الباب السابع عشر في أطوار ابن آدم من وقت كونه نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار

157 paragraphs · vol. 1, p. 245

Page 4 of 4

  1. وَقد قَالَ تَعَالَى {وأوحي إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذركم بِهِ وَمن بلغ} الْأَنْعَام ١٩ أَي وَمن بلغه الْقُرْآن فَكل من بلغه الْقُرْآن وَتمكن من فهمه فَهُوَ مُنْذر بِهِ وَالْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي امتحان الْأَطْفَال والمعتوهين والهالك فِي الفترة إِنَّمَا تدل على امتحان من لم يعقل الْإِسْلَام فَهَؤُلَاءِ يدلون بحجتهم أَنهم لم تبلغهم الدعْوَة وَلم يعقلوا الاسلام وَمن فهم دقائق الصناعات والعلوم لَا يُمكنهُ أَن يُدْلِي على الله بِهَذِهِ الْحجَّة وَعدم تَرْتِيب الْأَحْكَام عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا قبل الْبلُوغ لَا يدل على عدم ترتيبها عَلَيْهِم فِي الْآخِرَة وَهَذَا القَوْل هُوَ المحكي عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَهُوَ فِي غَايَة الْقُوَّة

    vol. 1, p. 297فصل

    vol. 1, p. 296
  2. ثمَّ بعد الْعشْر إِلَى سنّ الْبلُوغ يُسمى مراهقا ومناهزا للاحتلام فَإِذا بلغ خمس عشرَة سنة عرض لَهُ حَال آخر يحصل مَعَه الِاحْتِلَام ونبات الشّعْر الخشن حول الْقبل وَغلظ الصَّوْت وانفراق أرنبة أَنفه وَالَّذِي اعْتَبرهُ الشَّارِع من ذَلِك أَمْرَانِ الِاحْتِلَام والإنبات أما الِاحْتِلَام فَقَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات} ثمَّ قَالَ {وَإِذا بلغ الْأَطْفَال مِنْكُم الْحلم فليستأذنوا كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم} النُّور ٥٩

  3. وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث عَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ وَقَالَ لِمعَاذ خُذ من كل حالم دِينَارا رَوَاهُمَا أَحْمد وَأَبُو دَاوُد

  4. وَلَيْسَ لوقت الِاحْتِلَام سنّ مُعْتَاد بل من الصّبيان من يَحْتَلِم لِاثْنَتَيْ عشرَة سنة وَمِنْهُم من يَأْتِي عَلَيْهِ خمس عشرَة وست عشرَة سنة وَأكْثر من ذَلِك وَلَا يَحْتَلِم وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي السن الَّذِي يبلغ بِهِ مثل هَذَا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مَتى كمل خمس عشرَة سنة حكم

    vol. 1, p. 298بِبُلُوغِهِ ولأصحاب مَالك ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا سبع عشرَة وَالثَّانِي ثَمَانِي عشرَة وَالثَّالِث خمس عشرَة وَهُوَ المحكي عَن مَالك وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا سبع عشرَة وَالْأُخْرَى ثَمَانِي عشرَة وَالْجَارِيَة عِنْد سبع عشرَة

  5. وَقَالَ دَاوُد وَأَصْحَابه لَا حد لَهُ بِالسِّنِّ إِنَّمَا هُوَ الِاحْتِلَام وَهَذَا قَول قوي وَلَيْسَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي السن حد الْبَتَّةَ وَغَايَة مَا احْتج بِهِ من قَيده بِخمْس عشرَة سنة بِحَدِيث ابْن عمر حَيْثُ عرض على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقِتَال وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة فَلم يجزه ثمَّ عرض عَلَيْهِ وَهُوَ ابْن خمس عشرَة فَأَجَازَهُ وَهَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ مُتَّفقا على صِحَّته فَلَا دَلِيل فِيهِ على أَنه أجَازه لبلوغه بل لَعَلَّه استصغره أَولا وَلم يره مطيقا لِلْقِتَالِ فَلَمَّا كَانَ لَهُ خمس عشرَة سنة رَآهُ مطيقا لِلْقِتَالِ فَأَجَازَهُ وَلِهَذَا لم يسْأَله هَل احتملت أَو لم تحتلم وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا علق الْأَحْكَام بالاحتلام وَكَذَلِكَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يَأْتِ عَنهُ فِي السن حَدِيث وَاحِد سوى مَا حَكَاهُ ابْن عمر من إِجَازَته ورده وَلِهَذَا اضْطَرَبَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاء فِي السن الَّذِي يحكم ببلوغ الصَّبِي لَهُ وَقد نَص الإِمَام أَحْمد أَن الصَّبِي لَا يكون محرما للْمَرْأَة حَتَّى يَحْتَلِم فَاشْترط الِاحْتِلَام

    vol. 1, p. 299فصل

  6. وَأما الإنبات فَهُوَ نَبَات الشّعْر الخشن حول قبل الصَّبِي وَالْبِنْت وَلَا اعْتِبَار بالزغب الضَّعِيف وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَأحد قولي الشَّافِعِي وَقَالَ فِي الآخر هُوَ علم فِي حق الْكفَّار دون الْمُسلمين لِأَن أَوْلَاد الْمُسلمين يُمكن معرفَة بلوغهم بِالْبَيِّنَةِ وَقبُول قَول الْبَالِغ مِنْهُم بِخِلَاف الْكَافِر

  7. وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا اعْتِبَار بِهِ بِحَال كَمَا لَا يعْتَبر غلظ الصَّوْت وانفراق الْأنف وَاحْتج من جعله بلوغا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما حكم سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة فَحكم بِأَن تقتل مقاتلهتم وتسبى ذَرَارِيهمْ وَأمر بِأَن يكْشف عَن مؤتزرهم فَمن أنبت فَهُوَ من الْمُقَاتلَة وَمن لم ينْبت ألحق بالذرية قَالَ عَطِيَّة فشكوا فِي فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ينْظرُوا الي هَل أنبت بعد فنظروا فِي فَلم يجدوني أنبت فالحقوني بالذرية وَاسْتمرّ على هَذَا عمل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكتب عمر الى عَامله أَن لَا تَأْخُذ الْجِزْيَة الا مِمَّن جرت عَلَيْهِ الموسى وَذكر الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن علية عَن اسماعيل بن أُميَّة عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان أَن عمر رفع اليه غُلَام ابتهر جَارِيَة فِي شعره فَقَالَ انْظُرُوا اليه فَلم يُوجد أنبت فدرأ عَنهُ الْحَد

  8. قَالَ أَبُو عبيد والابتهار أَن يقذفها بِنَفسِهِ وَيَقُول فعلت بهَا كَاذِبًا وَذكر عَن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ أَنه أُتِي بِغُلَام قد سرق فَقَالَ

    vol. 1, p. 300انْظُرُوا الى مؤتزره فنظروا فَلم يجدوه أنبت الشّعْر فَلم يقطعهُ وَذكر عَن ابْن عمر اذا أصَاب الْغُلَام الْحَد فارتيب فِيهِ هَل احْتَلَمَ أم لَا فَانْظُر الى عانته وَفِي هَذَا بَيَان أَن الإنبات علم على الْبلُوغ وعَلى أَنه علم فِي حق أَوْلَاد الْمُسلمين وَالْكفَّار وعَلى أَنه يجوز النّظر الى عَورَة الْأَجْنَبِيّ للْحَاجة من معرفَة الْبلُوغ وَغَيره

  9. وَأما مَا ذكره بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يكْشف ويستدبره النَّاظر ويستقبلان جَمِيعًا الْمرْآة وَينظر اليها النَّاظر فَيرى الإنبات فشيء قَالَه من تِلْقَاء نَفسه لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أحد من الصَّحَابَة وَلَا اعْتَبرهُ أحد من الْأَئِمَّة قبله

  10. فصل

  11. فَإِذا تَيَقّن بُلُوغه جرى عَلَيْهِ قلم التَّكْلِيف وَثَبت لَهُ جَمِيع أَحْكَام الرجل ثمَّ يَأْخُذ فِي بُلُوغ الأشد قَالَ الزّجاج الأشد من نَحْو سبع عشرَة سنة الى نَحْو الْأَرْبَعين وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة عَطاء عَنهُ الأشد الْحلم وَهُوَ اخْتِيَار يحيى بن يعمر وَالسُّديّ وروى مُجَاهِد عَنهُ سِتا وَثَلَاثِينَ سنة وروى عَنهُ أَيْضا ثَلَاثِينَ وَقَالَ الضَّحَّاك عشْرين سنة وَقَالَ مقَاتل ثَمَان عشرَة وَقد أحكم الزُّهْرِيّ تحكيم اللَّفْظَة فَقَالَ بُلُوغ الأشد يكون من وَقت بُلُوغ الْإِنْسَان مبلغ الرِّجَال الى أَرْبَعِينَ

    vol. 1, p. 301سنة قَالَ فبلوغ الأشد مَحْصُور الأول مَحْصُور النِّهَايَة غير مَحْصُور مَا بَين ذَلِك فبلوغ الأشد مرتبَة بَين الْبلُوغ وَبَين الْأَرْبَعين وَمعنى اللَّفْظَة من الشدَّة وَهِي الْقُوَّة والجلادة والشديد الرجل الْقوي فالأشد الْقوي قَالَ الْفراء وَاحِدهَا شدَّة فِي الْقيَاس وَلم أسمع لَهَا بِوَاحِد

  12. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم وَاحِدهَا شدَّة كنعمة وأنعم وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة وَاحِدهَا شدَّة بِضَم الشين وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم هُوَ اسْم مُفْرد كالآنك وَلَيْسَ بِجمع حَكَاهُمَا ابْن الْأَنْبَارِي

  13. فصل

  14. ثمَّ بعد الْأَرْبَعين يَأْخُذ فِي النُّقْصَان وَضعف القوى على التدريج كَمَا أَخذ فِي زيادتها على التدريج قَالَ الله تَعَالَى {الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة ثمَّ جعل من بعد قُوَّة ضعفا وَشَيْبَة} الرّوم ٥٤ فقوته بَين ضعفين وحياته بَين موتين فَهُوَ أَولا نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا مَا دَامَ فِي الْبَطن فَإِذا خرج فَهُوَ وليد فَمَا لم يستتم سَبْعَة أَيَّام فَهُوَ صديغ بالغين الْمُعْجَمَة لِأَنَّهُ لم يشْتَد صُدْغه ثمَّ مَا دَامَ يرضع فَهُوَ رَضِيع فَإِذا قطع عَنهُ اللَّبن فَهُوَ فطيم فَإِذا دب ودرج فَهُوَ دارج قَالَ الراجز

    (يَا لَيْتَني قد زرت غير خَارج ... أم صبي قد حبا ودارج)

  15. فَإِذا بلغ طوله خَمْسَة أشبار فَهُوَ خماسي فَإِذا سَقَطت أَسْنَانه فَهُوَ مثغور وَقد ثفر فَإِذا نَبتَت بعد سُقُوطهَا فَهُوَ مثغر بِوَزْن مدكر بِالتَّاءِ والثاء مَعًا فَإِذا بلغ السَّبع وَمَا قاربها فَهُوَ مُمَيّز فَإِذا بلغ الْعشْر فَهُوَ مترعرع وناشئ فَإِذا قَارب الْحلم فَهُوَ يافع ومراهق ومناهز للحلم فَإِذا بلغ فَهُوَ بَالغ فَإِذا اجْتمعت قوته فَهُوَ حزور واسْمه فِي جَمِيع ذَلِك غُلَام مَا لم يخضر شَاربه فَإِذا اخضر شَاربه وَأخذ عذاره فِي الطُّلُوع فَهُوَ بَاقِل وَقد بقل وَجهه بِالتَّخْفِيفِ ثمَّ هُوَ مَا بَين ذَلِك وَبَين تَكَامل لحيته فَتى وشارخ بِحُصُول شرخ الشَّبَاب لَهُ

    vol. 1, p. 302
  16. قَالَ الْجَوْهَرِي الْفَتى الشَّاب والفتاة الشَّابَّة وَيُطلق الْفَتى على الْمَمْلُوك وَإِن كَانَ شَيخا كَبِيرا وَمِنْه الحَدِيث لَا يقل أحدكُم عَبدِي وَأمتِي وَليقل فَتَاي وَفَتَاتِي وَيُقَال الْفَتى على السخي الْكَرِيم فَإِذا اجْتمعت لحيته فَهُوَ شَاب إِلَى الْأَرْبَعين ثمَّ يَأْخُذ فِي الكهولة إِلَى السِّتين ثمَّ يَأْخُذ فِي الشيخوخة فَإِذا أَخذ شعره فِي الْبيَاض قيل شَاب فَإِذا ازْدَادَ قيل وخطه الشيب فَإِذا زَاد قيل شمط فَإِذا غلب شَيْبه فَهُوَ أغثم فَإِذا اشتعل رَأسه ولحيته شيبا فَهُوَ متقعوس فَإِذا انحط قواه فَهُوَ هرم فَإِذا تَغَيَّرت أَحْوَاله وَظهر نَقصه فقد رد إِلَى أرذل الْعُمر فالموت أقرب إِلَيْهِ من الْيَد إِلَى الْفَم

    vol. 1, p. 303فصل

  17. فَإِذا بلغ الْأَجَل الَّذِي قدر لَهُ واستوفاه جَاءَتْهُ رسل ربه عز وَجل ينقلونه من دَار الفناء إِلَى دَار الْبَقَاء فجلسوا مِنْهُ مد الْبَصَر ثمَّ دنا مِنْهُ الْملك الْمُوكل بِقَبض الْأَرْوَاح فاستدعى بِالروحِ فَإِن كَانَت روحا طيبَة قَالَ اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب اخْرُجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَتخرج من بدنه كَمَا تخرج القطرة من فِي السقاء فَإِذا أَخذهَا لم يَدعهَا الرُّسُل فِي يَدَيْهِ طرفَة عين فيحنطونها ويكفنونها بحنوط وكفن من الْجنَّة ثمَّ يصلونَ عَلَيْهَا وَيُوجد لَهَا كأطيب نفحة مسك وجدت على وَجه الأَرْض ثمَّ يصعد بهَا للعرض الأول على أسْرع الحاسبين فينتهي بهَا إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فيستأذن لَهَا فَيفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَيُصلي عَلَيْهَا ملائكتها ويشيعها مقربوها إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فيفعل بهَا كَذَلِك ثمَّ الثَّالِثَة ثمَّ الرَّابِعَة إِلَى أَن يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله عز وَجل فتحيي رَبهَا تبَارك وَتَعَالَى بِتَحِيَّة الربوبية اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَإِن شَاءَ الله أذن لَهَا بِالسُّجُود ثمَّ يخرج لَهَا التوقيع بِالْجنَّةِ فَيَقُول الرب جلّ جَلَاله اكتبوا كتاب عَبدِي فِي عليين ثمَّ أعيدوه إِلَى الأَرْض فَإِنِّي مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى ثمَّ ترجع روحه إِلَى الأَرْض فَتشهد غسله وتكفينه وَحمله وتجهيزه

    vol. 1, p. 304وَيَقُول قدموني قدموني فَإِذا وضع فِي لحده وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه دخلت الرّوح مَعَه حَتَّى إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ على الأَرْض فَأَتَاهُ حِينَئِذٍ فتانا الْقَبْر فيجلسانه ويسألانه من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك فَيَقُول رَبِّي الله وديني الْإِسْلَام ونبيي مُحَمَّد فيصدقانه ويبشرانه بِأَن هَذَا الَّذِي عَاشَ عَلَيْهِ وَمَات عَلَيْهِ وَعَلِيهِ يبْعَث

  18. ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَره ويفرش لَهُ خضر ويقيض لَهُ شَاب حسن الْوَجْه طيب الرَّائِحَة فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يَسُرك فَيَقُول من أَنْت فوجهك الْوَجْه يَجِيء بِالْخَيرِ فَيَقُول أَنا عَمَلك الصَّالح ثمَّ يفتح لَهُ طَاقَة إِلَى النَّار يُقَال أنظر مَا صرف الله عَنْك ثمَّ يفتح لَهُ طَاقَة إِلَى الْجنَّة وَيُقَال انْظُر مَا أعد الله لَك فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا

  19. وَأما النَّفس الْفَاجِرَة فبالضد من ذَلِك كُله إِذا أَذِنت بالرحيل نزل عَلَيْهَا مَلَائِكَة سود الْوُجُوه مَعَهم حنوط من نَار وكفن من نَار فجلسوا مِنْهُ مد الْبَصَر ثمَّ دنا الْملك الْمُوكل بِقَبض النُّفُوس فاستدعى بهَا وَقَالَ اخْرُجِي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث أبشر بحميم وغساق وَآخر من شكله أَزوَاج فيتطاير فِي بدنه فيجتذبها من أعماق الْبدن فتنقطع مَعهَا الْعُرُوق والعصب كَمَا ينتزع الشوك من الصُّوف المبلول فَإِذا أَخذهَا لم يَدعهَا فِي يَده طرفَة عين

    vol. 1, p. 305وَيُوجد لَهَا كأنتن رَائِحَة جيفة على وَجه الأَرْض فتحنط بذلك الحنوط وَتلف فِي ذَلِك الْكَفَن ويلعنها كل ملك بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ثمَّ يصعد بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَلَا يفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء ثمَّ يَجِيء النداء من رب الْعَالمين اكتبوا كِتَابه فِي سِجِّين وأعيدوه إِلَى الأَرْض فتطرح روحه طرحا فَتشهد بتجيهزه وتكفينه وَحمله وَتقول وَهِي على السرير يَا وَيْلَهَا إِلَى أَيْن تذهبون بهَا فَإِذا وضع فِي اللَّحْد أُعِيدَت إِلَيْهِ وجاءه الْملكَانِ فَسَأَلَاهُ عَن ربه وَدينه وَنبيه فيتلجلج وَيَقُول لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ دَريت وَلَا تليت ثمَّ يَضْرِبَانِهِ ضَرْبَة يَصِيح صَيْحَة يسمعهُ كل شَيْء إِلَّا الثقلَيْن ثمَّ يضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه ثمَّ يفرش لَهُ نَار وَيفتح لَهُ طَاقَة إِلَى الْجنَّة فَيُقَال انْظُر إِلَى مَا صرف الله عَنْك ثمَّ يفتح لَهُ طَاقَة الى النَّار فَيُقَال انْظُر الى مَقْعَدك من النَّار فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أَصمّ أبكم فَيَقُول من أَنْت فوجهك الْوَجْه يَجِيء بِالشَّرِّ فَيَقُول أَنا عَمَلك السيء

  20. ثمَّ ينعم الْمُؤمن فِي البرزخ على حسب أَعماله ويعذب الْفَاجِر فِيهِ على حسب أَعماله وَيخْتَص كل عُضْو بِعَذَاب يَلِيق بِجِنَايَة ذَلِك الْعُضْو فتقرض شفَاه المغتابين الَّذين يمزقون لُحُوم النَّاس ويقعون فِي أعراضهم بمقاريض من نَار وتسجر بطُون أَكلَة أَمْوَال الْيَتَامَى بالنَّار ويلقم أَكلَة الرِّبَا بِالْحِجَارَةِ

    vol. 1, p. 306ويسبحون فِي أَنهَار الدَّم كَمَا سبحوا فِي الْكسْب الْخَبيث وترض رُؤُوس النائمين عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة بِالْحجرِ الْعَظِيم ويشق شدق الْكذَّاب الكذبة الْعَظِيمَة بِكَلَالِيب الْحَدِيد قَفاهُ ومنخره الى قَفاهُ وعينه الى قَفاهُ كَمَا شقَّتْ كَذبته النواحي وَتعلق النِّسَاء الزوانى بثديهن وتحبس الزناة والزواني فِي التَّنور المحمى عَلَيْهِ فيعذب مَحل الْمعْصِيَة مِنْهُم وَهُوَ الأسافل

  21. وتسلط الهموم والغموم وَالْأَحْزَان والآلام النفسانيه على النُّفُوس البطالة الَّتِي كَانَت مشغونة باللهو واللعب والبطالة فتصنع الآلام فِي نُفُوسهم كَمَا يصنع الْهَوَام والديدان فِي لحومهم حَتَّى يَأْذَن الله سُبْحَانَهُ بِانْقِضَاء أجل الْعَالم وطي الدُّنْيَا فتمطر الأَرْض مَطَرا غليظا أَبيض كمني الرِّجَال أَرْبَعِينَ صباحا فينبتون من قُبُورهم كَمَا تنْبت الشَّجَرَة والعشب فَإِذا تكاملت الأجنة وأقربت الْأُم وَكَانَ وَقت الْولادَة أَمر الله سُبْحَانَهُ إسْرَافيل فَنفخ فِي الصُّور نفخة الْبَعْث وَهِي الثَّالِثَة وَقبلهَا نفخة الْمَوْت وَقبلهَا نفخة الْفَزع فتشققت الأَرْض عَنْهُم فَإِذا هم قيام ينظرُونَ يَقُول الْمُؤمن الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بعد مَا أماتنا واليه النشور

  22. وَيَقُول الْكَافِر {يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا هَذَا مَا وعد الرَّحْمَن وَصدق المُرْسَلُونَ} يس ٥٣ فيساقون الى الْمَحْشَر حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما مَعَ كل نفس سائق يَسُوقهَا وشهيد يشْهد عَلَيْهَا وهم بَين مسرور ومثبور وضاحك وَبَاكٍ

    vol. 1, p. 307وَبَاكٍ {وُجُوه يَوْمئِذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يَوْمئِذٍ عَلَيْهَا غبرة ترهقها قترة} حَتَّى إِذا تكاملت عدتهمْ وصاروا جَمِيعًا على وَجه الأَرْض تشققت السَّمَاء وانتثرت الْكَوَاكِب وَنزلت مَلَائِكَة السَّمَاء فأحاطت بهم ثمَّ نزلت مَلَائِكَة السَّمَاء الثَّانِيَة فأحاطت بملائكة السَّمَاء الدُّنْيَا ثمَّ كل سَمَاء كَذَلِك فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ جَاءَ رب الْعَالمين سُبْحَانَهُ لفصل الْقَضَاء فأشرقت الأَرْض بنوره وتميز المجرمون من الْمُؤمنِينَ وَنصب الْمِيزَان وأحضر الدِّيوَان واستدعي بالشهود وَشهِدت يَوْمئِذٍ الْأَيْدِي والألسن والأرجل والجلود وَلَا تزَال الْخُصُومَة بَين يَدي الله سُبْحَانَهُ حَتَّى يخْتَصم الرّوح والجسد فَيَقُول الْجَسَد إِنَّمَا كنت مَيتا لَا اعقل وَلَا أسمع وَلَا أبْصر وَأَنت كنت السميعة المبصرة الْعَاقِلَة وَكنت تصرفينني حَيْثُ أردْت فَتَقول فَتَقول الرّوح وَأَنت الَّذِي فعلت وباشرت الْمعْصِيَة وبطشت

  23. فَيُرْسل الله سُبْحَانَهُ اليهما ملكا يحكم بَينهمَا فَيَقُول مثلكما مثل بَصِير مقْعد وأعمى صَحِيح دخلا بستانا فَقَالَ المقعد أَنا أرى الثِّمَار وَلَا أَسْتَطِيع أَن أقوم اليها وَقَالَ الْأَعْمَى أَنا أَسْتَطِيع الْقيام وَلَكِن لَا أرى شَيْئا فَقَالَ لَهُ المقعد احملني حَتَّى أصل الى ذَلِك ففعلا فعلى من تكون الْعقُوبَة فَيَقُولَانِ عَلَيْهِمَا فَيَقُول فَكَذَلِك أَنْتُمَا

  24. فَيحكم الله سُبْحَانَهُ بَين عباده بحكمة الَّذِي يحمده عَلَيْهِ جَمِيع أهل السَّمَاوَات

    vol. 1, p. 308وَالْأَرْض وكل بر وَفَاجِر وَمُؤمن وَكَافِر {وَتوفى كل نفس مَا عملت} {فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره} ثمَّ يُنَادي مُنَاد لتتبع كل أمة مَا كَانَت تعبد

  25. فَيذْهب أهل الْأَوْثَان مَعَ أوثانهم وَأهل الصَّلِيب مَعَ صليبهم وكل مُشْرك مَعَ إلهه الَّذِي كَانَ يعبد لَا يَسْتَطِيع التَّخَلُّف عَنهُ فيتساقطون فِي النَّار

  26. وَيبقى الموحدون فَيُقَال لَهُم أَلا تنطلقون حَيْثُ انْطلق النَّاس فَيَقُولُونَ فارقنا النَّاس أحْوج مَا كُنَّا اليهم وَإِن لنا رَبًّا ننتظره فَيُقَال وَهل بَيْنكُم وَبَينه عَلامَة تعرفونه بهَا فَيَقُولُونَ نعم إِنَّه لَا مثل لَهُ فيتجلى لَهُم سُبْحَانَهُ فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعرفونه فبقول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا فَإِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ فيتجلى لَهُم فِي صورته الَّتِى رَأَوْهُ فِيهَا أول مرّة ضَاحِكا فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نعم أَنْت رَبنَا ويخرون لَهُ سجدا إِلَّا من كَانَ لَا يُصَلِّي فِي الدُّنْيَا أَو يُصَلِّي رِيَاء فَإِنَّهُ يُحَال بَينه وَبَين السُّجُود

  27. ثمَّ ينْطَلق سُبْحَانَهُ ويتبعونه وَيضْرب الجسر ويساق الْخلق اليه وَهُوَ دحض مزلة مظلم لَا يُمكن عبوره إِلَّا بِنور فَإِذا انْتَهوا اليه قسمت بَينهم الْأَنْوَار على حسب نور إِيمَانهم وإخلاصهم وأعمالهم فِي الدُّنْيَا فنور

    vol. 1, p. 309كَالشَّمْسِ وَنور كالنجم وَنور كالسراج فِي قوته وَضَعفه

  28. وَترسل الْأَمَانَة وَالرحم على جنبتي الصِّرَاط فَلَا يجوزه خائن وَلَا قَاطع رحم وَيخْتَلف مرورهم عَلَيْهِ بِحَسب اخْتِلَاف استقامتهم على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فِي الدُّنْيَا فمار كالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الْخَيل وساع وماش وزاحف وحاب حبوا

  29. وَينصب على جنبتيه كلاليب لَا يعلم قدر عظمها إِلَّا الله عز وَجل تعوق من علقت بِهِ عَن العبور على حسب مَا كَانَت تعوقه الدُّنْيَا عَن طَاعَة الله ومرضاته وعبوديته فناج مُسلم ومخدوش مُسلم ومقطع بِتِلْكَ الكلاليب ومكدوس فِي النَّار وَقد طفىء نور الْمُنَافِقين على الجسر أحْوج مَا كَانُوا اليه كَمَا طفىء فِي الدُّنْيَا من قُلُوبهم وأعطوا دون الْكفَّار نورا فِي الظَّاهِر كَمَا كَانَ إسْلَامهمْ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن فَيَقُولُونَ للْمُؤْمِنين قفوا لنا {نقتبس من نوركم} وَمَا نجوز بِهِ فَيَقُول الْمُؤْمِنُونَ وَالْمَلَائِكَة {ارْجعُوا وراءكم فالتمسوا نورا}

  30. قيل الْمَعْنى ارْجعُوا إِلَى الدُّنْيَا فَخُذُوا من الْإِيمَان نورا تجوزون بِهِ كَمَا فعل الْمُؤْمِنُونَ وَقيل ارْجعُوا وراءكم حَيْثُ قسمت الْأَنْوَار فالتمسوا هُنَاكَ نورا تجوزن بِهِ

  31. ثمَّ ضرب بَينهم وَبَين أهل الْإِيمَان بسور لَهُ بَاب بَاطِنه الَّذِي يَلِي الْمُؤمنِينَ

    vol. 1, p. 310{فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره} الَّذِي يليهم {من قبله الْعَذَاب ينادونهم ألم نَكُنْ مَعكُمْ قَالُوا بلَى وَلَكِنَّكُمْ فتنتم أَنفسكُم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الْأَمَانِي حَتَّى جَاءَ أَمر الله وغركم بِاللَّه الْغرُور فاليوم لَا يُؤْخَذ مِنْكُم فديَة وَلَا من الَّذين كفرُوا مأواكم النَّار هِيَ مولاكم وَبئسَ الْمصير} الْحَدِيد ١٥ - ١٣

  32. فَإِذا جَاوز الْمُؤْمِنُونَ الصِّرَاط وَلَا يجوزه إِلَّا مُؤمن أمنُوا من دُخُول النَّار فيحبسون هُنَاكَ على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار فيقتص لبَعْضهِم من بعض مظالم كَانَت بَينهم فِي دَار الدُّنْيَا حَتَّى إِذا هذبوا أذن لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة

  33. فَإِذا اسْتَقر أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة وَأهل النَّار فِي النَّار أَنِّي بِالْمَوْتِ فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة فيطلعون وجلين ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين فَيُقَال هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم وَكلهمْ قد عرفه فَيُقَال هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود وَلَا موت وَيَا أهل النَّار خُلُود وَلَا موت

  34. فَهَذَا آخر أَحْوَال هَذِه النُّطْفَة الَّتِي هِيَ مبدأ الْإِنْسَان وَمَا بَين هَذَا المبدإ وَهَذِه الْغَايَة أَحْوَال وأطباق قدر الْعَزِيز الْعَلِيم تنقل الْإِنْسَان فِيهَا وركوبة لَهَا طبقًا بعد طبق حَتَّى يصل إِلَى غَايَته من السَّعَادَة والشقاوة

  35. {قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره}

  36. ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره كلا لما يقْض مَا أمره) عبس ٢٣ - ١٧

    vol. 1, p. 311
  37. فنسأل الله الْعَظِيم أَن يجعلنا من الَّذين سبقت لَهُم مِنْهُ الْحسنى وَلَا يجعلنا من الَّذين غلبت عَلَيْهِم الشقاوة فخسروا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِنَّه سميع الدُّعَاء وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل آمين آمين آمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وصلواته على خير خلقه مُحَمَّد خَاتم النبين وعَلى آله وَصَحبه وَسلم أَجْمَعِينَ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم