قد يكون القول بدعة في نفس الأمر لكن القائل بها مجتهد قصد الحق حسب استطاعته
27 paragraphs · vol. 2, p. 176
- vol. 2, p. 176
وفروعه بغير اعتصام بالكتاب والسنة، بل بما يظنه هو وأمثاله إما إجماعًا وإما رأيًا.
-
وعامة أهل البدع يخالفون الكتاب والسنة بدعوى إجماع أو معقول؛ ولهذا قال أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، هذه دعوى الأصم والمَرِيسي وابن عُلَيَّة. ولهذا المعترض أسوة بهؤلاء المبتدعين وأمثالهم في هذا وغيره الذين يتكلمون في الدين بلا علم.
-
والقول الذي يقوله هذا المعترض وأمثاله من أن هذا قول مبتدع، قد قابلهم عليه من هو أعلم منهم بشرع الله ــ تعالى ــ في هذه المسألة ممن كان يفتي فيها بالكفارة قبل أن يتكلم فيها المجيب، بل وقبل أَنْ يُخْلَق، فكان يقول لمن ينازعه فيها: يا دجاجلة! لم تدخلون في الإسلام ما ليس منه؟! أين في دين المسلمين يمين منعقدة لا كفارة فيها؟! (١) .
-
وهذا هو الحق؛ فإن القول بأن من أيمان المسلمين المنعقدة ما لا كفارة فيه هو قول مبتدع لا ريب فيه، لكن قد قاله كثير من أهل العلم والدين مجتهدون مثابون على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم؛ كسائر الأقوال المخالفة في نفس الأمر لِمَا جاء به الرسول، فإنها في الحقيقة مبتدعة لم يشرعها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، لكن القائل بها مجتهد قصد الحق بحسب استطاعته، واعتقد أن هذا هو شرع الله، فأثابه الله على اجتهاده، وغفر له قوله، ولو كان بدعة في نفس الأمر.
-
وما أحسن ما كان الصحابة - رضي الله عنهم - يقولون كما قال أبو بكر وابن مسعود
vol. 2, p. 177وغيرهما من الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه (١) .
-
ومن تَدَبَّر هذه (٢) [٥٠/ ب] الإجماعات التي يذكرها مثل هؤلاء القاصرين في معرفة علم الكتاب والسنة وأقوال السلف والخلف لا سيما في أصول الدين فضلًا عن فروعه= وَجَدَ من ذلك أمورًا كثيرة، فلا يعجب بعدها من دعواهم إجماعات لا علم لهم بحقيقتها، فإنَّ هذا كثير منهم جدًا، وهو من البدع التي انتشرت بعد انقضاء القرون المفضلة حتى كان الأئمة كأحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وغيره يذمون هؤلاء المبتدعين على دعواهم ما لا علم لهم به.
-
ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه - (٣) : وإنما الأقوال المبتدعة المخالفة للكتاب والسنة ولما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون التي هي أقوال منكرة تناقض مقصود الرسالة، وتُسَلِّطُ أعداءَ الملة على القدح فيها = هي الأقوال التي أُحدثت لما كَثُرَ القول بلزوم الطلاق ووقوعه حيث لم يوقعه الله ورسوله، فأحدثت لأجل ذلك بدعة كالقول بأن تتزوج المرأة من لا يريد أن يتزوج بها ولا يريد إلا أن يحلها للأول، وقد لعن الله ورسوله هذا المحلِّل والمحلَّل له (٤) .
- vol. 2, p. 178
وكذلك استفاض ذمه وتحريمه عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة مثل: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -؛ حتى قال ابن عمر: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم الله من قلبه أنه يريد أن يحلها له (١) .
وقال أبوه عمر - رضي الله عنهما -: لا أُوتَى بمحلِّل ومحلَّل له إلا رجمتهما (٢) .
vol. 2, p. 179وقال عثمان - رضي الله عنه -: لا يُحلها إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة (١) .
-
ولم يُعرف أَنَّ أحدًا من الخلفاء والصحابة أعاد امرأة إلى زوجها بنكاح تحليل (٢) .
-
وكذلك من جنسه أن يؤمر الزوجان بالخلع، مع أن الرجل مريد لامرأته، وهي مريدة له، ليس لواحد منهما غرض في مفارقة الآخر فيؤمر بالخلع في مثل هذه الحال مع قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: ٢٢٩] .
-
ومثل دور الطلاق الذي يَجعل نكاح المسلمين مثل نكاح النصارى لا
vol. 2, p. 180طلاق فيه بحال، وهي [٥١/ أ] بدعة مخالفة لصريح المعقول مع مناقضتها لشرع الرسول؛ إذ كان معنى قول القائل: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، [و] إذا طلقتك فلم أطلقك، وإذا وقع عليك طلاق لم يكن قد وقع عليك طلاق، وهو جمع بين النقيضين مع تضمنه محالًا آخر، وهو إيقاع طلقة مسبوقة بثلاث تطليقات، وهذا ممتنع في الشرع (١) .
-
ومثل الاحتيال بطلب إفساد النكاح، مع أنه لولا الطلاق لكان النكاح عندهم صحيحًا، يَستحِلَّان به ما يستحلان بالنكاح الصحيح من الوطء والميراث وغير ذلك إلى أن يطلقها= جعلوه فاسدًا لئلا يقع الطلاق (٢) .
-
ومثل الاحتيال في ألفاظ الأيمان بما يخالف قصد الحالف ومراده (٣) ؛
- vol. 2, p. 181
فهذه هي البدع التي أُحدثت في الإسلام لما صاروا يعتقدون وقوع الطلاق المحلوف وغيره مما ليس هو بطلاق واقع في الشرع، فصاروا لأجل ذلك حزبين: حزبًا دخلوا في هذه الحيل التي تتضمن تحريم ما أحله الله ورسوله وتحليل ما حرمه الله ورسوله، وإن كان المجتهد فيها مأجورًا وخطؤه مغفورًا والمقلد له معذورًا، وكذلك الحزب الآخر الذين ألزموا الناس بالآصار والأغلال وتحريم ما أباحه الله من الحلال؛ والله يرضى عن جميع أئمة الدين ويغفره لجميع المؤمنين والمؤمنات (١) .
-
لكن المقصود بيان ما هي الأقوال المخترعة المبتدعة في الإسلام، وإن كان أهلها مجتهدين مأجورين غير مأزورين، وما هي الأقوال الموافقة لشرع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: ٧٨] فَخَصَّ أحد النبيين بالفهم مع ثنائه على كُلٍّ منهما بما آتاه من العلم والحكم؛ والعلماء ورثة الأنبياء (٢) .
-
وهذا الموضع الذي غلط فيه مثل المعترض وأمثاله، قد وقع نظيره لقوم
vol. 2, p. 182في مواضع يظنون في المسألة إجماعًا فيعملون به، مع مخالفتهم في ذلك الكتاب والسنة، مثل: من اعتقد أن نكاح الزانية قبل التوبة جائزٌ (١) بالإجماع، وخالف بذلك الكتاب والسنة (٢) .
-
ومن هؤلاء مَنْ يقول: الإجماع [٥١/ ب] يَنسخ الكتاب والسنة؛ وكنا نَظُنُّ بمن يقول ذلك أنه يريد به: أَنَّ الإجماعَ دَلَّ على نَصٍّ ناسخٍ، حتى ذَكَرَ مَنْ صَرَّحَ في نقله بأن نفس الإجماع يُنسخ به، وهذا من جنس قول النصارى الذين يُجوِّزون لأحبارهم أن يغيروا شريعة الأنبياء برأيهم، وهؤلاء ممن عناهم الله بقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: ٣١] ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم حين قال: ما عبدوهم. فقال: «أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم؛ فكانت تلك عبادتهم إياهم» (٣) ؛ فمن جوَّز لعلماء
vol. 2, p. 183الأمة بعد نبيها أن ينسخوا (١) شيئًا من شرعه كان قوله من جنس هذا القول، وهذا بخلاف ما إذا اجتهد واحد منهم؛ فإنَّ هذا يقول كما قال أبو بكر وابن مسعود - رضي الله عنهما -: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه (٢) .
-
والواحد من العلماء ليس بمعصوم يجب اتباعه، بخلاف الأمة فإنها معصومة.
-
فإذا قيل: إنها قد تنسخ نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإجماعها على خلافه، وهي معصومة في إجماعها = فهذا اتخاذ لهم أربابًا من دون الله، يحللون الحرام ويحرمون الحلال (٣) .
-
ومثل من اعتقد إجماع الأمة على أَنَّ مسافة القصر لا تكون أقل من يومين (٤) ، فلزمهم ألا يقصر أهل مكة في عرفة ومزدلفة ومنىً، وهو خلاف
vol. 2, p. 184سنته ــ التي لا ريب فيها ــ من أَنَّ أهل مكة صلوا بصلاته في عرفة ومزدلفة ومنى جمعًا وقصرًا (١) ، وكذلك كانوا يفعلون في خلافة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وصدرًا من خلافة عثمان - رضي الله عنه - لمَّا كان يقصر الصلاة (٢) ، ثم لما أتمها للاجتهاد الذي رآه. تشعب للناس عن ذلك أقوال مذكورة في غير هذا الموضع.
-
واختلف الناس في مأخذه في اجتهاده: هل كان ذلك لأنه كان تَأَهَّلَ بمكة؟ أو لأن بعض الأعراب ظنوا الصلاة لا تكون إلا قصرًا؟ أو لأنه رأى جواز الأمرين ففعل الجائز؟ أو لأنه لما عُمِرَت منى وكان المقيم بها لا يحمل الزاد والمزاد رأى عثمان - رضي الله عنه - أنَّ النازل بها مقيم، ولهذا لم يقصر بعرفة ومزدلفة مع وجود [٥٢/ أ] ما ذكر من الإتمام، ولم يكن عثمان - رضي الله عنه - يقصر في طريقه من المدينة إلى مكة، ولا كان ممن يجوز له المقام بمكة، بل كان إذا اعتمر يُنيخ راحلته ويعتمر ثم يخرج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رَخَّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه ثلاثًا. أخرجاه في الصحيحين (٣) .
- vol. 2, p. 185
ومثل من ظن إجماع (١) الصحابة على أن التكبير على الجنازة لا يجوز أن يزاد على أربع، وخالف السنة الثابتة في جواز التكبير أكثر من ذلك (٢) .
-
ومثل من ظن إجماع الصحابة على وجوب جلد ثمانين للشارب، وخالف بذلك ما تقدم من السنة في جواز الاقتصار على أربعين (٣) .
-
ومثل من ظن الإجماع على أنه لا يجوز قتل الشارب بحال، وخالف بذلك [ما] (٤) ثبت من جواز القتل في الجملة، وبعض الناس جعل القتل واجبًا، والسنةُ إنما دلت على الجواز فإنه أمر بالقتل في الرابعة (٥) ، وأُتي
vol. 2, p. 186بشخص أكثر من الشرب ولم يقتله (١) ، وقيل له - صلى الله عليه وسلم - عن طائفة لم ينتهوا. قال: «فاقتلوهم» (٢) .
-
ومن الناس من ظن الإجماع على ترك حديث المصرَّاة (٣) .
- vol. 2, p. 187
ومنهم من ظن الإجماع على أن شهادة العبد لا تقبل، وأنس (١) بن مالك قد ذكر الإجماع على أنها مقبولة (٢) .
-
ومن الناس مَنْ ظَنَّ الإجماع على أَنَّ فسخ الحج الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه - رضي الله عنهم - في حجة الوداع لا يجوز، مع أَنَّ طائفةً من السلف والخلف يقولون: لا يجوز الحج بدون سوق الهدي إلا للمتمتع إما مبتدئًا وإما فاسخًا (٣) ؛ ومثل هذا كثير.