الباب السابع عشر في أطوار ابن آدم من وقت كونه نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار

157 paragraphs · vol. 1, p. 245

Page 3 of 4

  1. وَنَصّ الْأَمَام أَحْمد على اعْتِبَار الْقَافة فِي حق الْمَرْأَتَيْنِ فَسئلَ عَن يَهُودِيَّة ومسلمة ولدتا فادعت الْيَهُودِيَّة ولد الْمسلمَة فَقيل لَهُ يكون فِي هَذِه الْقَافة قَالَ مَا أحْسنه وَهَذَا أصح الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيَّة

    vol. 1, p. 282وَقَالُوا فِي الْوَجْه الآخر لَا تعْتَبر الْقَافة هَا هُنَا لِإِمْكَان معرفَة الْأُم يَقِينا بِخِلَاف الاب وَالصَّحِيح اعْتِبَار الْقَافة فِي حق الْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُ اعْتِبَار لشبه الْأُم وَالْولد يَأْخُذ الشّبَه من الْأُم تَارَة وَمن الْأَب تَارَة بِدَلِيل مَا ذكرنَا من حَدِيث عَائِشَة وَأم سَلمَة وَعبد الله بن سَلام وَأنس بن مَالك وثوبان رَضِي الله عَنْهُم وَإِمْكَان معرفَة الْأُم يَقِينا لَا يمْنَع اعْتِبَار الْقَافة عِنْد عدم الْيَقِين كَمَا نتعبرها بالشبه إِلَى الرجلَيْن عِنْد عدم الْفراش

    vol. 1, p. 281
  2. وَقد روى سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد ابْن سِيرِين قَالَ حج بِنَا الْوَلِيد وَنحن سَبْعَة ولد سِيرِين فَمر بِنَا إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا دَخَلنَا على زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ قيل لَهُ هَؤُلَاءِ بَنو سِيرِين قَالَ فَقَالَ زيد هَذَانِ لأم وَهَذَانِ لأم وَهَذَانِ لأم فَمَا أَخطَأ

  3. وَقد قَالَ بقراط فِي كتاب الأجنة وَإِذا كَانَ مني الرجل أَكثر من مني الْمَرْأَة أشبه الطِّفْل أَبَاهُ وَإِذا كَانَ مني الْمَرْأَة أَكثر من مني الرجل أشبه الطِّفْل أمه وَقَالَ الْمَنِيّ ينزل من أَعْضَاء الْبدن كلهَا وَيجْرِي من الصَّحِيحَة صَحِيحا وَمن السقيمة سقيما وَقَالَ إِن الصلع يلدون صلعا والشهل يلدون شهلا والحول حولا وَقَالَ أما اللَّحْم فَإِنَّهُ يَرْبُو ويزداد مَعَ اللَّحْم ويخلق فِيهِ مفاصل وَيكون كل شَيْء من الْجَنِين شَبِيها بِمَا يخرج مِنْهُ وَقَالَ قد يتَوَلَّد مرَارًا كَثِيرَة من العميان وَمن بِهِ شامة أَو أثر وَمن بِهِ عَلَامَات أخر مِمَّن

    vol. 1, p. 283بِهِ عَلامَة مثلهَا وَكَثِيرًا مَا يُولد أَبنَاء يشبهون أجدادهم أَو يشبهون آبَاءَهُم وَقَالَ الذُّكُور فِي الْأَكْثَر يشبهون آبَاءَهُم وَالْإِنَاث يشبهن أمهاتهن

  4. فصل

  5. وَقد يكون قبح الْمَوْلُود وَحسنه من أَسبَاب أخر

  6. مِنْهَا أَن أفكار الْوَالِدين وخاصة الوالدة إِذا جالت عِنْد المباضعة وَبعدهَا إِلَى وَقت خلق الْجَنِين فِي الْأَشْخَاص الَّتِي تشاهدها وتعاينها وتتذكرها وتشتاقها لِأَنَّهَا تحبها وتودها فَإِذا دَامَت الفكرة فِيهِ والأشتياق إِلَيْهِ أشبه الْجَنِين وتصور بصورته فَإِن الطبيعة نقالة واستعدادها وقبولها أَمر يعرفهُ كل أحد

  7. وحَدثني رَئِيس الْأَطِبَّاء بِالْقَاهِرَةِ قَالَ أجلست ابْن أخي يكحل النَّاس فَمَا مكث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى جَاءَ وَبِه رمد فَلَمَّا برأَ مِنْهُ عَاد فعاوده الرمد فَعلمت أَنه من فتح عَيْنَيْهِ فِي أعين الرمد والطبيعة نقالة

  8. وَقد ذكر الْأَطِبَّاء أَن إدمان الْحَامِل على أكل السفرجل والتفاح مِمَّا يحسن وَجه الْمَوْلُود ويصفي لَونه وكرهوا للحامل رُؤْيَة الصُّور الشنيعة والألوان الكمدة والبيوت الوحشة الضيقة وَأَن ذَلِك كُله يُؤثر فِي الْجَنِين

  9. فصل

  10. وَقَالَ بقراط فِي كتاب الأجنة إِذا حصل مني الرجل دَاخل الرَّحِم

    vol. 1, p. 284عِنْد الْجِمَاع وَلم يسل إِلَى خَارج وَلكنه مكث فِي فَم الرَّحِم وانضم فَمه علقت الْمَرْأَة وَإِذا انْضَمَّ فَم الرَّحِم اخْتَلَط المنيان فِي جَوْفه وَتمّ الْحَبل فَإِذا توَافق إِنْزَال الرجل وإنزال الْمَرْأَة فِي وَقت وَاحِد وَاخْتَلَطَ الماءان وثبتا فِي الرَّحِم واشتمل عَلَيْهِمَا وانضم علقت الْمَرْأَة وتدبير ذَلِك يكون فِي ثَلَاثَة أَوْقَات قبل المباضعة وَمَعَهَا وَبعدهَا بإعداد الرَّحِم لقبُول النُّطْفَة وَمَعَهَا بإيصال النُّطْفَة إِلَى مستقرها فِي الرَّحِم واتفاق الإنزالين وَبعدهَا بثبات النُّطْفَة فِي الرَّحِم وإمساكه عَلَيْهَا وحفظها من الْخُرُوج وَالْفساد قلت السَّبَب الْمَذْكُور غير مُوجب وَإِنَّمَا الْمُوجب مَشِيئَة الله وَحده كَمَا بَينا وَالله أعلم

  11. فصل

  12. وَإِذا تكون الْجَنِين وصوره الْخَالِق البارىء المصور خلق وَرَأسه إِلَى فَوق وَرجلَاهُ إِلَى أَسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب وَيصير رَأسه إِلَى أَسْفَل فيتقدم رَأسه سَائِر بدنه هَذَا بِاتِّفَاق من الْأَطِبَّاء والمشرحين وَهَذَا من تَمام الْعِنَايَة الإلهية بالجنين وَأمه لِأَن رَأسه إِذا خرج أَولا كَانَ خُرُوج سَائِر بدنه أسهل من غير أَن يحْتَاج شَيْء مِنْهَا إِلَى أَن ينثني فَإِن الْجَنِين لَو خرجت رِجْلَاهُ أَولا لم يُؤمن أَن ينشب فِي الرَّحِم عِنْد يَدَيْهِ وَإِن خرجت رجله الْوَاحِدَة لم يُؤمن أَن يعلق وينشب فِي الرَّحِم عِنْد إِدْرَاكه وَإِن خرجت اليدان لم يُؤمن أَن ينشب عِنْد رَأسه إِمَّا أَنه يلتوي إِلَى خلف وَإِمَّا

    vol. 1, p. 285لِأَن السُّرَّة تلتوي إِلَى عُنُقه أَو كتفه لِأَن الْجَنِين إِذا انحدر فَصَارَ إِلَى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُنَاكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إِمَّا أَن يجاذب السُّرَّة فتألم الْأُم غَايَة الْأَلَم ثمَّ إِن الْجَنِين إِمَّا أَن يَمُوت وَإِمَّا أَن يصعب خُرُوجه وَيخرج وَهُوَ عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الْحَاكِمين أَن يَنْقَلِب فِي الْبَطن فَيخرج رَأسه أَولا ثمَّ يتبع الرَّأْس بَاقِي الْبدن

  13. فصل

  14. فِي السَّبَب الَّذِي لأَجله لَا يعِيش الْوَلَد إِذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إِذا ولد لسبعة أشهر وَتِسْعَة وَعشرَة

  15. إِذا أتم الْجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب وَالْخُرُوج فَإِن كَانَ الْجَنِين قَوِيا من الْأَطْفَال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة فِي تركيبهم وجبلتهم حَتَّى يقدر بحركته على أَن يهتك مَا يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ الْمُتَّصِلَة بالرحم حَتَّى ينفذ وَيخرج مِنْهَا خرج فِي الشَّهْر السَّابِع وَهُوَ قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الْحَرَكَة وَلم يمرضه الانقلاب وَإِن كَانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهُوَ إِمَّا أَن يعطب بسب مَا يَنَالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وَإِمَّا أَن يبْقى فِي الْبَطن فيمرض ويلبث فِي مَرضه نَحوا من أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإِذا ولد فِي حُدُود الشَّهْر الثَّامِن ولد وَهُوَ مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب وَلَا يسلم وَلَا يتربى

    vol. 1, p. 286وَإِن لبث فِي الرَّحِم حَتَّى يجوز هَذِه الْأَرْبَعين يَوْمًا إِلَى الشَّهْر التَّاسِع وَقَوي وَصَحَّ وانتعش وَبعد عَهده بِالْمرضِ كَانَ حريا أَن يسلم وأولاهم بِأَن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا فِي الرَّحِم وهم المولودون فِي الشَّهْر الْعَاشِر وَأما من ولد بَين الْعَاشِر وَالتَّاسِع فحالهم فِي ذَلِك بِحَسب الْقرب والبعد

  16. وَقَالَ غَيره الْعلَّة فِي أَنه لَا يُمكن أَن يعِيش الْمَوْلُود لثمانية أشهر أَنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبَان من الضَّرَر أَحدهمَا انقلابه فِي الشَّهْر السَّابِع فِي جَوف الرَّحِم للولادة وَالثَّانِي تغير الْحَال عَلَيْهِ بَين مَكَانَهُ فِي الرَّحِم وَبَين مَكَانَهُ فِي الْهَوَاء وَإِن كَانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن الْمَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أَن يَنَالهُ الضَّرَر الَّذِي من دَاخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض فِي جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وَعشرَة أشهر يلبث فِي الرَّحِم حَتَّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الْأَمْرَاض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وَكَذَلِكَ لَا يُمكن أَن يعِيش وَجَمِيع الأجنة فِي الشَّهْر الثَّامِن يعرض لَهُم الْمَرَض

  17. ويدلك على ذَلِك أَنَّك تَجِد جَمِيع الْحَوَامِل والحبالى فِي الشَّهْر الثَّامِن أَسْوَأ حَالا وأثقل مِنْهُنَّ فِي مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذَا الشَّهْر وَبعده وأحوال الْأُمَّهَات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة

    vol. 1, p. 287فصل

  18. وبكاء الطِّفْل سَاعَة وِلَادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وَإِذا وضع الطِّفْل يَده أَو إبهامه أَو إصبعه على عُضْو من أَعْضَائِهِ فَهُوَ دَلِيل على ألم ذَلِك الْعُضْو وكل الْحَيَوَان بالطبع يُشِير إِلَى مَا يؤلمه من بدنه إِمَّا بِيَدِهِ أَو بفمه أَو بِرَأْسِهِ أَو بِذَنبِهِ فَلَمَّا كَانَ الطِّفْل عادما للنطق أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ أَو يَده إِلَى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم

  19. فصل

  20. فِي أَن الْأَطْفَال وهم حمل فِي الرَّحِم أقوى مِنْهُم بعد ولادهم وأصبر وَأَشد احْتِمَالا لما يعرض لَهُم وَكَذَلِكَ تكون الْعِنَايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أَشد فَإِن أَغْصَان الشَّجَرَة وفروعها مَا دَامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بهَا لَا تكَاد الرِّيَاح العواصف تزعزعها وَلَا تقتلعها فَإِذا فصلت عَنْهَا وغرست فِي مَوَاضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إِلَيْهَا بِأَدْنَى ريح تهب حَتَّى تقتلعها

  21. وَكَذَلِكَ الْجَنِين مَا دَامَ فِي الرَّحِم فَهُوَ يقوى ويصبر على مَا يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على مَا لَا يصبر على الْيَسِير مِنْهُ بعد وِلَادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وَكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنْهَا وَأثبت بعد قطعهَا مِنْهَا

    vol. 1, p. 288وَلما كَانَ مُفَارقَة كل مُعْتَاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الِانْتِقَال دفْعَة وَاحِدَة فالجنين عِنْد مُفَارقَته للرحم ينْتَقل عَمَّا قد أَلفه واعتاده فِي جَمِيع أَحْوَاله دفْعَة وَاحِدَة وَشدَّة ذَلِك الِانْتِقَال عَلَيْهِ أَكثر من شدَّة الِانْتِقَال بالتدريج

  22. وَلذَلِك قَالَ بقراط قد يعلم بِأَهْوَن سعي وأيسره أَن التَّدْبِير الرَّدِيء من الْمطعم وَالْمشْرَب إِذا كَانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أَمر وَاحِد يشبه بعضه بَعْضًا دَائِما فَهُوَ أوثق وأحرز وَأبْعد عَن الْخطر فِي التمَاس الصِّحَّة للأبدان من أَن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة وَاحِدَة إِلَى غذَاء أفضل مِنْهُ فالجنين ينْتَقل عَمَّا أَلفه واعتاده فِي غذائه وتنفسه ومداخله وَمَا يكتنفه وهلة وَاحِدَة

  23. وَهَذِه أول شدَّة يلقاها فِي الدُّنْيَا ثمَّ تتوافر عَلَيْهَا الشدائد حَتَّى يكون آخرهَا الشدَّة الْعُظْمَى الَّتِي لَا شدَّة فَوْقهَا أَو الرَّاحَة الْعُظْمَى الَّتِي لَا تَعب دونهَا وَلذَلِك لَا يبكي عِنْد وُرُود هَذِه الشدَّة عَلَيْهِ مَعَ مَا يلقاه من وكز الشَّيْطَان وطعنه فِي خاصرته

  24. فصل

  25. والجنين فِي الرَّحِم كَانَ يغتذي بِمَا يلائمه وَكَانَ يجتذب بالطبع الْمِقْدَار الَّذِي يلائمه من دم أمه وَبعد خُرُوجه يجتذب من اللَّبن مَا يلائمه أَيْضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مِقْدَار مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ كَون اللَّبن

    vol. 1, p. 289يكون رديئا ومعلولا كَمَا يكون صَحِيحا وَكَذَلِكَ يعرض لَهُ الْقَيْء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وَتعرض لَهُ الآلام والأوجاع والآفات الَّتِي لم تعرض لَهُ فِي الْبَطن وَقد كَانَ عَلَيْهِ من الأغشية والحجب مَا يمْنَع وُصُول الْأَذَى اليه فَلَمَّا ولد هيىء لَهُ أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها وَرُبمَا صحى للْحرّ وَالْبرد والهواء وَكَانَ يجتذبه من سرته وَهُوَ ألطف شَيْء معتدل صَحِيح قد يَصح قلب الْأُم وعروقها الضوارب فَهُوَ شَبيه بِمَا يجتذبه من هُوَ دَاخل الْحمام من الْهَوَاء اللَّطِيف المعتدل ثمَّ يخرج مِنْهُ وهلة وَاحِدَة عُريَانا إِلَى الْهَوَاء العاصف المؤذي

  26. وَبِالْجُمْلَةِ فقد انْتقل عَن مألوفه وَمَا اعتاده وهلة وَاحِدَة إِلَى مَا هُوَ أَشد عَلَيْهِ مِنْهُ وأصعب وَهَذَا من تَمام حِكْمَة الخلاق الْعَلِيم ليمرن عَبده على مُفَارقَة عوائده ومألوفاته إِلَى مَا هُوَ أفضل مِنْهَا وأنفع وأوفق لَهُ وَقد أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا بقوله {لتركبن طبقًا عَن طبق} الانشقاق ١٩ أَي حَالا بعد حَال فَأول أطباقة كَونه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ مولودا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطميا ثمَّ صَحِيحا أَو مَرِيضا غَنِيا أَو فَقِيرا معافى أَو مبتلى إِلَى جَمِيع أَحْوَال الْإِنْسَان الْمُخْتَلفَة عَلَيْهِ إِلَى أَن يَمُوت ثمَّ يبْعَث ثمَّ يُوقف بَين يَدي الله تَعَالَى ثمَّ يصير إِلَى الْجنَّة أَو النَّار فَالْمَعْنى لتركبن حَالا بعد حَال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أَمر

    vol. 1, p. 290قَالَ سعيد بن جُبَير وَابْن زيد لتكونن فِي الْآخِرَة بعد الأولى ولتصيرن أَغْنِيَاء بعد الْفقر وفقراء بعد الْغنى

  27. وَقَالَ عَطاء شدَّة بعد شدَّة والطبق والطبقة الْحَال وَلِهَذَا يُقَال كَانَ فلَان على طَبَقَات شَتَّى قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لقد كنت على طَبَقَات ثَلَاث أَي أَحْوَال ثَلَاث

  28. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي الطَّبَق الْحَال على اختلافها وَقد ذكرنَا بعض أطباق الْجَنِين فِي الْبَطن من حِين كَونه نُطْفَة إِلَى وَقت ولاده ثمَّ نذْكر أطباقه بعد وِلَادَته إِلَى آخرهَا فَنَقُول

  29. الْجَنِين فِي الرَّحِم بِمَنْزِلَة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة فِي اتصالها بمحلها اتِّصَالًا قَوِيا فَإِذا بلغت الْغَايَة لم يبْق إِلَّا انفصالها لثقلها وكمالها وَانْقِطَاع الْعُرُوق الممسكة لَهَا فَكَذَا الْجَنِين تنهك عَنهُ تِلْكَ الأغشية وتنفصل الْعُرُوق الَّتِي تمسكه بَين المشيمة وَالرحم وَتصير تِلْكَ الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وَثقله وانتهاك الْحجب وانفصال الْعُرُوق على الْخُرُوج فينفتح الرَّحِم انفتاحا عَظِيما جدا وَلَا بُد من انْفِصَال بعض المفاصل الْعَظِيمَة ثمَّ تلتئم فِي أسْرع زمَان وَقد اعْترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وَقَالُوا لَا يتم ذَلِك إِلَّا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول النَّاس عَن إِدْرَاك كيفيته فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ

    vol. 1, p. 291فَإِذا انْفَصل الْجَنِين بَكَى سَاعَة انْفِصَاله لسَبَب طبيعي وَهُوَ مُفَارقَة إلفه ومكانه الَّذِي كَانَ فِيهِ وَسبب مُنْفَصِل عَنهُ وَهُوَ طعن الشَّيْطَان فِي خاصرته فَإِذا انْفَصل وَتمّ انْفِصَاله مد يَده إِلَى فِيهِ فَإِذا تمّ لَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا تَجِد لَهُ أَمر آخر على نَحْو مَا كَانَ يَتَجَدَّد لَهُ وَهُوَ فِي الرَّحِم فيضحك عِنْد الْأَرْبَعين وَذَلِكَ أول مَا يعقل نَفسه فَإِذا تمّ لَهُ شَهْرَان رأى المنامات ثمَّ ينشأ مَعَه التَّمْيِيز وَالْعقل على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى سنّ التَّمْيِيز وَلَيْسَ لَهُ سنّ معِين بل من النَّاس مَا يُمَيّز لخمس كَمَا قَالَ مَحْمُود بن الرّبيع عقلت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مجة مجها فِي وَجْهي من دلو فِي بئرهم وَأَنا ابْن خمس سِنِين وَلذَلِك جعلت الْخمس سِنِين حدا لحدة سَماع الصَّبِي وَبَعْضهمْ يُمَيّز لأَقل مِنْهَا وَيذكر أمورا جرت لَهُ وَهُوَ دون الْخمس سِنِين وَقد ذكرنَا عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ اذكر يَوْم ولدتني أُمِّي فَإِنِّي خرجت من ظلمَة إِلَى ضوء ثمَّ صرت إِلَى ظلمَة فَسُئِلت أمه عَن ذَلِك فَقَالَت صدق لما انْفَصل مني لم يكن عِنْدِي مَا أَلفه بِهِ فَوضعت عَلَيْهِ قَصْعَة وَهَذَا من أعجب الإشياء وأندرها فَإِذا صَار لَهُ سبع سِنِين دخل فِي سنّ التَّمْيِيز وَأمر بِالصَّلَاةِ

  30. كَمَا فِي الْمسند وَالسّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ

    vol. 1, p. 292قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مروا أبناءكم بِالصَّلَاةِ لسبع سِنِين وأضربوهم عَلَيْهَا لعشر سِنِين وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع

  31. وَقد خير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْنة فطيما بَين أَبَوَيْهَا كَمَا روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث عبد الحميد بن جَعْفَر بن عبد الله بن رَافع بن سِنَان الْأنْصَارِيّ قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن جدي رَافع بن سِنَان أَنه أسلم فَأَبت امْرَأَته أَن تسلم فَأَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت ابْنَتي وَهِي فطيم أَو شبهه وَقَالَ نَافِع ابْنَتي فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقعد نَاحيَة وَقَالَ لَهَا اقعدي نَاحيَة فَأقْعدَ الصبية بَينهمَا ثمَّ قَالَ ادعواها فمالت إِلَى أمهَا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ اهدها فمالت إِلَى أَبِيهَا فَأَخذهَا وَلَا أحسن من هَذَا الحكم وَلَا أقرب إِلَى النّظر وَالْعدْل

  32. وَعند النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة عَن عبد الحميد بن جَعْفَر الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه أَن جده أسلم وأبت امْرَأَته أَن تسلم فجَاء بِابْن لَهُ صَغِير وَلم يبلغ فأجلس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَب هَاهُنَا وَالأُم هَا هُنَا ثمَّ خَيره وَقَالَ اللَّهُمَّ اهده فَذهب إِلَى أَبِيه

    vol. 1, p. 293وَفِي الْمسند من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه

  33. وَأما تقيد وَقت التَّخْيِير بِسبع فَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيث المرفوعة اعْتِبَاره وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ أثر عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة قَالَ عمَارَة الْجرْمِي خيرني عَليّ بَين أُمِّي وَعمي وَكنت ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين وَهَذَا لَا يدل على أَن من دون ذَلِك لَا يُخَيّر بل اتّفق أَن ذَلِك الْغُلَام الْمُخَير كَانَ سنه ذَلِك

  34. وَفِي السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن زَوجي يُرِيد أَن يذهب بِابْني وَقد سقاني من بِئْر أبي عنبة وَقد نَفَعَنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا أَبوك وَهَذِه أمك فَخذ بيدأيهما شِئْت فَأخذ بيد أمه فَانْطَلَقت بِهِ وَلم يسْأَل عَن سنه وَظَاهر أمره أَن غَايَة مَا وصل إِلَيْهِ أَنه سَقَاهَا من الْبِئْر فَلَيْسَ فِي أَحَادِيث التَّخْيِير مرفوعها وموقوفها تَقْيِيد بالسبع وَالَّذِي دلّت عَلَيْهِ أَنه مَتى ميز بَين أَبِيه وَأمه خير بَينهمَا وَالله أعلم

  35. وَكَذَلِكَ صِحَة إِسْلَامه لَا تتَوَقَّف على السَّبع بل مَتى عقل الْإِسْلَام

    vol. 1, p. 294وَوَصفه صَحَّ إِسْلَامه وَاشْترط الْخرقِيّ أَن يكون ابْن عشر سِنِين وَقد نَص أَحْمد على ذَلِك فِي الْوَصِيَّة فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة ابنيه صَالح وَعبد الله وَعَمه أبي طَالب وَإِسْحَاق بن ابراهيم وَأبي دَاوُد وَابْن مَنْصُور على اشْتِرَاط الْعشْر سِنِين لصِحَّة وَصيته وَقَالَ لَهُ أَبُو طَالب فَإِن كَانَ دون الْعشْرَة قَالَ لَا وَاحْتج فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن ابراهيم بِأَنَّهُ يضْرب على الصَّلَاة لعشر وَأما إِسْلَامه فَقَالَ فِي المغنى أَكثر المصححين لإسلامه لم يشترطوا الْعشْر وَلم يحدوا لَهُ حدا وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن أَحْمد لِأَن الْمَقْصُود حصل لَا حَاجَة الى زِيَادَة عَلَيْهِ

  36. وَرُوِيَ عَن أَحْمد إِذا كَانَ ابْن سبع سِنِين فإسلامه إِسْلَام لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لسبع فَدلَّ على أَن ذَلِك حد لأمرهم وَصِحَّة عباداتهم فَيكون حدا لصِحَّة إسْلَامهمْ

  37. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة إِذا أسلم وَهُوَ ابْن خمس سِنِين جعل إِسْلَامه إسلاما لِأَن عليا أسلم وَهُوَ ابْن خمس سِنِين وَقَالَ أَبُو أَيُّوب أُجِيز إِسْلَام ابْن ثَلَاث سِنِين من أصَاب الْحق من صغيرأو كَبِير أجزناه وَهَذَا لايكاد يعقل الْإِسْلَام وَلَا يدْرِي مَا يَقُول وَلَا يثبت لقَوْله حكم فَإِن وجد ذَلِك مِنْهُ ودلت أَقْوَاله وأفعاله على معرفَة الْإِسْلَام وعقاله إِيَّاه صَحَّ مِنْهُ كَغَيْرِهِ انْتهى كَلَامه فقد صرح الشَّيْخ بِصِحَّة إِسْلَام ابْن ثَلَاث سِنِين إِذا عقل الْإِسْلَام

    vol. 1, p. 295وَقد قَالَ الْمَيْمُونِيّ قلت لأبي عبد الله الْغُلَام يسلم وَهُوَ ابْن عشر سِنِين وَلم يبلغ الْحِنْث قَالَ أقبل إِسْلَامه قلت بِأَيّ شَيْء تحتج فِيهِ قَالَ أَنا أضربه على الصَّلَاة ابْن عشر وأفرق بَينهم فِي الْمضَاجِع وَقَالَ الْفضل بن زِيَادَة سَأَلت أَحْمد عَن الصَّبِي النَّصْرَانِي يسلم كَيفَ تصنع بِهِ قَالَ إِذا بلغ عشرا أجبرته على الْإِسْلَام لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ علمُوا أَوْلَادكُم الصَّلَاة لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر فَهَذِهِ رِوَايَة وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى يَصح إِسْلَام ابْن سبع سِنِين

  38. قَالَ أَبُو الْحَارِث قيل لأبي عبد الله إِن غُلَاما صَغِيرا أقرّ بِالْإِسْلَامِ وَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَصلى وَهُوَ صَغِير لم يدْرك ثمَّ رَجَعَ عَن الْإِسْلَام يجوز إِسْلَامه وَهُوَ صَغِير قَالَ نعم إِذا أَتَى لَهُ سبع سِنِين ثمَّ أسلم أجبر على الْإِسْلَام لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ علموهم الصَّلَاة لسبع فَكَانَ حكم الصَّلَاة قد وَجب إِذْ أَمر أَن يعلموهم الصَّلَاة لسبع وَقَالَ صَالح قَالَ أبي إِذا بلغ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ سبع سِنِين ثمَّ أسلم أجبر على الْإِسْلَام لِأَنَّهُ إِذا بلغ سبعا أَمر بِالصَّلَاةِ قلت وَإِن كَانَ ابْن سِتّ قَالَ لَا

  39. فصل

  40. فَإِذا صَار ابْن عشر ازْدَادَ قُوَّة وعقلا واحتمالا للعبادات فَيضْرب على ترك

    vol. 1, p. 296الصَّلَاة كَمَا أَمر بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا ضرب تَأْدِيب وتمرين وَعند بُلُوغ الْعشْر يَتَجَدَّد لَهُ حَال أُخْرَى يقوى فِيهَا تَمْيِيزه ومعرفته وَلذَلِك ذهب كثير من الْفُقَهَاء إِلَى وجوب الْإِيمَان عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَال وَأَنه يُعَاقب على تَركه وَهَذَا اخْتِيَار أبي الْخطاب وَغَيره وَهُوَ قَول قوي جدا وَإِن رفع عَنهُ قلم التَّكْلِيف بالفروع فَإِنَّهُ قد أعطي آلَة معرفَة الصَّانِع وَالْإِقْرَار بتوحيده وَصدق رسله وَتمكن من نظر مثله واستدلاله كَمَا هُوَ مُتَمَكن من فهم الْعُلُوم والصنائع ومصالح دُنْيَاهُ فَلَا عذر لَهُ فِي الْكفْر بِاللَّه وَرَسُوله مَعَ أَن أَدِلَّة الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله أظهر من كل علم وصناعة يتعلمها