مسألة - ١ - [التملك بالضمان]

1 paragraph · vol. 1, p. 215

  1. ذهب أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إلى أن المضمونات تملك بالضمان ويستند الملك فيها إلى وقت وجوب الضمان إذا كان المضمون مما يجوز تمليكه بالتراضي احترازا عن المدبر وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنها لا تملك بالضمان وأعلم أن الخلاف في هذا الأصل مبني على أصل آخر وهو البحث عن مقابل الضمان فالشافعي رضي الله عنه يدعي أنه في مقابلة فوات اليد وأبو حنيفة رضي الله عنه يدعي أنه في مقابلة عين المغصوب

    vol. 1, p. 216لأنه الذي وجب رده بالغصب فإذا تعذر رد العين وجب رد بدل العين وقرروا هذا بأن قالوا الواجب ضمان الجنس ومن غصب دراهم وبددها في حاجاته فالفائت على المالك الدراهم فيجب على الغاصب بدل الدراهم لا بدل الاستيلاء على الدراهم فإن الاستيلاء غير مقصود في نفسه وإنما المقصود من الاستيلاء عين المال وقالوا وإذا ثبت أن الضمان بدل عن العين فالجمع بين البدل والمبدل عنه في حق شخص واحد متناقض فكان من ضرورة ملك المالك الضمان زوال ملكه عن المضمون فوقع الملك بالمضمون سابقا عن ملك الضمان واقعا يقتضي له وان تقدم عليه وكما إذا قال اعتق عبدك عني فقال أعتقت فانه يتضمن ملكا سابقا على العتق ينبني عليه صحة العتق ثم يقع مقتضى له سابقا عليه فالحاصل أن التضمين يقتضي التمليك في البدلين جميعا ولكن بطريق الاقتضاء والضرورة والبيع يقتضي الملك بطريق التنصيص

    vol. 1, p. 217ولذلك افتقر البيع إلى الشرائط كالقدرة على التسليم وغيرها وهذا الملك لم يفتقر إليه لأنه وقع بمقتضى تملك البدل ضمنيا وما يحصل كذلك لا تعتبر فيه الشرائط قالوا وخرج على هذا المدبر فإن التمليك فيه ممتنع على ما عرف من أصلنا هذا غاية كلامهم ونحن نقول الضمان في مقابلة اليد لأنها هي الفائتة وملك العين قائم فإيجاب البدل عنه محال وإنما يجب الضمان بدلا عما فات ولم يفت إلا اليد فتملك الغاصب ولم يجر من المالك رضى ولا دعت إليه ضرورة محال ويتفرع عن هذين الأصلين مسائل منها أن الغاصب إذا ضمن قيمة المغصوب ثم ظهر المغصوب فهو لمالكه المغصوب منه يأخذه ويرد القيمة عندنا لأن الغاصب لم يملكه حتى إذا مات لم يكن عليه مؤونة تجهيزه ولو كان قريبة لم يعتق عليه

    vol. 1, p. 218وعندهم هو للغاصب لأنه ملكه بالضمان واستند ملكه إلى وقت وجوب الضمان ومنها إن الجناية التي توجب كمال القيمة في العبد بقطع يديه أو رجليه لا توجب الملك في الجثة عند الضمان عندنا وعندهم توجب بناء على أن كل القيمة بدل الكل فلا يجمع بين البدل والمبدل ما أمكن وعليه خرجوا المدبر إذا قطعت يداه فان التمليك فيه غير ممكن عندهم وكلامنا في هذه المسألة أظهر لأن المصير إلى مقابلة الواجب بالفائت بالجناية أظهر من مقابلة القيمة بالاستيلاء الفائت بالغصب ويعتضد هذا بقطع إحدى اليدين فانه لايوجب الملك في النصف

    vol. 1, p. 219ومنها إذا غصب حنطة فطحنها أو ثوبا فخاطه أو شاة فذبحها وشواها أو غصنا فغرسه فصار شجرة أو نحاسا أو رصاصا فأتخذ منها آنية غرم أرش النقصان إن كان وصفه قائما في العين عندنا وعندهم يغرم قيمة المأخوذ ويملك العين فان الضمان في مقابلة العين وقد تبدلت العين فإن مالية الحنطة غير مالية الدقيق من حيث إنهما مفترقان اسما وصورة ومعنى فان الحنطة متهيئة لأغراض كالبذر والقلي والهرس والطحن وهي قابلة للادخار وهذه المعاني بأسرها تطلب قالوا فنضمنه قيمة الحنطة ومنها أن القطع والضمان لا يجتمعان عندهم لأنه لو ضمن لملك المسروق واستند ملكه إلى وقت الأخذ فيحصل القطع في ملك

    vol. 1, p. 220نفسه وذلك لا يجوز وعندنا يجتمعان لتعدد السبب وعدم إسناد الضمان ثم يلحق بهذا الأصل مسائل منها أن المسروق منه إذا وهب المسروق من السارق بعد المرافعة لا يسقط عنه القطع عندنا وعندهم يسقط لأنه ملكها بالهبة وأسند ملكه إلى وقت فلو قطع لقطع في ملك نفسه قالوا والملك ههنا وإن حصل بعقد هبة لا بفعل سرقة غير أن العارض فيما يدرأ بالشبهات كالموجود ابتداء ومنها أن الأب إذا استولد جارية ابنه يلزمه المهر والقيمة عندنا وعندهم لا يلزمه القيمة لأنه لو ضمن القيمة استند ملكه إلى

    vol. 1, p. 221ابتداء الوطء فصار واطئا ملك نفسه فلا يلزمه القيمة بخلاف الجارية المشتركة لأنه هناك ضمن باستحداث الملك لا بالوطء لأن الوطء تصرف والتصرف في الجارية المشتركة لا يوجب الضمان كالاستخدام وإن كان لا يحل كما لو وطئ جاريته وهي حائض ومنها أن الحد والمهر يجتمعان عندنا فيمن زنا بجارية الغير لأنه لا يملك الجارية بالضمان وعندهم لا يجتمعان لأنه لو وجب المهر في ذلك لملك الواطئ منفعة البضع فلو وجب الحد وجب في وطء جارية نفسه وهذا مما لا يجوز ومنها إذا استكره الرجل امرأة حرة على الزنا وجب عليه الحد والمهر عندنا وعندهم لا يجب المهر لما ذكرناه

    vol. 1, p. 215