مسألة - ٦ - [التمسك بالمصالح]
2 paragraphs · vol. 1, p. 320
- vol. 1, p. 320
ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن التمسك بالمصالح المستندة إلى كلي الشرع وان لم تكن مستندة إلى الجزئيات الخاصة المعينة جائز مثال ذلك ما ثبت وتقرر من إجماع الأمة إن العمل القليل لا يبطل الصلاة والعمل الكثير يبطلها قال الشافعي رضي الله عنه حد العمل الكثير ما إذا فعله المصلي اعتقده الناظر إليه متحللا عن الصلاة وخارجا عنها كما لو اشتغل بالخياطة والكتابة وغير ذلك والعمل القليل ما لا يعتقد الناظر مرتكبه خارجا عن الصلاة كتسوية ردائه ومسح شعره وليس لهذا التقدير أصل خاص يستند إليه وإنما استند إلى أصل كلي وهو أنه قد تقرر في كليات الشرع أن الصلاة مشروعة للخشوع
vol. 1, p. 321والخضوع فما دام الإنسان على هيئة الخشوع يعد مصليا وإذا انخرم ذلك لا يعد مصليا وقتل الجماعة بالواحد من هذا القبيل عند الشافعي رضي الله عنه فإنه عدوان وحيف في صورته من حيث إن الله تعالى قيد الجزاء بالمثل فقال ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ثم عدل أهل الإجماع عن الأصل المتفق عليه لحكمة كلية ومصلحة معقولة وذاك أن المماثلة لو روعيت ههنا لأفضى الأمر إلى سفك الدماء المفضي إلى الفناء إذ الغالب وقوع القتل بصفة الشركة فإن الواحد يقاوم الواحد غالبا
vol. 1, p. 322فعند ذلك يصير الحيف في هذا القتل عدلا عند ملاحظة العدل المتوقع منه والعدل فيه جور عند النظر إلى الجور المتوقع منه فقلنا بوجوب القتل دفعا لأعظم الظلمين بأيسرهما وهذه مصلحة لم يشهد لها أصل معين في الشرع ولا دل عليها نص كتاب ولا سنة بل هي مستندة إلى كلي الشرع وهو حفظ قانونه في حقن الدماء مبالغة في حسم مواد القتل واستبقاء جنس الإنس واحتج في ذلك بأن الوقائع الجزئية لا نهاية لها وكذلك أحكام الوقائع لا حصر لها والأصول الجزئية التي تقتبس منها المعاني والعلل محصورة متناهية المتناهي لا يفي بغير المتناهي فلا بد إذا من طريق آخر يتوصل بها إلى إثبات الأحكام الجزئية وهي التمسك بالمصالح المستندة إلى أوضاع الشرع ومقاصده على نحو كلي وإن لم يستند إلى أصل جزئي
- vol. 1, p. 324
واحتجوا في ذلك بأن الأصل أن لا يعمل بالظن لما فيه من خطر فوات الحق إذ الإنسان قد يظن الشيء مفسدة وهو مصلحة وقد يظنه مصلحة وهو مفسدة غير أنا صرنا إلى العمل به عند الاستناد إلى أصل خاص وهو الإجماع وبقينا فيما عدا ذلك على مقتضى الأصل فتفرع عن هذا الأصل أن القتل بالمثقل يوجب القصاص عند الشافعي رضي الله عنه فإنه باب لو فتح لأتخذ طريقا إلى سفك الدماء وقد رأينا الشرع قتل الألف بواحد حسما لمواد القتل فوجب أن يقتل بالمثقل
vol. 1, p. 325حسما لمواد القتل ولهذه الحكمة وجب القصاص على المكره المتسبب في القتل فجعل الشافعي رضي الله عنه قتل الجماعة بالواحد أصلا ثم ألحق به المثقل ثم ألحق به المكره على القتل ثم تدرج من الإكراه إلى شهود القصاص كل ذلك مبالغة في حقن الدماء