الوجه الثاني: أن نزاع بعض من خالف في ذلك أنها يمين منهي عنها فلا ينعقد بها الإيلاء لا أنها ليست يمينا
7 paragraphs · vol. 2, p. 965
- vol. 2, p. 965
ولو كان جمهور العلماء يقولون: إنَّ هذا ليس بإيلاء، لم يكن قولهم حجة؛ فكيف والجمهور يقولون إنه إيلاء؟!
-
وحينئذٍ؛ فمن قال: إنه ليس بإيلاء، فليس قوله حجة لازمة باتفاق المسلمين.
-
الثاني: أَنَّ هذا القول لو كان حقًّا فمأخذ أصحابه أَنَّ الحلف بغير الله ــ تعالى ــ منهيٌ عنه وإن كان يمينًا، فهم يُسَلِّمُونَ أنه يمين، ولكن يقولون: هي يمين منهيٌ عنها، كما يقول طائفة من السلف والخلف في الحلف بالنذر أنه يمين، ولكن هي يمين منهي عنها فلا كفارة فيها عندهم، وهذا مذهب ابن جرير وداود وأصحابه وطردوا ذلك في الحلف بالطلاق وغيره، فهم لم ينازعوا في أنها يمين، بل صَرَّحُوا بأنها أيمان، لكن قالوا هي منهيٌ عنها فلا ينعقد بها الإيلاء، فَيُخَرَّجُ (١) منه مثل قول هؤلاء، أنها أيمان منهيٌ عنها فلا كفارة فيها.
-
وقد ناظر القائلون بأنها أيمان منعقدة مشروعة مَنْ قال بثبوت الإيلاء بها، كما ذكر ذلك مَنْ ذَكَرَهُ من أصحاب الشافعي وغيره؛ فقالوا ــ وهذا لفظ أبي الطيب الطبري (٢) ــ: (وأما احتجاجه بكلام الشافعي ــ رحمة الله عليه ــ على أَنَّ هذا ليس بإيلاء، فهو في معنى الإيلاء. فيقال له: الشافعي قد صَرَّحَ بأنَّ هذه التعليقات التي يقصد بها اليمين يمين لا نذر، فقال: ولو قال: مالي في سبيل الله أو صدقةٌ على معاني الأيمان؛ فمذهب عائشة - رضي الله عنها - وَعِدَّةٌ
vol. 2, p. 966من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعطاء، والقياس أَنَّ عليه كفارة يمين. قال: ومن حنث في المشي إلى بيت الله؛ ففيه قولان: أحدهما: قول عطاء: عليه كفارة يمين؛ ومذهبه أَنَّ أعمال البر لا تكون إلا بما فرض الله عليه، أو تبررًا يراد به الله. قال الشافعي: التبرر أَنْ يقول: لله عليَّ إِنْ شفاني أَنْ أَحُجَّ له نذرًا، فأما إِنْ لم أقضكَ حقك [٢٧٨/ أ] فعليَّ المشي إلى بيت الله؛ فهذا من معاني الأيمان لا من معاني النذور).
-
فهذا تصريح الشافعي - رضي الله عنه - بأنَّ هذا التعليق الذي هو نذر اللجاج والغضب من معاني الأيمان لا من معاني النذور.
-
وأما قول الشافعي في الإيلاء: (ومن أوجب على نفسه شيئًا يجب عليه إذا أوجبه، فأوجبه على نفسه إِنْ [جامع امرأته] (١) فهو في معنى المولي، لأنه [لا يَعْدُو أَنْ يكون] (٢) ممنوعًا من الجماع إلا بشيءٍ يلزمه) (٣) . فهذا لا يدخل فيه نذر اللجاج والغضب على أصله المنصوص المشهور في مذهبه، فإنه لا يجب عليه ما التزمه فيه بل تجزئه كفارة يمين، وقد تقدم كلامه بأنَّ هذا من معاني الأيمان لا معاني النذور، وأَنَّ القياس أَنَّ عليه كفارة يمين، كما قاله عائشة - رضي الله عنها - وعدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعطاء.
-
فإذا كان الشافعي يجعل هذا من معاني الأيمان لا من معاني النذور ويجعل فيه كفارة يمين= لم يكن هذا داخلًا (٤) في قوله: (إنه أوجب على
vol. 2, p. 967نفسه شيئًا يجب عليه إذا أوجبه)؛ فإنَّ هذا لا يجب عليه إذا أوجبه، ولكن قد قال هذا على قول مَنْ لا يجعله يمينًا مكفرة بل يجعله نذرًا لازمًا، فهؤلاء يجعلونه في معنى المولي مع أَنَّ هذا هو قول مالك - رضي الله عنه - وأصحابه وهم يُسَمُّونه يمينًا.