مسألة - ٥ - [الاستصحاب]
1 paragraph · vol. 1, p. 172
- vol. 1, p. 172
الاستدلال بعدم الدليل على نفي الحكم أو بقاء ما هو ثابت بالدليل وهو الملقب بالاستصحاب حجة على الخصم عند أصحاب الشافعي رضي الله عنه واحتجوا في ذلك بان جاحدي الرسل ونفاة النبوات لا يكلفون دليلا على النفي بل إقامة الدليل على صحة النبوة على الأنبياء ولو لم يكن عدم الدليل حجة للنافي لطولبوا بالدليل وكذلك قوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ فإنه احتجاج بعدم الدليل ولأن النافي متمسك بالعدم والعدم غير محتاج إلى الدليل فينعدم الحكم لعدم دليله
vol. 1, p. 173وذهبت الحنفية إلى أنه ليس بحجة على الخصم مطلقا واحتجوا في ذلك بأن حاصل الاستدلال بعدم الدليل آيل إلى الجهل بالدليل إذ لا سبيل لأحد من البشر على حصر الدلائل أجمع بل يجوز أن يعلم انسان دليلا يجهله غيره لتفاوت الناس في العلم فكان المتعلق بعدم الدليل متعلقا بالجهل والجهل لا يكون حجة على أحد بل يكون عذرا له في الامتناع عن الحكم ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الصلح على الإنكار باطل عند الشافعي رضي الله عنه لأن الله تعالى خلق الذمم برية عن الحقوق فثبت براءة ذمة المنكر بخلق الله عز وجل ولم يقم الدليل على شغل ذمته فلا يجوز شغلها بالدين فلا يصح الصلح
vol. 1, p. 174وعندهم يصح لأن عدم الدليل ليس بحجة لإبقاء ما ثبت بالدليل فيجوز شغل ذمته بالدين فيصح الصلح ومنها أن الكلب المعلم إذا أكل من فريسته مرة واحدة لم تحرم تلك الفريسة على أحد القولين عندنا ولم يحرم ما مضى من فريسته قولا واحدا استصحابا للحل الثابت قبل الأكل فإنه ثابت يقينا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يحرم الجميع فإن علمه أمر خفي لا يطلع عليه فيعتبر السبب الظاهر المظهر له وهو الإمتناع عن الأكل إذ به ظهر العلم فالإقدام على الأكل يظهر ضده وهو الجهل فأنه السبب الظاهر المظهر له ومنها أنه لا يقضى على الناكل بمجرد نكوله بل يعرض اليمين
vol. 1, p. 175على المدعي عندنا لأن الأصل أن لا يحكم إلا بما يعلم أو يظن ظنا يقارب العلم فإذا أعوز بقينا على النفي استصحابا للبراءة الأصلية وعندهم يقضى به تنزيلا للامتناع عن الحجة مقام نفس الحجة بناء على القرائن المطرحة شرعا في إثبات الحقوق ونفيها ومنها إذا تداعى رجلان دارا في يد ثالث وأقام كل واحد منهما بينة على أن الملك في جميع الدار له تعارضت البينتان وتساقطتا وصار كان لا بينة عندنا وتقر الدار بيد الثالث تمسكا بالاستصحاب وقال أبو حنيفة رضي الله عنه تستعمل البينتان وتقسم بينهما ومنها أن التدبير المطلق لا يمنع البيع عندنا لأن البيع
vol. 1, p. 176كان جائزا قبل التدبير ولا معنى للتدبير إلا تعلق عتق بالموت فهو كقوله إن مت في مرضي هذا فأنت حر وعندهم يمنع لأنه استحقاق عتق بعد الموت فأشبه الاستيلاء ومنها إن أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه من العبد المشترك وكان المعتق معسرا عتق نصيبه وبقي الباقي على ملك مالكه كما كان ولا يستسعى العبد في أداء قيمة باقية عند الشافعي رضي الله عنه لأنه لم يتحقق منه صنيع يستدعي وجوب الضمان عليه ووجوب القيمة فما إذا كان الشريك المعتق موسرا ثبت نصا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يستسعى العبد في أداء قيمة باقية لأن الإعتاق لا يتجزأ وقد احتبس حق الشريك عنده فتجب عليه السعاية وإن لم يوجد منه صنيع كالثوب إذا وقع في صبغ
vol. 1, p. 177إنسان فانصبغ به فانه يجب على رب الثوب ضمان الصبغ لاحتباس ملكه عنده وان لم يوجد منه جناية ومنها أن الدية لا تكمل في الشعور الخمس عندنا وهي شعر الرأس واللحية والحاجبين والأهداب والشاربين بل حكومة عدل لن الأصل أن لا يجب كمال الدية بإتلاف البعض غير أن الشرع علق كل الدية بإتلاف الطرف لأنه تفويت منفعة الجنس فيصير الشخص كالهالك في حق ملك المنفعة والشعور ليست من هذا القبيل فبقي على الأصل وهو امتناع كمال الدية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه في كل واحد منها دية كاملة
vol. 1, p. 178إذا فسد المنبت لأنه فات به الجمال على الكمال فيجب فيه دية كاملة كما في الأذن ومارن الأنف