قول القائل: (إن لم أفعل كذا وكذا) مما يقصد به اليمين ليس هو من التعليق
24 paragraphs · vol. 2, p. 222
- vol. 2, p. 222
وقول القائل: إِنْ لم أفعل كذا وكذا ونحوه هو مما يقصد به اليمين ليس هو في التعليق الذي جرت العادة بأن يقصد به إيقاع الطلاق عند الصفة، وهذا معروف من مذهب طاووس في التعليق الذي يقصد به اليمين أنه يمين مكفرة، وفي الحلف بالطلاق أنه يمين منعقدة أيضًا ليس لغوًا.
-
وقد نقل الطحاوي (١) عن طاووس وطائفة من التابعين أنهم كانوا يقولون فيمن حلف بالله أو بالطلاق أنه لا يفعل شيئًا وفعله ناسيًا ليمينه: إنه يحنث. فقولهم يُبَيِّنُ أنها يمين منعقدة عندهم، وعلم بذلك أن مذهبه أن الحالف بالطلاق إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا= يحنث، فكيف إذا فعله عامدًا؟ وأَنَّ قوله: ليس بشيء؛ أي: ليس بطلاق.
-
ونظيره قول ابن عباس - رضي الله عنهما - في الحرام: ليس بشيء (٢) ، وهذا اللفظ في الصحيح [يُبَيِّنُ] (٣) أنه يمين مكفرة عنده، ومراده: ليس بتحريم، كما ثبت عنه في الصحيح (٤) أنه كان [٦١/ أ] يقول في الحرام: يمينٌ يكفرها، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] .
-
وفي لفظٍ آخر (٥) : إذا حَرَّمَ الرجلُ عليه امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .
- vol. 2, p. 223
فقد قال ابن عباس: إنَّ الحرام ليس بشيء، مع أنه لم يُختلف عنه أن فيه كفارة؛ إِمَّا الكفارة الكبرى وإِمَّا الصغرى (١) ، وكذلك لم يختلف في ذلك عن الصحابة، ولم يقل أحد من الصحابة إنَّ الحرام لغو، وإنما نقل ذلك عن بعض التابعين كمسروق (٢) ، كما أَنَّ الصحابة لم يُنقل عنهم أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين لغو، ومَنْ طَرَدَ ذلك عن بعضهم ــ كما ظنه من قال بهذا ــ فقد غلط عليهم.
-
والمقصود بهذا: أَنَّ مثل هذه العبارة معروفٌ في كلام الصحابة والتابعين أنهم يعنون بها نفي الحكم الذي سئلوا عنه ــ الذي ظنه السائل لازمًا ــ وإن كانوا يجعلون في ذلك كفارة، فقول عائشة مثل قول ابن عباس وطاووس وغيرهما، وكل من نقل مذهب طاووس نَقَلَ عنه أنه كان يقول في الحلف بصيغة التعليق: إنها يمين يكفرها حتى (٣) نقلوا ذلك عنه في العتق صريحًا، ثم لم يَنقل أَحَدٌ عنه في الطلاق أنه يَلزم إذا علَّقَهُ على وجه اليمين أن الحلف به لغو لا يلزم.
vol. 2, p. 224قال ابن حزم (١) : (صَحَّ عن طاووس أنه قال: الحلف بالعتاق، ومالي هدي، وكل شيء لي في سبيل الله وهذا النحو؛ كفارة يمين) .
وقال ابن عبد البر (٢) : (وروى معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه فيمن جعل ماله في رتاج الكعبة أو في سبيل الله؛ يعني: إِنْ فَعَلَ كذا. قال: هي يمين يكفرها) .
-
وقد نقل محمد بن نصر عن طاووس والحسن إذا قال: إذا فعلت فكل مملوك لي حر أنها يمين (٣) .
-
وأما قول طاووس في الطلاق الذي نَقَلَهُ عنه ابنه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس بشيء، فهذا لم يبلغ أبا ثور ومحمد بن نصر وابن عبد البر ونحو هؤلاء الذين لم يذكروا في الطلاق نزاعًا، ولهذا لم يذكر هذا الأثر الذي نقله عنه ابنه أحد منهم، مع أنهم لو كانوا مستحضرين له لكان مما تتوفر داعيتهم على نقله لصحة إسناده وجلالته (٤) وجلالة قائله، ولو قُدِّرَ أنه شاذٌ عندهم فهم ينقلون ما هو أشذ منه.
-
[٦١/ ب] وكذلك ما نقله عن سعيد بن المسيب فيمن قال: إِنْ فعلت كذا فعليَّ المشيُ إلى مكة: أنه لا شيء عليه حتى ينذر (٥) . إنما أراد به سعيدٌ
vol. 2, p. 225ــ والله أعلم ــ أنه ليس عليه نذر حتى ينذر، لم يرد به أنه ليس عليه كفارة ولا نذر حتى ينذر؛ فإن هذا لا يقوله أحد، بل الكفارة تجب عليه بدون النذر، وقد نقلوا عن سعيد بن المسيب أَنَّ مثل هذا التعليق يوجب الكفارة، كما في الحديث الذي في سنن أبي داود: عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر أنه قال: إِنَّ الكعبة لغنيةٌ عن مالك، كَفِّرْ يمينك وكَلِّم أخاك (١) .
-
وسعيدٌ نَقَلَهُ نَقْلَ موافقٍ له لا مخالف له.
-
وأما السؤال الذي أورده ابن جرير على نفسه وأجاب عنه فهو مبنيٌ على أصله، وهو أنَّ مِنْ أصلِهِ أنه لا يعتد بخلاف الواحد والاثنين (٢) ، وأنَّ الإجماع لا يكون مستنده إلا نصًّا، فما أجمعوا عليه فهو منقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإذا كان الجماهير على قولٍ كان ذلك عنده نقلًا منهم لذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ظَهَرَ الخلاف كان ذلك اجتهادًا منهم = فأورد على نفسه: أنَّ القول بلزوم المعلق في نذر اللجاج والغضب هو قول عظم متفقهة الحجاز والعراق ــ فإنَّ هذا قول ربيعة ومالك وجمهور أصحابهم وهم المشهورون بالفتيا في الحجاز ــ، وهو قول عثمان البَتِّي، وهو المشهور عن أبي حنيفة
vol. 2, p. 226وأصحابه كأبي يوسف وغيره من المشهورين بالفتيا في البصرة والكوفة، ولم يبلغه أنَّ أبا حنيفة رجع عن ذلك ووافقه محمد بن الحسن لشهرة العمل بهذا القول في الحجاز والعراق.
ثم قال: وإنْ كان في ذلك اختلاف بينَ متقدمي الأئمة من الصحابة والتابعين وبينَ متأخري أهل الحجاز بإيجاب بعضهم في ذلك إذا حلف كفارة يمين، وهذا يريد به خلاف الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ لمالك - رحمه الله - وغيره من الحجازيين؛ إذ كان الشافعي يوجب في ذلك كفارة يمين، فأثبتَ الخلاف المتقدم بين الصحابة والتابعين والمتأخرين الحجازيين، ولم يكن ابن جرير يَعْتَدُّ بخلاف المتأخرين كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبَيد وأبي ثور وغيرهم إن لم يجد في ذلك نزاعًا قديمًا، وكذلك إسماعيل بن إسحاق (١) [٦٢/ أ] القاضي (٢)
-
وأمثاله لا يعتدون بخلاف الشافعي ونحوه.
-
وأحمد بن حنبل كان لا يعتد إلا بخلاف الصحابة والتابعين بعدهم، لا يعتد بخلاف من بعدهم، ولا يكاد يذكر أقوالهم إلا على سبيل المتابعة، لأنَّ الصحابة والتابعين قد تكلموا في عامة الحوادث، قَلَّ عنده أن تقعَ واقعة إلا وقد تكلم الصحابة - رضي الله عنهم - فيها أو في نظيرها، وكان لكثرة علمه بأقوال
vol. 2, p. 227الصحابة والتابعين لا يحتاج إلى أن ينقل كلام مَنْ بعدهم (١) .
-
ولمَّا كان هذا من أصل ابن جرير؛ كان يدعي الإجماع في مسائل متعددة مع شهرة النزاع فيها بين الأئمة الأربعة (٢) مثل: ادعائه الإجماع على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها، وأنَّ متروك التسمية مباح (٣) ، ومثل ذلك؛ حتى يتأوَّل ما نُقِلَ في ذلك من النزاع؛ كما قال في مسألة اليمين الغموس (٤) : (وقد علمت ما حدثكم به ابن العلاء ويعقوب، حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، عن عطاء والحكم أنهما كانا يقولان فيمن حلفَ كذبًا متعمدًا: أنه يُكَفِّر) (٥) .
قال: (أما الحكم؛ فإنَّ الصحيح عندنا أنه كان يأمر في ذلك بالكفارة استحبابًا، وذلك أنَّ أبا كريب حدثنا عن ابن إدريس، عن شعبة في الرجل يتعمد الحلف على الإثم (٦) . قال حماد: ليس فيه (٧) كفارة، وقال الحكم: الكفارةُ خير (٨) .
-
وأما عطاء؛ فإنَّ الراوي عنه حجاج، وحجاج يجب في أخبارِهِ التثبتُ لأسبابٍ كثيرة).
- vol. 2, p. 228
إلى أَنْ قال: (فالواجب على عطاء ومن قال بقوله في ذلك ــ إذا صحت عنه الرواية بما رواه حجاج ــ اتباع ما نَقَلَتهُ الأئمة مستفيضًا عنهم: ألا كفارة على الحالف الحانث عمدًا) (١) . فلم يَعْتَدَّ بخلاف الشافعي في اليمين الغموس.
-
وتأمل ما نقل عن الحكم [فهو] (٢) أضعف مما نقل عن عطاء، ثم [قال لهم:] (٣) إنه بتقدير صحة قوله؛ فالواجب عليه وعلى من قال بقوله كالشافعي ــ فإنَّ الشافعي كان كثير الاتباع لقول عطاء (٤) ــ: أَنْ يتبعوا ما نقلته الأئمة مستفيضًا عنهم ألا كفارة على الحالف الكاذب عمدًا، فجعل هذا إجماعًا مستفيضًا في الأمة نقلوه عن النبي، ومعلومٌ أنَّ جمهور العلماء تنازعوا في هذا، فلا يجعلون مثل هذا إجماعًا، ولا يجعلون كل ما ادعي [٦٢/ ب] فيه الإجماع أنهم نقلوا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نقلوا لفظ الحديث والقرآن، وإنْ قالوا: إنَّ القرآن أو السنة دَلَّ على موافقة الإجماع، فلا يقولون: إِنَّ كل من وافق على الحكم مستنده نص منقول عنده عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-
وابن جرير هو ممن اعتمد المعترض ونحوه على ما ادعاه من الإجماع في وقوع الطلاق التي يدعيها، وهذا معنى كلامه في الإجماعات التي
vol. 2, p. 229يدعيها، مثلما قال في متروك التسمية (١) .
قال: (فإنْ [قال] (٢) قائلٌ في ذبيحةِ الناسي ذِكْرَ اسمِ اللهِ ــ تعالى ــ على ذبيحتِهِ: حرامٌ أَكْلُ ذبيحته؛ فقوله خارجٌ من قول جميع الحجة، والثابت من خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي حدثني به سعيد بن عثمان التنوخي (٣) ، عن محمد بن يزيد بن سنان، عن معقل بن عبيد الله (٤) ، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم يكفيه اسمه، فإنْ نسي أنْ يُسمي حين يذبح؛ فليسم ويذكر اسم الله ويأكل» (٥) ).
-
إلى أنْ قال: (لم يُحَرِّمْ أَكْلَ ما تُرِكَ ذكرُ اسمِ الله عليه ناسيًا أَحَدٌ، وإنما كرهه ونحن نكرهه؛ فأما تحريمه فلم يصح عن أحدٍ منهم) .
- vol. 2, p. 230
ثم روى عن ابن سيرين والشعبي كراهيته، قال: (ولو صح عنهما أنهما حَرَّمَا ذلك، لم يَجُزْ الاعتراض بهما على [الحجة] (١) فيما كانت عليه مجمعة؛ فكيف وإنما الرواية عنهما بالكراهة، مع اختلاف في ذلك في الرواية عن بعضِ مَن رُوِيَتْ عنه الكراهة) (٢) .
-
فهو - رحمه الله - يدعي الإجماع وثبوت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وكلاهما ضعيف.
قال البيهقي (٣) في حديث ابن عباس هذا: كذا رواه مرفوعًا، ورواه غيره عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن عين (٤) ــ وهو عكرمة ــ عن ابن عباس موقوفًا.
-
ورواه (٥) من حديث سعيد بن منصور [وأبي بكر الحميدي] (٦) ، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر بن زيد (٧) ، [عن عين] (٨) ، عن ابن عباس قال: «إذا ذبح المسلم ونسي أن يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من
vol. 2, p. 231أسماء الله» (١) . وفي لفظ: «فإنَّ المسلم فيه اسم الله، وإن لم يذكر التسمية» (٢) .
-
ورواه ــ أيضًا ــ (٣) من حديث عطاء، عن ابن عباس.
-
ورواية مثل هؤلاء الثقات تُبيِّنُ الغلط في تلك الرواية المرفوعة، لاسيما وراويها محمد بن [٦٣/ أ] يزيد بن سنان، رواه عنه أبو حاتم ــ أيضًا ــ (٤) .