النزاع في العتق ثابت عن السلف حتى وإن لم يذكر العتق في حديث ليلى
13 paragraphs · vol. 2, p. 140
- vol. 2, p. 140
فإنه كان أعلم وأعقل وأفقه وأتقى لله من ذلك، ولكن عرضت له شبهة في ذكر العتق فذكر ما عنده فيه، وهو جازم بتخطئة من جزم بالإجماع في الطلاق ونحوه، ويقول: ليس معهم في مثل ذلك إلا عدم العلم، فإن جاز أنَّ يحتج بقول أحمد: انفرد به التيمي، وقد علمنا من جهة أخرى أنه لم ينفرد به، ولكن قال أحمد بحسب ما بلغه = فَلَأَن يحتج بقول أحمد وإنكاره على من ادعى ما لا علم له به من الإجماع بطريق الأولى والأحرى؛ فإنَّ هذا يجعل عدم علمه حجة لله على جميع المسلمين يجب عليهم اتباعها، والإعراض عما بينه الله ورسوله في كتابه وسنة رسوله وعما يعارض عدم علمه من علم غيره ما في ذلك من النزاع.
-
وأما قول القائل: لم أعلم روى هذا إلا التيمي؛ فليس في هذا إثبات حجة شرعية على غيره، وهب أن ذكر العتق في حديث ليلى لم يذكر بحال، فالنزاع في العتق عن السلف (١) معروف بدون ذلك، وقد نَقَلَ النزاع في العتق مع أبي ثور: محمد بن نصر المروزي ومحمد بن جرير الطبري وداود بن علي الظاهري وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم، ونقله عامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية، لكن جمهورهم يتبعون حديث ليلى بنت العجماء وأنها يمين مكفَّرة مع تنازعهم في العتق إلا ابن جرير وداود وابن حزم، فإنَّ [٤١/ ب/ ب] هؤلاء يقولون: بأنها ليست بشيء بل لا شيء في ذلك؛ ومع هذا فقد نقل هؤلاء في الحلف بالعتق عن الصحابة كما نقلوا عنهم التكفير في الحلف بالنذر= فَعُلِمَ أَنَّ هذا نقلٌ ثابتٌ عند الموافقين له والمخالفين له، فإنه مع اعتراف المخالف له
vol. 2, p. 141بصحته نَعلم أنهم لم يتمكنوا من القدح فيه.
-
وقد قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري لما تكلم على مسألة نذر اللجاج والغضب في كتابه (اللطيف) (١) قال: (وَيُسْأَلُ القائلون: إِنَّ العتق واقع بمملوكِ القائلِ: مملوكُهُ فلانٌ حر إنْ كَلَّمَ اليوم فلانًا إذا حنث في يمينه؛ أتسقطون (٢) عنه [الكفارة] ؟ (٣) ).
-
إلى أنْ قال: (فإن ادعوا أنَّ ذلك إجماع.
-
قيل لهم: لا علم لكم باختلاف أهل العلم، وقد روي عن ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم وجماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين أنَّ في ذلك كفارة يمين) (٤) . هذا نقل ابن جرير مع اختياره أنه لا يعتق ولا كفارة عليه.
-
وكذلك ابن حزم وهو مع داود يقولون ــ أيضًا ــ: إنه لا يعتق ولا كفارة عليه، كما يقول ذلك في الحلف بالنذر، ويقولون ــ أيضًا ــ: لا تطلق المرأة
vol. 2, p. 142المحلوف بطلاقها ولا كفارة عليه ــ وهذا قول ابن جرير ــ مع أنه يقول (١) :
(وصح عن عائشة وأم سلمة ــ أمي المؤمنين ــ، وعن ابن عمر أنَّه جعل في قول ليلى بنت العجماء كل مملوك لها حر وكل مالٍ لها (٢) هدي وهي يهودية و (٣) نصرانية إنْ لم تطلق امرأتك: كفارة يمين واحدة (٤) .
-
وعن عائشة ــ أم المؤمنين ــ أنها قالت فيمن قال في [يمينٍ: مالي] (٥) ضرائب في سبيل الله، أو قال: مالي [كله] (٦) في رتاج الكعبة = كفارة يمين (٧) .
-
وعن أم سلمة وعائشة ــ أمي المؤمنين ــ فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن لم يكن كذا = كفارة يمين، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع
vol. 2, p. 143عنهما (١) .
قال: وروينا عن جابر بن عبد الله أنه قال: النذر كفارته كفارة يمين (٢) .
-
وعن ابن عباس مثل هذا (٣) .
-
وعن عمر بن الخطاب [نحوه] (٤) .
-
وعن عكرمة والحسن فيمن قال: مالي كله في رتاج الكعبة = كفارة يمين (٥) .
قال: وصح عن طاووس وعطاء؛ أما طاووس فقال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي [٤٢/ أ] في سبيل الله وهذا النحو= كفارة يمين (٦) . وأما عطاء فقال فيمن قال: عليَّ بدنة، أو قال: عليَّ ألف حجة، أو قال: مالي هدي، أو قال: مالي في المساكين= كل ذلك
vol. 2, p. 144يمين (١) .
قال: وهو قول قتادة، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر (٢) .
قال أبو محمد بن حزم: كل هذا خلافٌ لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأنَّ الشافعي أخرج من ذلك العتق المعين.
قال: والذي ذكرنا عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين هو قول عبيد الله بن الحسن وشريك وأبي ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وبه يقول الطحاوي، وذكر أنه قول زفر بن الهذيل وأحد قولي محمد بن الحسن.
قال: وقد روينا من طريق ثابتة عن ابن القاسم ــ صاحب مالك ــ أنه أفتى ابنه في المشي إلى مكة بكفارة يمين) (٣) .
قلتُ: مقصوده بذلك النقل عن هؤلاء أنهم أفتوا في التعليق الذي يقصد به اليمين بكفارة يمين، ليس مقصوده أنهم كلهم أفتوا في العتق بعينه، بل فيهم من أفتى بذلك في العتق أيضًا؛ كأبي ثور، ومنهم من نفاه كأحمد وإسحاق وأبي عبيد، ومنهم من لم يعرف قوله في العتق.
vol. 2, p. 145قال (١) : (وقد روينا مثل تفريق الشافعي ــ أيضًا ــ بخلاف قوله ــ أيضًا ــ عن ابن عمر وابن عباس من طريق إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر قال: حَلَفَت امرأة: مالي في سبيل الله وجاريتي حرة إن لم تفعل [كذا] (٢) . فقال ابن عباس وابن عمر: أما الجارية فتعتق، وأما قولها: مالي في سبيل الله فتصَّدَّق بزكاة مالها) (٣) .
قلتُ: معنى قوله مثل تفريق الشافعي؛ أي: مثل قوله في أَنَّ العتق يلزم، لم يُرِدْ مثلَ تفريقِ الشافعي بين العتق والنذر، حيث قال في النذر كفارة يمين، وفي العتق يلزم؛ فإن هذه الفتيا إنما فيها التسوية بين العتق والنذر في لزوم الجميع، وفيها ــ أيضًا ــ أنه يجزئه أن يتصدق بزكاة ماله ليس فيها تكفير ذلك كما يقوله الشافعي وأحمد وغيرهما.
قال (٤) : (وقد روينا مثل قول أبي حنيفة [ومالك] (٥) عن ابن عمر من طريق لا يصح، وقد خالفوه ــ أيضًا ــ فيها؛ كما روينا من طريق سعيد بن منصور، حدثنا أبو معاوية، حدثنا جميل بن زيد، عن ابن عمر (٦) [٤٢/ ب] قال: مَنْ حلف على يمين إِصْرٍ فلا كفارة له (٧) . والإصْرُ: أَنْ يحلف بطلاق أو عتاق أو مشي أو نذر،
vol. 2, p. 146ومن حلف على يمين غير ذلك؛ فليأت الذي هو خير فهو كفارته.
قال ابن حزم: جميل بن زيد ساقط، ولو صح لكانوا قد خالفوه في هذا الخبر نفسه، لأنه لم يجعل فيمن أتى خيرًا مما ترك (١) أن يفعله كفارة إلا فعله ذلك فقط.
قال: فإن قالوا: قد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا بالكفارة.
-
قلنا: نعم؛ وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بغير الله (٢) ، ونهى عن الوفاء بنذر المعصية (٣) ؛ فإن كان قولُهُ يمينًا فهي (٤) معصية، وإن كان نذرًا فهو معصية إذا (٥) لم يقصد به قصد القربة إلى الله، فلا وفاء فيه ولا كفارة؛ فحصل قول هؤلاء القوم خارجًا عن أقوال السلف).
vol. 2, p. 147قلتُ: ليس المقصود ذكر بحثه لقوله الذي اختاره هو أَنَّ هذه التعليقات التي يقصد بها اليمين ليس نذرًا ولا يمينًا منعقدة، وهذه قول طائفة من السلف، وهي أصل مذهب داود وابن حزم أيضًا؛ لكن المقصود: جزمه وتصحيحه لما نقل عن الصحابة والتابعين من أن الحالف بالعتق إذا قال: كل مملوك لي حر إن فعلت فإنها يمين مكفرة عند من ذكر عنه ذلك من الصحابة والتابعين، وأنَّ ما ذهب إليه من إلزام الحالف بهذه التعليقات بجميع ما التزمه أو ألزمه بغير العتق فإنه مما نقله ابن حزم قولٌ خارج عن أقوال السلف، وهذا كما قال ابن حزم فإنه لا يُعْرف عن أحد من الصحابة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه ألزم الحالف بهذه الأيمان بجميع ما أَلزم نفسَهُ فيها ولا أَلزمَهُ بجميع ذلك إلا العتق، بل ولا ألزمه بجميع ذلك إلا (١) العتق والطلاق، فليس مع القائل بشيءٍ من هذه الأقوال نقل مسند (٢) عن أحد من الصحابة، ولكن ذكره ابن عبد البر بلا إسناد عن عائشة (٣) في استثناء الطلاق والعتاق (٤) .
-
والمروي عن عائشة - رضي الله عنها - بالإسناد المعروف يناقض ذلك؛ فتارة تصرح بالتكفير في العتق وغيره (٥) ، وتارة يعم لفظها جميع الأيمان (٦) ، ولم