فصل في الجواب عن منع المعترض أن يكون نذر اللجاج والغضب يسمى يمينا
14 paragraphs · vol. 2, p. 955
- vol. 2, p. 955
(رجعنا إلى مقصودنا؛ وهو مَنْعُ أَنَّ نذر اللجاج والغضب يسمى يمينًا، ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) فإنه غاير بينه وبين اليمين، وجعل موجبه موجبها، والجمهور حملوا ذلك على نذر اللجاج) (٢) .
-
والجواب [٢٧٥/ أ] : أنه قد تقدم ما يدل على أَنَّ هذا يمين، وَبَيَّنَّا ذلك بالأدلة المتعددة، وَبَيَّنَّا أَنَّ ذلك إجماع السلف والأئمة والعامة (٣) .
-
وأما قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» فإما أَنْ يراد به أَنَّ النذر نوعٌ من اليمين فكفارته كفارة اليمين؛ كما يقال: نبيذ التمر والزبيب إذا اشتد خَمْرٌ، وَحَدُّهُ حَدُّ الخَمْرِ. وكما يقال: زكاة البخاتي زكاةُ الإبل، وزكاةُ الجواميس زكاةُ البقر. وكما يقال: حُكْمُ السَّامِرَةِ حكمُ اليهود أو حكمُ أهل الكتاب. ويقال: ذبائحُ بني تغلب كذبائح النصارى ونحو ذلك.
-
وإِمَّا أَنْ يراد به أَنَّ النذر مثل اليمين وَإِنْ لم يُسَمَّ يمينًا، وقد يراد في مثل ذلك أنه يُسمى يمينًا مع التقييد فيكون حكمه حكم ما يسمى يمينًا عند الإطلاق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله وقد أحرم بعمرة وعليه جُبَّةٌ وهو متضمخٌ بخلوقٍ. فقال: «اغسل عنك أثر الخلوق، وانزع عنك الجبة، واصنع
vol. 2, p. 956في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك» (١) فجعل عَمَلَ العمرة مثل عمل الحج، مع قوله: إِنَّ العمرة هي الحج الأصغر (٢) ،
وقد اختلف الناس هل دخلت في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: ٩٧] على قولين، والأظهر: أنها لا تدخل في الحج المطلق، فإنها إذا أريدت معه ذكرت باسمها الخاص، كما في قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ، وقوله: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] .
-
وعلى هذا فالنذر مع اليمين كالعمرة مع الحج، له اسم خاص وهو يمينٌ مقيدة، وكفارته كفارة اليمين؛ وعلى هذا فلا حجة له في هذا الحديث، فإنَّ نذر اللجاج والغضب هو عند الجمهور من السلف والخلف من باب الأيمان المطلقة لا من باب النذور، ولهذا لم يوجبوا الوفاء به، ولو كان نذرًا لوجب الوفاء به.
-
وأما قوله: (الجمهور حملوا ذلك على نذر اللجاج والغضب) .
- vol. 2, p. 957
فيقال له: ليس في الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مَنْ حَمَلَ ذلك على نذر اللجاج والغضب، ولكن بعض الفقهاء المتأخرين حملوا ذلك عليه، مع أَنَّ محققيهم جعلوا الحديث متناولًا له لا مختصًّا به، وأما أصحاب أحمد فليس فيهم مَنْ يجعل الحديث [٢٧٥/ ب] مختصًّا بنذر اللجاج والغضب، بل ولا أصحاب أبي حنيفة ولا مالك، وأما أصحاب الشافعي المحتجين بهذا الحديث فَأَجَلُّهُم أو مَنْ هو مِنْ أجلهم الشيخ أبو حامد، وجعل الحديث عامًّا فيه وفي غيره لا مختصًّا به (١) .
-
وقد تقدم أنه لا يجوز أَنْ يراد بذلك مجرد نذر اللجاج والغضب، لأنه قال: «كفارة النذر» فذكر النذر مُعَرَّفًا بالألف واللام وهذا عام مطلق، ونذر اللجاج والغضب إما ألا يكون نذرًا البتة بل هو يمين كما عليه جمهور السلف، وإما أَنْ يكونَ نوعًا من النذر؛ وعلى التقديرين فلا يجوز أَنْ يكون قوله: «كفارة النذر» مختصًّا به، أَمَّا على الأول فإنه ليس بنذر، وأما على الثاني فلأنه يَعُمُّهُ وغيره، وإنما خَصَّهُ بذلك بعض متأخري أصحاب الشافعي الذين يقولون: لا كفارة في شيءٍ من النذر إلا في هذا الذي يُسَمَّى نَذْرَ اللجاج والغضب.
-
وهؤلاء وأمثالهم ممن يجعل النصوص النبوية تابعة لمذاهبهم (٢) ، وإذا تأمله وانتقده (٣) لنفسه كان فاسدًا مردودًا؛ قال (٤) : (على أن هذا القول
vol. 2, p. 958بالتحرير الذي يقوله المتأخرون، وهو أَنَّ الواجب الكفارة عينًا، بحيث لو أتى بالذي التزمه لا يكفي= لستُ أَعرفُ الآن دليلًا عليه لا من خبر ولا من نظر.
-
أما الخبر: فهم يستدلون له بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) . قال (٢) :
وقد تأملتُ معنى هذا الحديث، والذي فهمته منه يبين كفارة النذر، كما بَيَّنَ الله كفارة اليمين في كتابه العزيز، وَلَمَّا لم يقتضِ ذلك إيجاب كفارة اليمين مطلقًا بل بشرط مخالفتها، والحنث كذلك؛ لا يقتضي هذا وجوب كفارة النذر مطلقًا، بل بشرط ألا يفي به، وَمَتى وَفَّى به فقد وَفَّى بمقتضى التزامه، فهو بمنزلة ما لو بَرَّ في يمينه فلا يحتاج إلى تكفير؛ فكيف يقال: إنه إذا أتى بالمنذور لا يكفي، ويقول: لم لا يأت به بل يكفر (٣) . قال: فَإِنْ قلتَ هذا عند القائلين بوجوب الكفارة عينًا ليس بنذر ولكنه يمين. قلتُ: فيبطل احتجاجهم عليه بقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» فإنه جعل نذرًا).
-
وأيضًا؛ فصاحب المذهب ــ الإمام الشافعي نفسه ــ قد جَعَلَ هذا من باب الأيمان لا من باب النذور، وهو لم يحتج على الكفارة فيه [٢٧٦/ أ] بهذا الحديث.
-
فقد تبين أَنَّ قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» إما أَنْ يجعل النذر نوعًا من
vol. 2, p. 959اليمين أو يشبهها باليمين؛ فإنْ كان الأول فالنذور كلها أيمان، وَإِنْ كان الثاني لم يُسَلَّم أَنَّ نذر اللجاج دخل في قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» ، بل إنما دخل ما هو نذر حقيقة إذا لم يَفِ به، وَأَمَّا هذا فإنما هو داخل في نصوص الأيمان لا في نصوص النذور.
-
وليس مع المعترض حجة أَنَّ التعليق القَسَمِي الذي هو يمين مكفَّرة عند الجمهور ــ ويُسميه بعض الناس نذر اللجاج والغضب ــ داخلٌ في مسمى النذر؛ كيف والصحابة والتابعون قد سموه يمينًا؟ بل وأَثبتَ له جمهورهم حكم اليمين، ولم يُعْرَفْ عن أَحَدٍ منهم أنه قال: ليس هو بيمين. وَمَنْ جَعَلَهُ لازمًا يقول هو نذر ويمين، لم يقل أحد إنه نذر ليس يمين، بل أكثرهم يقولون هو يمين وليس بنذر، وآخرون يسمونه نذرًا ويمينًا.
-
وبكل حال؛ فمنعه أَنْ يُسَمَّى يمينًا مَنْعٌ لِمَا ثَبَتَ خلافُهُ، بل لما انعقد إجماع السلف على خلافِهِ، مع أَنَّ مثل هذا لا يُحتاج فيه إلى إجماع، فإنه ليس حكمًا شرعيًّا إنما هو إثبات لغة، وذلك يكفي فيه استعمال أهل اللغة، فكيف وقد تواتر به استعمال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين والعلماء والعامة وجميع الأمم؟!