فصل في الكلام على قول المعترض: (وينشأ عليه أن التكفير قبل فوات الفعل بمنزلة التكفير قبل الحنث. . . إلخ)

10 paragraphs · vol. 2, p. 941

  1. قال: والله لأحجنَّ، وإنما جعل الحج لازمًا له على ذلك التقدير مع كراهته للزومه له ليمتنع بلزومه عن الشرط، فصار حالفًا بالمجموع المركَّب لا بأحدهما، بخلاف قول القائل: إِنْ فعلتُ فوالله لأحجنَّ؛ فإنَّ هذه اليمين لو تجردت عن الشرط لكانت يمينًا في يمين، سواء قصد أن يحج إذا وجد الشرط، أو قصد ألا يحج ولكن حلف مع كراهته أن يحج، وأما هناك فلا يكون حالفًا إلا إذا كان الجزاء المعلَّق مكروهًا له عند وجود الشرط؛ إذ لم يعلق هناك ما يكون بمجرده يمينًا وإنما صار بالتعليق يمينًا، للتزامه (١) لله ما يكره لزومه له؛ فهو عند التعليق كارهٌ للزومه له، بخلاف من لا يكون عند عقد اليمين كارهًا لفعل المحلوف عليه.

    vol. 2, p. 941
  2. فصلٌ

    وأما قوله: (وينشأ عليه: أَنَّ التكفير قبل فوات الفعل بمنزلة التكفير قبل الحنث، ولكن لعله يترجح هنا ليعلم أنه قد خَلَصَ مما وجب عليه بالنذر، وَأَنَّ التكفير قبل دخول الدار ــ مَثَلًا ــ بمنزلةِ التكفير قبل انعقاد اليمين؛ فلا يصح، ولم أر في شيء من ذلك نقلًا؛ فهذا ما ظهر لي في ذلك، وهو خلافُ ما يَسبق إلى الفهم من كلامِ كثيرٍ من الأصحاب أَبْدَيْتُهُ لِيُنْظَرَ فيه) (٢) .

  3. فيقال: بل النقل في ذلك [٢٧١/ أ] موجود بخلاف ما قلته، ولستَ في ذلك مخالفًا لأصحاب الشافعي وحدهم، بل ولأصحاب أحمد وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجمهور السلف والخلف الذين يقولون بإجزاء

    vol. 2, p. 942الكفارة، فإنهم أمروا بالتكفير بعد عَقْدِ هذه اليمين وقبل وجود الفعل الأول؛ كما تقدم قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لمن قال لأخيه: إِنْ عُدْتَ تذكر القسمةَ لم أكلمك أبدًا، وكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: كَفِّرْ عن يمينك، وَكَلِّم أخاك (١) . قال هذا له قبل أن يذكر ذاك القسمة، وقبل أَنْ يكلمه هذا.

  4. وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما - لما سُئِلَ عن امرأة أهدت ثوبها إِنْ لبسته. فقال: لتكفر عن يمينها، ولتلبس ثوبها (٢) .

  5. وكذلك ابن عمر وحفصة وزينب ومن ذُكِرَ معهم - رضي الله عنهم - قالوا لمن قالت: إِنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وما معه. قالوا: كَفِّري يمينك، وَخَلِّي بين الرجل وامرأته (٣) ، مع أنه لم يفت الفعلَ الأولَ وقتُ التفريق.

  6. وأما إجزاء الكفارة إذا وجد الفعل الأول، فلم يختلف فيه أَحَدٌ ممن قال بالكفارة في هذا النوع، سواء كان مذهبه جواز الكفارة قبل الحنث أو لم يكن، وسواء فَرَّقَ بين التكفير بالعبادات البدنية والمالية أو لم يُفَرِّق، بل جميع ما نقل عن الصحابة والتابعين في هذا الباب يتضمن إجزاء الكفارة إذا وجد الفعل الأول، وما علمت في ذلك نزاعًا بين العلماء.

  7. ولو كان الذي ذكره هذا أو قاله قائل لكان ضَعْفُهُ من جنس ضعف

    vol. 2, p. 943أمثاله، فإنَّ الأكثرين يُسَوِّغُونَ التكفير قبل الحنث مطلقًا، وهو مذهب مالكٍ وأحمدَ، والشافعيُّ يجوِّزُ التكفير بالمال كالعتق والصدقة دون الصيام؛ ومع هذا فهو يقول وأصحابه إنه إذا وجد الفعل الأول جاز التكفير بالصيام كما يجوز بالمال، ولم يقل أَحَدٌ منهم إنه إذا كَفَّرَ بالصيام لم يجز إلا إذا فات الفعل الثاني، فلو لم يكن حانثًا عندهم إلا بفوات الفعل الثاني لم يجز بالصيام عندهم إلا بفوات الفعل الثاني، وكذلك أبو حنيفة لا يجوز عنده التكفير قبل الحنث، وهو في إحدى الروايتين عنه التي اختارها محمد يقول بإجزاء [٢٧١/ ب] الكفارة في هذا كما قاله جمهور العلماء، ولم يقولوا إنه يجب تأخير الكفارة إلى أَنْ يفوت ما التزمه من حج وغيره، ولو قالوا هذا لم يجز التكفير حتى يتعذر عليه ما التزمه من حج وصدقة وغير ذلك.

  8. فتبيَّن أَنَّ ما ذكره هذا من أَنَّ التكفير قبل فوات الفعل الثاني تكفير (١) قبل الحنث، وأَنَّ التكفير قبل وجود الشرط تكفير قبل انعقاد اليمين= قولٌ لم يقله أحد قبله، بل هو خلاف الإجماع إِنْ كان في مثل هذا إجماع، ولكن هذا القول يقابل قول من يقول: تجب الكفارة عينًا ولو فعل ما التزمه.

  9. وشبهة القولين: أنهم ظنوا أَنَّ هذه يمين واحدة ليس فيها إلا حنثٌ واحد، ثم ظَنَّ ذلك أَنَّ الحنث فيها وجود الشرط فتتعين الكفارة، وَظَنَّ هذا أنه لا حنث فيها إلا بفوات الجزاء وأنه لا يمين فيها إلا إذا وجد الشرط؛ وكلاهما غلط، لكنْ غلطه هو لم يسبقه إليه أحد فيما علمته.

  10. ثم قوله هذا يناقض قوله في هذه غير مرة: إنَّ اليمين فيها لكونه منع نفسه من الفعل، وقد التزم بذلك للمجيب غير مرة، والمجيب يقول: إنما