مسألة في بيان حقيقة السبب
2 paragraphs · vol. 1, p. 351
- vol. 1, p. 351
مسألة في بيان حقيقة السبب إعلم إن السبب في وضع اللسان عبارة عما يتوصل به إلى مقصود كالطريق الموصل إلى المكان المقصود والحبل الذي به ينزح الماء فإن الوصول إلى المكان المقصود بالسير لا بالطريق لكن لا بد من الطريق ونزح الماء بالاستقاء لا بالحبل لكن لا بد من الاحبل وأسباب السموات طراقئها قال الشاعر:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو نال أسباب السماء بسلم
-
وحده ما يحصل الشيء عنده لا به وبه يفارق العلة فإن العلة ما يحصل الشيء بها وهما في أيجاب الحكم سواء غير أن العلة ما اقتضت الحكم من
vol. 1, p. 352غير واسطة ولا شرط يتوقف الحكم على وجوده كقول القائل أنت طالق فإنه يستعقب الطلاق من غير توقف على شرط فسمى علة وأما السبب فما أفضى إلى الحكم بواسطة أو وسائط كقوله إذا دخلت الدار فأنت طالق سمي سببا لتوقف الحكم على واسطة دخول الدار وإذا عرفت ذلك فأعلم أن الوسائط بين الأسباب والأحكام منقسمة إلى مستقلة والى غير مستقلة فمهما كانت الواسطة مستقلة أضيف الحكم أليها دون السبب لكونها أقرب السببين مثاله البيع والهبة والإرث والوصية فإنها أسباب موضوعة للملك ثم التصرفات المقصودة من الأعيان تستفاد بالملك لا بهذه الأسباب لأن الملك واسطة مستقلة تصلح لإضافة الحكم إليها فأما إذا كانت الواسطة غير مستقلة أما لعدم مناسبتها أو لخفائها فإن الحكم يضاف إلى السبب الأول دون الواسطة كمن رمى
vol. 1, p. 353إلى إنسان فأصابه فقتله فان القتل يحال على السبب الأول وهو الرمي ولا يحال على الوسائط من خروج السلم وقطع الهواء لأن هذه الوسائط غير صالحة فلا يضاف الحكم إليها ولذا إذا كان الوصف القريب خفيا والبعيد جليا كالحدث مع النوم والمشقة مع السفر فإن الحكم مضاف إلى البعيد الذي ليس بمقصود لعسر الوقوف على القريب المقصود والقول الجامع من هذا الجنس أنه مهما اجتمع في محل الحكم وصفان ظاهران متعاقبان يصلح كل واحد منهما لإضافة الحكم إليه على تقدير الانفراد فإن الحكم أبدا يضاف إلى الوصف القريب دون البعيد فإن الوصف القريب حينئذ يكون هو علة الحكم والوصف البعيد هو علة العلة والحكم يضاف إلى العلة دون علة العلة ومثاله حفر البئر مع التردية والتلقي بالسيف مع الرمي من شاهق والقطع مع الحز ونصب حجر في محل عدوان مع حفر البئر إذا تعثر بالحجر فوقع في البئر وهذه الجملة لا نزاع فيها وإنما يقع النزاع بعدها في تحقيق
vol. 1, p. 354الواسطة المستقلة وعدمها في المسائل إما في مناسبتها أو في ظهورها وصلا حيتها لإضافة الحكم إليها ويتفرع عن هذا الأصل مسألتان إحداهما إذا أشترى أباه بنيه بالتكفير لا يقع عتقه عن كفارته عند الشافعي رضي الله عنه لأن الواجب عليه التحرير والتحرير هو إيجاد سبب الحرية والحرية ههنا تحصل قهرا وسببها القرابة السابقة الواسطة المتحللة وهي الشراء لا تصلح سببا بل هو شرط ممهد لمحل المعتق وهو الملك والمحال من قبيل الشرط كالجنسية مع الطعم والإحصان مع الزنا فاقترنت نية الكفارة بشرط التحرير دون سببه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يقع عن كفارته لأن الشراء سبب للملك والملك سببا للعتق بواسطة الملك مضافا إلى الشراء فكان الشراء هو السبب الموجب للعتق لحدوث العتق عقيبه والقرابة شرطا
vol. 1, p. 355الثانية أن البهيمة إذا صالت على إنسان فقتلها دفعا عن نفسه لم يضمنها عند الشافعي رضي الله عنه لأن السبب الداعي إلى قتلها صيالها فهي قتيلة نفسها فلا يجب الدافع ضمانها وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجب ضمانها لأن الداعي إلى قتلها خوفه على نفسه ووجوده وإن كنا نعلم أن السبب المولد لذلك الخوف هو الصيال غير أن الخوف لما كان واسطة مستقلة بإيجاب الضمان كما في حق المضطر أضيف الحكم إليه دون السبب الأول والله أعلم