المعترض ليس بحاجة لقوله: (لا غير) بل الكلام تضمن معنى يمينين
9 paragraphs · vol. 2, p. 949
- vol. 2, p. 949
فيقال: هذا اعترافٌ منه بأنَّ لزومَ الكفارةِ في الحلف بالطلاق تلزم عامةَ العلماءِ الذين جعلوه إذا فعل حانثًا تلزمه الكفارة، وقد اعترف بأنَّ كلام عامة الأصحاب وغيرهم من القائلين بالتخيير تباين ما ذَكَرَهُ، فإنهم يجعلون الفعل الذي امتنع منه بمنزلة الحنث، وأنه يوجب إما الكفارة وإما الوفاء، وقد اعترف هنا أَنَّ من قال ذلك يلزمه أَنْ يقول مثل ذلك في قوله: إِنْ فعلتُ كذا فامرأتي طالق، وَأَنَّ هؤلاء جعلوا قصد الحث والمنع مانعًا (١) من ثبوت الملتزم، وأنه ناقلٌ للكلام عن معنى نذر الإعتاق ــ مثلًا ــ إلى معنى الحلف على ذلك الفعل لا غير.
-
وهذا اعتراف منه بصحة نظر المجيب، واستقامة ما ذكره، وأنه موجب القياس على هذا الأصل الذي يسلمه الأصحاب وجمهور العلماء؛ وهذا هو المقصود، وقد بَيَّنَ المجيبُ ذلك في مواضع (٢) غير هذا، وذكر كلام أئمة أصحاب الشافعي وأحمد ــ رحمهم الله ــ في هذه المسألة نقلًا وبحثًا، وأن ما ذكروه يقتضي إجزاء الكفارة في الحلف بالطلاق والعتاق بلا ريب، وأنه ليس بينهما فرقٌ مؤثر، وتكلم على ما ذكروه من الفرق وَبَيَّنَ ضعفه، كما اعترف هذا المعترض بلزوم ذلك لهم هنا [٢٧٣/ ب] .
-
وأما قوله: (إنه ناقلٌ للكلام عن معنى نذر الإعتاق إلى معنى الحلف على ذلك الفعل لا غير) .
-
فيقال له: لا تحتاج أَنْ تقول: لا غير؛ بل الكلام تضمن معنى يمينين: تضمن الحلف على ذلك الفعل، وتضمن ــ أيضًا ــ أنه إنما تتعين الكفارة عليه إذا وجد الأول دون الثاني، وأنه إذا وجد ما التزمه فلا كفارة عليه.
- vol. 2, p. 950
ففي هذه التعليقات هذان المعنيان فلا بُدَّ من رعايتهما، وإنما يغلط هو بِرَعْي أحدهما دون الآخر كما يصيب المعترض؛ تارة يَرعى الأول فقط وتارة يَرعى الثاني فقط، وكلا النظرين نَظَرٌ ناقص.
-
وكذلك مَنْ أوجب الكفارة عينًا لم يراع [إلا] (١) الحنث الأول فقط، ومن ألزمه بما التزمه لم يَرْعَ في ذلك معنى اليمين، بل جعله ناذرًا محضًا، وهو ــ أيضًا ــ غلط، ومن لم يُلْزِمْهُ كفارة أصلًا جعل يمينه من جنس الحلف بالمخلوقات، وهو ــ أيضًا ــ غالطٌ.
-
ولكن كل قول من هذه الأقوال قاله طائفة من علماء المسلمين - رضي الله عنهم -، وكل مَنِ اجتهد واتقى الله ــ تعالى ــ ما استطاع= فهو مثاب مأجور، وَإِنْ خَفِيَ عليه ما بينه الله لغيره، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
-
وأهل العلم والدين يَعرفون الحق ويرحمون الخلق، ويعذرون من خالفهم مع جزمهم بأنه أخطأ ولم يفهم، وأهل الأهواء والبدع يخطئون ويذمون من خالفهم، ويتكلمون فيه بالباطل؛ فتارة يكفرونه وتارة يفسقونه، كما يفعل الخوارج والروافض وغيرهم من أهل البدع.
-
ولهذا لمَّا تَكَلَّمَ مَنْ تكلم بالحق الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة في هذه المسألة؛ صار الجاهلون الذين تكلموا فيها بلا علم من جنس أهل البدع الذين يُكَفِّرون أو يُفَسِّقُون من اتبع الكتاب والسنة، وَإِنْ كانوا لا يعتقدون أنه موافق للكتاب والسنة، ليس كلامهم من جنس كلام أهل العلم الذين تكلموا بالأدلة الشرعية، ويعتصمون بالكتاب والسنة مع العلم بذلك والعناية به.