فصل (في ذكر سؤال أورده المعترض ولم يجب عنه)

14 paragraphs · vol. 2, p. 5

  1. ثم أورد (١) على نفسِهِ سؤالاً ولم يُجِب عنه؛ فقال: (فإنْ قلتَ: يلزمُ أنَّ العتق المُنَجَّزَ لا يقع إذا لم ينوِ التقرب به، وأنَّ النذر المنجَّزَ أو المعلَّق إذا لم يقصد بِهِ التقرب لا يقع) (٢) .

    vol. 2, p. 5
  2. وتوجيه السؤال: أنه إذا اُشْتُرِطَ في النذر قصد التقرب فلأن يُشترطَ ذلك في قصد المنذور إذا فعلَهُ بطريق الأولى؛ فيلزم أنَّ مَن فعل (٣) شيئًا من جنس ما يُنذَر ــ كالعتق والصدقة ــ بغير قصدِ التقرب لا يصح إذا لم ينو التقرب بهِ، ومعلومٌ أنَّ العتق والصدقة تصح من الكافر الذي ليس مِنْ أهلِ قصد التقرب إلى الله (٤) ، ويصح عِتْقُ العبد وإنْ لم يَخْطُر بقلبِ صاحبِهِ التقربَ، وكذلك الصدقة.

  3. لكن حصول الثوابِ من الله يكونُ مشروطًا بقصد التقرب، لكن لا يلزم من عدمِ الثواب ألا يَعْتُق، ولا يملك الفقير ما أُعطيَهُ.

    وقال في الجواب: (قلتُ: أما الأول؛ فإما أن يلتزمَ ذلك على مذهبِ أبي ثور ويُفَرِّق بين الطلاق والعتق، وإما أَنْ يقول: العتق لا يُشترطُ فيه التقرب إلا للثواب (٥) عليه، أما من جهة تحرير أو إزالة الملك فلا.

  4. فإنَّ العتق (١) له جهتان: إحداهما: كونه إسقاط ملك وهو حَقٌّ مِن جملةِ الحقوق؛ فمن هذه الجهة لا يشترط فيه قصد القربة، كالإبراء من الديون وما أشبهَهُ.

    vol. 2, p. 6
  5. والثانية: كونه مُعِينًا على التخلص لعبادةِ الله ــ تعالى ــ؛ ومن هذه الجهة هو قربةٌ وطاعة، ورافعٌ الإذلال (٢) الذي هو يلزم. فإنْ قَصَدَ المعتقُ بعتقِهِ ذلك حَصَلَ له الثواب، وإنْ لم يقصد ذلك حصل العتق كما يحصل الإبراء من الحقوق من غير قصد القربة (٣) .

  6. وأما الثاني: فإنْ قلتَ: إذا كان المشي مقصودًا، والمشيُ طاعة؛ فالطاعة مقصودةٌ.

    قلتُ: قصدُ المشي له جهتان: إحداهما: قصده من حيث كونه امتثالاً للأمر المطلق في الترغيب في النوافل، وهذا هو الطاعة، وليس مقصودًا هاهنا.

  7. والثانية: قصدُهُ لأمرٍ آخر، كما هو في نذر اللجاج والغضب، فإنه إنما قَصَدَهُ ليكون مانعًا له من ذلك الفعل لا ليتقرب به؛ فهذا ليس بطاعة، فلا [٢/ ب] يدخل في قوله: «من نَذَرَ أن يطيعَ الله فليطعه» (٤) ) (٥) .

    vol. 2, p. 7وأما الثاني [ ... ] (١) .

  8. فيقال: أما قوله: (أما الأول: فإما أنْ يلتزم ذلك على مذهب أبي ثورٍ ويُفرِّق بين الطلاق والعتق) فيقال:

    أولاً: أنتَ تُخطِّئ أبا ثورٍ ومن قال بقوله.

  9. وثانيًا: أنَّ هذا ليس موافقةً لأبي ثور؛ فإنَّ أبا ثور كانَ يجعل هذا يمينًا من أيمان المسلمين، ويحتجُّ بالقرآن، ويقول: إنَّ مقتضى الدليل أنَّ جميع الأيمان تجري فيها الكفارة إلا أنْ ينعقدَ الإجماعُ في صورةٍ على خلاف ذلك = لم يكن مأخذَ أبي ثورٍ - رحمه الله -.

  10. وقد ذَكَرَ هو نفسُهُ لفظَ أبي ثورٍ فقال: (قال أبو ثور: مَنْ حلفَ بالعتق فعليهِ كفارةُ يمين، ولا عِتْقَ عليه) . قال: (وذلك أنَّ اللهَ أوجبَ في كتابِهِ كفارةَ اليمين على كلِّ حالفٍ فقال: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم) قال أبو ثور: (فكلُّ يمينٍ حَلَفَ بها الإنسانُ فَحَنِثَ فعليه الكفارة على ظاهرِ الكتاب إلا أنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارةَ، وألزمناه الطلاقَ للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة، لأنَّ الأمةَ لم تجتمع على ألا كفارةَ فيه) (٢) .

  11. فهذا أبو ثورٍ قد بيَّنَ مذهبَهُ: أنَّ الحالف بالعتق حالفٌ يمينًا عليه فيها كفارةٌ، وهذا مقتضى الدليل عنده على كلِّ حالفٍ؛ فالطلاقُ كان مقتضى ظاهر الكتاب عنده أنْ يكونَ على الحالفِ بالطلاق الكفارة, لأنه يمين من أيمانِ المسلمين حَلَفَ بها الإنسان فحَنِثَ (١) .

    ثم قال (٢) : (إلا أنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارةَ، وألزمناه الطلاقَ للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة، لأنَّ الأمةَ لم تجتمع على ألا كفارةَ فيه) .

    vol. 2, p. 8
  12. فقد بيَّنَ أبو ثورٍ مأخذه، وأنَّ مقتضى ظاهر القرآن عنده: أنَّ كُلَّ حالفٍ سواء إِنْ حَلَفَ بالطلاق أو غيرِهِ أنه تجزئه كفارةُ يمينٍ إذا حنث، لكنَّ الإجماعَ الذي يعتقدُهُ إذا عارضَ ظاهرَ القرآن رَجَّحَ الإجماع، والإجماع الذي اعتقدَهُ: إجماعُهُم على ألا كفارةَ فيه [٣/ أ] لا على أنَّه لا (٣) يلزمه طلاقٌ ــ كما بيَّنَهُ ــ، لكن إذا أجمعوا أنه لا كفارةَ فيه امتنع أنْ يجب عليه كفارة، وحينئذٍ فهو حالفٌ عنده، وموجَب يمينِهِ لزومُ ما حلفَ بهِ أو الكفارة، فلما سقطت الكفارة بما ظَنَّه من الإجماع، والواجب عنده إذا سقطَ هذا لزوم الآخر= ألزمه (٤) بالطلاق.

  13. وهذا مسلكُ محمد بن جرير (١) تلقاهُ عن أبي ثور، واعتقد الإجماع كما اعتقده أبو ثور وعنه أخذَهُ، وكان كتابُ أبي ثورٍ عنده ينقل منه كما نقلَ منه في كتاب (الاختلاف) ألفاظَ أبي ثورٍ بعينها.

    vol. 2, p. 9
  14. وابن جرير كانَ أوسعَ ادعاءً للإجماع من أبي ثور، فإنه كان يقول: إنَّ خلافَ الواحد والاثنين لا يُعتدُّ بِهِ، فجعلَ قولَ الجمهور إجماعًا؛ كما فعلَ ذلك في مسائل كثيرة (٢) ، كما ادعى الإجماع على أنَّ متروكَ التسميةِ سهوًا يُباحُ أكلُهُ (٣) ، وأمثالِ ذلك مما يُنكرُهُ عليه جمهور العلماء، ثمَّ إنَّه مع ذلك