعتقاده أنها لازمة؛ لهذا أَمَرَهُ السلف والأئمة بالتكفير ولم يخيروه كما خَيَّرَهُ طائفةٌ من المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، وَظَنَّ طائفةٌ أخرى أن الكفارة لازمة وإِنْ فعل ما التزمه وهذا ضعيفٌ جدًّا.
-
فصلٌ
وأما قول المعترض: (وبهذا يتضح التخيير؛ بمعنى أَنَّا نقول للناذر: إِنْ أتيت بالمنذور فقد وَفَّيْتَ بالتزامك، وإلا فالكفارة تَسُدُّ مَسَدَّهُ) فهذا الكلام خطأ؛ وهو مبنيٌ على أصلين فاسدين:
أحدهما: أنه ناذرٌ حقيقة، والثاني: أَنَّ الناذر الملتزم تسد الكفارة مَسَدَّ نَذْرِهِ إذا لم يُوفِ به، وأنه يخيَّر بين الوفاء وبين التكفير مع كونه ناذرًا حقيقة.
- vol. 2, p. 927
وهذا الأصل الثاني فاسدٌ مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأئمة وسائر علماء الأمة المعروفين (١) ، فإنَّ الخلاف الذي حكاه بعض المتأخرين عن بعض أهل الحديث من أَنَّ كلَّ ناذرٍ يخير بين الوفاء والتكفير قولٌ باطلٌ، لا يُعرف به قائل معروف، وقد حكوه عن أحمد، وهو خطأ على أحمد، ونصوصُ أحمد وأصحابه المتواترة على وجوب الوفاء بالنذر، وأنه ليس لكل ناذر أَنْ يمتنع من الوفاء ويكفر كما له مثل ذلك في اليمين= أشهرُ وأكثر من أَنْ يمكن ذكرها هنا.
-
ولكن أحمد يقول ما قاله جمهور السلف من أَنَّ كُلَّ مَنْ لم يُوفِ [٢٦٦/أ] بنذره، لا بالمنذور ولا ببدله الشرعي فعليه كفارة يمين، لكن لا يجوز له أَنْ يترك الوفاء بالنذر ويُكفِّر كما يجوز للحالف على فعل مباح أَنْ يترك ما حَلَفَ عليه ويكفر، بل أحمد مذهبه مذهب سائر علماء المسلمين أَنَّ نذر الطاعة يجب الوفاء به كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة.
-
ولو قُدِّرَ أَنَّ قائلًا قال هذا القول؛ فهذا مخالفٌ للكتاب والسنة ولإجماع السلف، ولمذاهب سائر علماء المسلمين المعروفين الأربعة وغير الأربعة.
-
ولو قُدِّرَ أنه مذهبٌ سائغٌ؛ فالكلام هنا مع من يُسَلِّم وجوبَ الوفاء بنذر التبرر مع أنه ملتزم فيه، كما هو ملتزمٌ في نَذْرِ اللجاج والغضب، فلو كان في كليهما (٢) ناذر حقيقة وهو في كليهما قاصد (٣) للزوم الجزاء عند الشرط= لكان الواجب التكفير فيهما، وليس الأمر كذلك؛ فإنَّ الكفارة لا تَسُدُّ مَسَدَّ
vol. 2, p. 928الالتزام الواجب بالنذر مع قدرته عليه.
-
ولكن الفرق: أَنَّ هذا ليس بناذر حقيقة، بل هو ملتزم كما أَنَّ الناذر ملتزم، لكنَّ الناذر قَصَدَ أَنْ يلتزم الجزاء إذا وجد الشرط، وهذا لم يقصد أَنْ يلزمه الجزاء سواء وجد الشرط أو لم يوجد الشرط، ولكن التزمه ليمتنع بالتزامه مِنْ فعل الشرط، فإنه امتنع من فعل الشرط فجعل هذا الجزاء لازمًا له على تقديرٍ وهو كارهٌ للزوم الجزاء، فالتزم ما لا يُريدُ أَنْ يلزمه على ذلك التقدير، ليكون لزومه له على ذلك التقدير مانعًا له من ذلك التقدير لا لأنْ يَلزَمَهُ على التقدير، فهو ونذر التبرر يشتركان في الالتزام بمعنى أنه جعل الجزاء لازمًا له على تقدير الشرط في الموضعين، لكنْ هو في أحدهما يُريدُ الشرط ويريد لزوم ما جعله لازمًا إذا وجد الشرط، وفي الآخر يَكره الشرط ويكره لزوم ما جعله لازمًا له وَإِنْ وجد الشرط؛ فهو في نذر اليمين كارهٌ للشرط وللجزاء، وهو للجزاءِ أشد كراهةً وأدوم كراهة= فجعل هذا المكروه الأعلى لازمًا للمكروه الأدنى ليمنع ملزوم الأعلى من الأدنى، أو لِيَحُضَّ ملزوم الأعلى على الأدنى.
-
وفي نذر التبرر هو مريدٌ للشرط إرادةً تامةً، وَعَلَّقَ به الجزاء إما شكرًا لنعمة الله ــ تعالى ــ عليه إذا وجد الشرط، وإما لاعتقاده [٢٦٦/ ب] أَنَّ التزامه للجزاء سببٌ لوجود الشرط= فصار مريدًا للجزاء إذا وجد الشرط، ولا يريده بدون الشرط، وهو مريدٌ للشرط أقوى من إرادةِ الجزاء؛ فهنا كلاهما مراد، لكنَّ الجزاء مراد على تقدير الشرط تبعًا لوجوده، كما يريد البائع أداء الثمن إذا حصل له المبيع، وأما الشرط فمراد (١) أصلًا واستقلالًا. وأما في نذر
vol. 2, p. 929اليمين فكلاهما غير مراد بل مكروه له، وهو ممتنع منهما، ولكن هو للجزاء أشد وأدوم كراهة منه للشرط، ولكن علقه بالشرط وجعله لازمًا له ليكون لزوم الجزاء المكروه مانعًا وزاجرًا وناهيًا عن فعل الشرط، فهو كارهٌ للجزاء ممتنع منه كراهةً تامةً ثابتةً، وَعَلَّقَهُ بما هو مكروهٌ له كراهةً عارضةً خفيفةً.
-
والمكروه يهرب منه الناس ويدفعه عن نفسه ويُقْصيه، فيكون كلما هرب من هذا المكروه الأعلى دفعه عنه وأقصاه صار هاربًا من ملزومه وهو الشرط، وصار الشرط مدفوعًا عنه بعيدًا منه، فَقَصْدُهُ إبعادُ هذا الشرط وإقصاؤه، لكونه (١) مستلزمًا لذلك الذي هو أشد بعدًا منه، وأقوى بُعدًا منه؛ فإنَّ موجب التعليق أنه إذا وجد الملزوم وهو الشرط المكروه وجد لازمه وهو الجزاء الذي كراهته أقوى وأدوم، وهذا بعيدٌ قصي، وإذا انتفى اللازم ــ وهو الجزاء ــ انتفى الملزوم ــ وهو الشرط ــ؛ فكلاهما مقصي عنده بعيد منه مكروه له منتفٍ في إرادته، لم يرد الأول ولا الثاني وإن وجد الأول.
-
كمن غضب على بعض أصحابه وأراد إبعاده عنه، فَسَلَّمَهُ إلى عدوه الذي أشد كراهة له منه، فاستولى عليه ذلك العدو، ولم يَبْقَ تخليصُهُ ممكنًا إلا بمجيءِ عدوه إليه مثل أَنْ يكون قد ارتدَّ عندهم وصاروا يَنْصُرُونَهُ، فلو طُلِبَ قدومه لم يقدم إلا ومعه الكفار، وهو لا يختار قدوم الكفار المحاربين إلى بلاد الإسلام واستيلاءهم عليها أبدًا، لكن قد يكون قد رضي عن صاحبه وأحبَّ أَنْ يتخلص من أيدي الكفر فيهاجر إليه بدون الكفار، وقد تَعَذَّرَ ذلك للزومهم إياه وتعلقهم به، فلم يبق يمكن وجود هذا الملزوم المحبوب المراد بعد أن كان بغيضًا [٢٦٧/ أ] مكروهًا إلا بهذا المكروه