إثبات النزاع في الكفارة

6 paragraphs · vol. 2, p. 173

  1. عند المفتي أحد القولين لم يجز له أن يفتي بما لم يترجح عنده، والأصل بقاء النكاح؛ ولهذا كان أحمد يقول في طلاق السكران: إن من قال: إنه يقع؛ فقد حرمها على زوجها وأحلها لغيره، فقد فعل شيئين، ومن لم يحرمها أبقاها على ما هي [٤٩/ ب/ أ] عليه، فلم يفعل إلا شيئًا واحدًا (١) .

    vol. 2, p. 173
  2. فالاحتياط للمفتي إذا لم يحرم ويحلل بالشك، بل أمسك عن ذلك، وأمر بالكفارة للاحتياط بأدائها لِمَا نُقِلَ من الخلاف في وجوبها؛ فهذا أحوط الأقوال الثلاثة قبل أن ينظر في الأدلة المفصلة مع ما ينضم إلى ذلك من المرجحات الكثيرة؛ فكيف ولست تجد في كلام أحد من العلماء على الإيقاع دليلًا يُعتمد عليه فضلًا عن أن يكون راجحًا، بل ليس معهم كتاب ولا سنة ولا آثار عن الصحابة ولا قياس جلي؛ بل الكتاب والسنة والقياس الجلي يدل على عدم الوقوع.

  3. والنزاع في الوقوع ثابت بلا ريب وكذلك النزاع في الكفارة؛ ولكن المقصود أن ندرج الكلام في مقامات هذه المسألة درجة درجة؛ فإنَّ من الناس من يقول: لم يَثبت عندي النزاع في الكفارة، فيقال له: لا ريب أنه قد نقل النزاع في ذلك، كما نقله غير واحد منهم ابن حزم، وأنت لا تجزم جزمًا قاطعًا بأن الأمة اتفقت على نفي التكفير؛ وحينئذٍ فإذا ترجح عندك القول

    vol. 2, p. 174بعدم الوقوع كان احتياطك بالتكفير أولى في العقل، وأمرك بالتكفير لغيرك احتياطًا أبرأ لعرض كل منهما ودينه، وهذا [٤٩/ ب/ ب] احتياطٌ بفعل خيرٍ وبر، ليس فيه شيء من الشر، وهو دائر بين الإيجاب والاستحباب، فإن لم يكن واجبًا فلا ريب أنه مستحب.

  4. وأما إيقاع الطلاق فليس بواجب ولا مستحب من الزوج فضلًا عن أن يكون واجبًا أو مستحبًا من المفتي؛ فإنَّ المفتي والحاكم وولي الأمر كلٌّ منهم لا يَحِلُّ له أن يحرمها على زوجها ويحلها لغيره إلا بدليل شرعي سالم عن المعارض، ومع النزاع في الإيقاع لا يمكنه دعوى الإجماع، وليس معه كتاب ولا سنة ولا قياس.

  5. وإذا كان معه تقليد طائفة من علماء المسلمين؛ فالتقليد ليس فيه علم بالشرع ودليله الخاص، وإنما فيه علمٌ بأنَّ هذا قول فلان، وأنه يسوغ تقليده، فالمقلِّد لا يعلم ولا يظن أن هذا حكم الله في نفس الأمر إن لم يقترن بذلك أمارات تقوي ظنه أن هذا حكم الله في نفس الأمر؛ وحينئذٍ فلا يكون تقليدًا محضًا.

  6. وإذا عَرَفَ المقلد أنَّ النزاع حاصلٌ في المسألة، وأن الذين يُقَلِّدُهُم لم يظهر لهم حجة يقطعون بها مَنْ نازعهم، ولا أظهروا علمًا يجب على الأمة اتباعه، مع توفر الهمم والدواعي على إظهار العلم ومسيس الحاجة إلى ذلك، ووجود ما يحمل النفوس على إظهار ما عندها من العلم لما وجد في ذلك من التحدي (١) والمعارضة والمخاصمة، وتشوف همم العامة