وما يتعلق بهما من الأحكام
83 paragraphs · vol. 1, p. 192
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 192
الْقَرَاض وَالْمُضَاربَة: اسمان بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ أَن يدْفع مَاله إِلَى رجل ليتجر فِيهِ وَيكون الرِّبْح بَينهمَا على مَا يشترطانه وَرَأس المَال لرب المَال
-
وَأهل الْحجاز يسمون هَذَا العقد (قراضا)
-
وَاخْتلف فِي اشتقاقه فَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من الْقَرْض وَهُوَ الْقطع
-
يُقَال: قرضت الطَّرِيق أَي قطعتها
-
وقرض الفأر الثَّوْب أَي قطعه
-
فَكَأَن رب المَال اقتطع لِلْعَامِلِ قِطْعَة من مَاله أَو أقطع لَهُ قِطْعَة من الرِّبْح
-
وَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من الْمُسَاوَاة
-
يُقَال: تقارض الشاعران إِذا سَاوَى كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر بِشعرِهِ فِي الْمَدْح والذم
-
وَحكي عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ (قارض النَّاس مَا قارضوك
-
فَإِن تَركتهم لم يتركوك) يُرِيد: ساوهم
-
فالمتقارضان يتساويان
-
لِأَن أَحدهمَا يبْذل المَال وَالْآخر يتَصَرَّف فِيهِ
-
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لاشْتِرَاكهمَا فِي الرِّبْح
-
فالمقارض بِكَسْر الرَّاء هُوَ رب المَال
-
وَبِفَتْحِهَا: هُوَ الْعَامِل
-
وَأما الْمُضَاربَة: فاشتقاقها من الضَّرْب بِالْمَالِ
-
وَقيل: هُوَ من ضرب كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الرِّبْح بِسَهْم
-
فالمضارب بِكَسْر الرَّاء هُوَ الْعَامِل لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يضْرب فِي المَال وَلم يشتق لرب المَال مِنْهُ اسْم
-
والقراض: جَائِز
-
وَالْأَصْل فِي جَوَازه: إِجْمَاع الصَّحَابَة
-
وَرُوِيَ ذَلِك عَن عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَحَكِيم بن حزَام رَضِي الله عَنْهُم
-
وروى الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ: (أَن عبيد الله وَعبد الله ابْنا عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُم خرجا فِي جَيش إِلَى الْعرَاق
-
فتسلفا من أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ عَامل لعمر مَالا فابتاعا بِهِ مَتَاعا وقدما بِهِ الْمَدِينَة
-
فباعاه وربحا
فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: أكل الْجَيْش قد أسلف قَالَا: لَا
فَقَالَ عمر: أديا المَال وَربحه
-
فَلم لَا يكون ربحه لنا فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو جعلته قراضا فَقَالَ: قد جعلته قراضا
-
فَأخذ مِنْهَا رَأس المَال وَنصف الرِّبْح) فَدلَّ على أَن الْقَرَاض كَا مستقيضا فِي الصَّحَابَة
-
فَإِن قيل: إِذا تسلفا المَال من أبي مُوسَى
-
فَكيف يحتجون بذلك على الْقَرَاض قُلْنَا: مَوضِع الْحجَّة مِنْهُ: قَول الرجل لعمر رَضِي الله عَنهُ (لَو جعلته قراضا) وَلم يُنكر عَلَيْهِ عمر وَلَا غَيره الْقَرَاض
-
فَإِن قيل: إِذا كَانَا قد تسلفا ذَلِك من أبي مُوسَى وابتاعا بِهِ مَتَاعا
-
فقد ملكا المَال وَربحه
-
فَكيف سَاغَ لعمر أَن يَجعله قراضا وَيَأْخُذ مِنْهُمَا نصف الرِّبْح فتأول أَصْحَابنَا ذَلِك ثَلَاث تأويلات
-
أَحدهَا وَهُوَ تَأْوِيل أبي الْعَبَّاس أَن أَبَا مُوسَى كَانَ قد اجْتمع عِنْده مَال لبيت المَال وَأَرَادَ أَن ينفذهُ إِلَى الْمَدِينَة
-
فخاف عَلَيْهِ غرر الطَّرِيق فأقرضهما ذَلِك المَال ليَكُون فِي ذمتهما أحظ لبيت المَال
-
وَقد ملكا المَال وَربحه إِلَّا أَن عمر أَرَادَ أَن ينفع الْمُسلمين فاستدعاهما واستطاب أَنفسهمَا عَن نصف الرِّبْح وللعامل أَن يفعل كَمَا فعل أَبُو مُوسَى إِذا خَافَ على المَال
-
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: كَانَ الطَّرِيق آمنا وَإِنَّمَا أقْرضهُمَا أَبُو مُوسَى ليتقرب بذلك إِلَى قلب أَبِيهِمَا عمر: فَلَمَّا تَصرفا فِي المَال وربحا كَانَ الرِّبْح ملكا للْمُسلمين
-
واستحقا أُجْرَة الْمثل
-
وَبَلغت أجرتهما نصف الرِّبْح
-
وَلِهَذَا رُوِيَ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: (كَأَنِّي بِأبي مُوسَى وَهُوَ يَقُول أئتيا أَمِير الْمُؤمنِينَ)
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: كَانَ أَبُو مُوسَى أقْرضهُمَا ذَلِك المَال ثمَّ قارضهما بعد ذَلِك
-
فخلطا الرِّبْح الَّذِي حصل مِنْهُ