مسألة - ٤ - [التصرفات الحسية]
1 paragraph · vol. 1, p. 168
- vol. 1, p. 168
زعم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه أن التصرفات الحسية تنقسم إلى صحيحة ومشروعة وباطلة وممنوعة وفاسدة ومشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها وعنوا بالصحيح ما يفيد حكمه الموضوع له وبالباطل ما لا يفيد حكمه الموضوع له وبالفاسد ما يفيد حكمه من وجه دون وجه وذهب أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى إنكار القسم الثالث ولم يفرقوا بين الفاسد والباطل وأعلم أن هذا أصل عظم اختلاف الفئتين وطال فيه نظر الفريقين وهو على التحقيق نزاع لفظي ومراء جدلي فان مراد القوم من هذا التقسيم أن التصرفات تنقسم إلى ما نهى الشرع عنها لمعنى يرجع إلى ذاتها بسبب اختلاف ركن من أركانها كبيع الحر
vol. 1, p. 169والميتة والدم إلى ما نهي عنه لا لذاته بل لأمر يرجع إلى شروطها وتوابعها وأوصافها وأمور تقارنها كالبيع إلى أجل مجهول والبيع بالخمر والخنزير ونظائرها فإن الأول معلوم البطلان بدلالة قاطعة والثاني مظنون البطلان بدلالة ظنية اجتهادية ولهذا أختلف الصحابة رضي الله عنهم فيه وبدل على الفرق بينهما أن الأول لا يسوغ فيه الاجتهاد لو حكم الحاكم بنفاذه لم ينفذ حكمه والثاني يسوغ فيه الاجتهاد حتى لو قضى قاض بجوازه نفذ حكمه وصح وإن لم يكن صحيحا من قبل الحاكم فخص أبو حنيفة رضي الله عنه أسم الباطل بما ثبت إلغائه شرعا بدلالة قاطعة واسم الفاسد بما ثبت إلغاؤه بدلالة ظنية وهذا كمصيرهم إلى الفرق بين الواجب والفرض وقولهم أن الفرض ما ثبت بدلالة قاطعة والواجب ما ثبت بدلالة ظنية فإنا نساعدهم على الانقسام المعنوي وأن نازعناهم في العبارة وقد نص الشافعي رضي الله عنه على جنس هذا التصرف فانه قال في غير موضع إن كان النهي لأمر يرجع إلى عين المنهي عنه دل على فساده وان كان لأمر يرجع إلى غيره لا يدل على فساده فالتفرقة بين القسمين متفق عليها وإنما يرجع النزاع إلى أن فساد الوصف المقارن هل يلحق
vol. 1, p. 170بفساد الأصل في سائر أحكامه وآثاره أم لا فالشافعي رضي الله عنه ألحق فساد الوصف بفساد الأصل وأبو حنيفة رضي الله عنه فرق بينهما وعند هذا لا بد من التنبيه لدقيقة وهي أن الوصف المقارن للتصرف قد يكون مجاورا له غير لازم لذات كالبيع في وقت النداء وحيث الحق الشافعي رضي الله عنه فساد الوصف بفساد الأصل إنما أراد به القسم الأول دون الثاني ويفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن البيع الفاسد لا ينعقد عندنا ولا يفيد الملك أصلا وعندهم ينعقد ويفيد الملك إذ أتصل به القبض وصورته ما إذا باع درهما بدرهمين أو شرط أجلا مجهولا أو خيارا زائدا أو الشرط أن لا يسلم أو باع بخمر أو خنزير وإن كل ذلك فاسد ليس
vol. 1, p. 171بباطل حتى يترتب الملك عليه عند جواز القبض ومنها أن الإجارة الفاسدة لا تفيد ملك المنافع عندنا وعندهم تنعقد وتملك المنافع بحكم العقد ومنها أن بيع المكره وإجارته لا ينعقدان عندنا وعندهم ينعقد ويتوقف نفوذه على الرضى ويلحق هذا الأصل قولنا إن العاصي بسفر لا يترخص ترخص المسافرين عندنا لكون السفر ممنوعا عنه وعندهم يترخص لأن الممنوع وصفه دون أصله