قوله فصل
73 paragraphs · vol. 1, p. 3250
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 3250
[يجوز تَعْلِيل حكم بعلل كل صُورَة بعلة اتِّفَاقًا، وَفِي صُورَة وَاحِدَة بعلتين، أَو علل مُسْتَقلَّة عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر ويقتضيه كَلَام أَحْمد، وَقيل فِي التَّعَاقُب، وَمنعه بعض الْمَالِكِيَّة والأشعرية مُطلقًا، وَابْن فورك، وَالْغَزالِيّ، والرازي فِي المستنبطة، وَقيل عسكه، وَأَبُو الْمَعَالِي شرعا مُطلقًا] .
-
الْمُعَلل بالعلل المتعددة لَا يَخْلُو: إِمَّا أَن يكون وَاحِدًا بالنوع أَو وَاحِدًا بالشخص.
-
فالواحد بالنوع يجوز تعدد علله بِحَسب تعدد أشخاصه بِلَا خوف كتعليل قتل زيد بردته، وَقتل عَمْرو بِالْقصاصِ، وَقتل بكر بِالزِّنَا، وَقتل خَالِد / بترك الصَّلَاة.
-
وَأما الْوَاحِد بالشخص فَلَا خلاف فِي امْتنَاع تعدد الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنى تَأْثِير كل وَاحِد، والمؤثرات على أثر وَاحِد محَال كَمَا قرر فِي مَحَله
vol. 1, p. 3251وَأما الْعِلَل الشَّرْعِيَّة فَهِيَ مَحل الْخلاف، وَالصَّحِيح فِيهَا من الْمذَاهب الْجَوَاز والوقوع كتحريم وَطْء الْحَائِض الْمُعْتَدَّة الْمُحرمَة، وكالحدث لخُرُوج من فرج، وَزَوَال عقل، وَمَسّ فرج، ولمس أُنْثَى، فَإِن كل وَاحِد من المتعددين الْمَذْكُورين يثبت الحكم مُسْتقِلّا.
-
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك؛ لِأَن الْعلَّة الشَّرْعِيَّة بِمَعْنى الْمُعَرّف كَمَا تقدم، وَلَا يمْتَنع تعدد الْمُعَرّف؛ لِأَن من شَأْن كل وَاحِد أَن يعرف، لَا الَّذِي وجد بِهِ التَّعْرِيف حَتَّى تكون الْوَاحِدَة إِذا عرفت فَلَا تعرف الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَهَذَا قَول أَصْحَابنَا.
قَالَ بَعضهم: ويقتضيه كَلَام أَحْمد فِي خِنْزِير ميت وَغَيره، وَذكره ابْن عقيل عَن جُمْهُور الْفُقَهَاء والأصوليين.
-
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه غير جَائِز، فبالضرورة يكون غير وَاقع، وَأَن مَا ذكرُوا من الْوُقُوع يعود إِلَى الْقسم الأول وَهُوَ أَن الْمُعَلل بهَا وَاحِد بالنوع، وَأما الشَّخْص فمتعذر.
- vol. 1, p. 3252
فالقتل بِأَسْبَاب أشخاص: الْقَتْل مُتعَدِّدَة وَالنَّوْع وَاحِد فِي الْمحل الْوَاحِد، فَأَما الْقَتْل فِي صُورَة وَاحِدَة: محَال تعدده إِذْ هُوَ إزهاق الرّوح، وَكَذَلِكَ أَسبَاب الْحَدث إِنَّمَا هِيَ أَحْدَاث فِي مَحل لَا حدث وَاحِد.
-
مثل: لَو ارتضعت صَغِيرَة بِلَبن زَوْجَة أَخِيك، وبلبن أختك، كَانَت مُحرمَة عَلَيْك لكونك خالها وعمها، وَلَا يُقَال فِيهِ تحريمان تَحْرِيم الْعم وَتَحْرِيم الْخَال، فَهَذَا يزِيل مَا تعلقوا فِيهِ من الشُّبْهَة.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَفِيه نظر، فقد يُقَال فِيهِ بذلك بِحَسب التَّقْدِير، إِذْ لَا مَانع من ذَلِك.
-
[وَبِهَذَا] القَوْل قَالَ الباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، من تابعهما، والآمدي، وَابْن برهَان، ومتقدمو الْمَالِكِيَّة.
- vol. 1, p. 3253
القَوْل الثَّالِث: إِن ذَلِك جَائِز فِي الْعلَّة المنصوصة دون المستنبطة؛ لِأَن المنصوصة دلّ الشَّرْع على تعددها فَكَانَت أَمَارَات / وَأما المستنبطة فَمَا فَائِدَة استخراجها عِلّة؟ إِلَّا أَنه لَا عِلّة غَيرهَا تتخيل.
-
وَجَوَابه: أَنَّهَا إِذا كَانَت أَمَارَات فاستنبطت مُتعَدِّدَة فَلَا فرق.
-
وَهَذَا قَول الشَّيْخ موفق الدّين فِي " الرَّوْضَة " ، وَالْغَزالِيّ، وَابْن فورك، والرازي، وَأَتْبَاعه.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: والأستاذ.
قَالَ ابْن الْحَاجِب: القَوْل الرَّابِع: أَن ذَلِك جَائِز فِي الْعلَّة المستنبطة دون المنصوصة عكس الَّذِي قبله، ذكره ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره " ، وَلم يذكرهُ فِي " جمع الْجَوَامِع " .
-
القَوْل الْخَامِس: إِن المتعدد جَائِز عقلا وممتنع شرعا، على معنى أَنه لم يَقع فِي الشَّرْع لَا على معنى أَن الشَّرْع دلّ على مَنعه.
- vol. 1, p. 3254
نَقله ابْن الْحَاجِب عَن أبي الْمَعَالِي وَنقل الْآمِدِيّ عَنهُ خلاف ذَلِك.
-
لَكِن الْهِنْدِيّ قَالَ: إِن هَذَا هُوَ الْأَشْهر فِي النَّقْل عَنهُ، قيل: وَهُوَ الصَّحِيح فَإِن عِبَارَته فِي " الْبُرْهَان " : لَيْسَ مُمْتَنعا عقلا وتسويغا ونظرا إِلَى الْمصَالح الْكُلية، لكنه مُمْتَنع شرعا، وَقَوْلنَا: مُطلقًا، أَي: فِي المنصوصة والمستنبطة.
-
القَوْل السَّادِس: جَوَاز التَّعْلِيل بعلتين متعاقبتين، أَي: إِحْدَاهمَا فِي وَقت وَالْأُخْرَى فِي وَقت آخر، وَلَا يجوز التَّعْلِيل بهما فِي حَالَة وَاحِدَة.
-
وأدخلنا هَذَا القَوْل فِي مَحل الْخلاف تبعا ل " جمع الْجَوَامِع " .
-
وَفِي ذَلِك رد على ابْن الْحَاجِب حَيْثُ اقْتضى كَلَامه: أَن مَحل الْخلاف فِي حَال الْمَعِيَّة، وَأَنه يجوز مَعَ التَّعَاقُب قطعا، قَالَه ابْن الْعِرَاقِيّ.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ لما حكى الْخلاف: " نعم هَل يجْرِي الْخلاف فِي التَّعْلِيل نعلتين سَوَاء كَانَتَا متعاقبتين أَو مَعًا، أَو مُخْتَصّ بالمعية؟
- vol. 1, p. 3255
كَلَام ابْن الْحَاجِب يَقْتَضِي الأول وَرجح غَيره الثَّانِي، لما يلْزم من شُمُوله حَالَة التَّعَاقُب، أَن يكون أحد من الْأمة يمْنَع أَن اللَّمْس والمس ليسَا بعلتين، وَإِن وجد أَحدهمَا بمفرده بل لَا / عِلّة إِلَّا وَاحِد، فَلَا يكون للْحَدَث مثلا غير عِلّة وَاحِدَة، وَلَا قَائِل بذلك " انْتهى.
-
اسْتدلَّ لِلْقَوْلِ الأول وَهُوَ الصَّحِيح: بِأَن وُقُوعه دَلِيل جَوَازه وَقد وَقع فللحدث علل مُسْتَقلَّة كالبول وَالْغَائِط والمذي وَكَذَلِكَ للْقَتْل وَغَيره.
-
وَاعْترض الْآمِدِيّ: بِأَن الحكم أَيْضا مُتَعَدد شخصا مُتحد نوعا، وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْقَتْل بِالرّدَّةِ، وَبَان ارْتَدَّ بعد الْقَتْل ثمَّ أسلم وَيبقى الْقصاص، وينفى الْقَتْل بِالْقصاصِ بِأَن عَفا الْوَلِيّ، وَيبقى بِالرّدَّةِ.
-
وَالْإِبَاحَة لجِهَة الْقَتْل حق الْآدَمِيّ، وبالردة لله، وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك فِي شَيْء وَاحِد، وَيقدم الْآدَمِيّ فِي الِاسْتِيفَاء.
-
وَقَالَهُ قبله أَبُو الْمَعَالِي.
-
وَاخْتَارَهُ بعض أَصْحَابنَا قَالَ: وَعَلِيهِ نَص الْأَئِمَّة كَقَوْل أَحْمد فِي بعض مَا ذكره: هَذَا مثل خِنْزِير ميت حرَام من وَجْهَيْن، فَأثْبت تحريمين.
- vol. 1, p. 3256
وَحل الدَّم مُتَعَدد لَكِن ضَاقَ الْمحل، وَلِهَذَا يَزُول وَاحِد وَيبقى الآخر، وَلَو اتَّحد الْحل بَقِي بعض حل فَلَا يُبِيح.
-
وَقَول الْفُقَهَاء: وتتداخل هَذِه الْأَحْكَام هُوَ دَلِيل تعددها وَإِلَّا شَيْء وَاحِد لَا يعقل فِيهِ تدَاخل.
قَالَ: وَقَول أبي بكر من أَصْحَابنَا - فِي مَسْأَلَة الْأَحْدَاث: إِذا نوى أَحدهَا ارْتَفع وَحده - يَقْتَضِي ذَلِك.
-
وَالْأَشْهر لنا وللشافعية: يرْتَفع الْجَمِيع، وَقَالَهُ الْمَالِكِيَّة. و [رد] ذَلِك بِأَن الشَّيْء لَا يَتَعَدَّد فِي نَفسه بِتَعَدُّد إِضَافَته وَإِلَّا غاير حدث الْبَوْل حدث الْغَائِط، وتعدده باخْتلَاف الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة، بِدَعْوَى خَاصَّة لَا يُفِيد.
-
وَأجَاب فِي " الرَّوْضَة " : باستحالة اجْتِمَاع مثلين.
قَالَ ابْن مُفْلِح: كَذَا قَالُوا وَأَيْضًا الْعلَّة دَلِيل فَجَاز تعددها كالأدلة.
- vol. 1, p. 3257
الْقَائِل بِالْمَنْعِ: لَو جَازَ كَانَت كل مِنْهُمَا مُسْتَقلَّة غير مُسْتَقلَّة؛ لِأَن معنى استقلالها ثُبُوت الحكم فتتناقض [بتعددها] .
-
رد: مُسْتَقلَّة حَالَة الِانْفِرَاد فَقَط فَلَا يتناقض.
-
أُجِيب: الْكَلَام فِي حَالَة الِاجْتِمَاع، وَأَيْضًا لَو جَازَ فَإِن كَانَتَا مَعًا اجْتمع مثلان للُزُوم كل / مِنْهُمَا مَا لزم من الْأُخْرَى وَهُوَ معلولها فَيلْزم التَّنَاقُض؛ لِأَن الحكم يكون مستغنيا غير مستغن لثُبُوته بِكُل مِنْهُمَا، وَإِن ترتبا فَفِيهِ تَحْصِيل الْحَاصِل.
-
رد: إِنَّمَا يلْزم فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، وَيجوز لمدلول وَاحِد أَدِلَّة.
-
وَأَيْضًا: لَو جَازَ لم يقل الْأَئِمَّة فِي عِلّة الرِّبَا بالترجيح لصِحَّة اسْتِقْلَال كل مِنْهُمَا وَالتَّرْجِيح يُنَافِيهِ وَإِلَّا لَكَانَ الْجَمِيع عِلّة. رد: إِنَّمَا تعرضوا للإبطال، سلمنَا فَلَا تحاد عَلَيْهِ الرِّبَا إِجْمَاعًا فتعرضوا للترجيح؛ لِئَلَّا يلْزم جعلهَا أَجزَاء عِلّة؛ لِأَن جعل أَحدهمَا عِلّة بِلَا مُرَجّح محَال.
قَالُوا: لَا يجْتَمع مؤثران على أثر وَاحِد كمقدور بَين قَادِرين أجَاب ابْن عقيل: تستقل مُنْفَرِدَة، وَمَعَ الِاجْتِمَاع الْعلَّة وَاحِدَة، لِأَنَّهَا بِوَضْع الشَّارِع كشدة الْخمر، والمقدور بَينهمَا لَيْسَ الْجعل والوضع، فَمن أَحَالهُ فلمعنى يعود إِلَى نَفسه.
vol. 1, p. 3258وَقَالَ ابْن عقيل - أَيْضا - فِي مناظراته: التَّحْقِيق أَن الحكم إِذا اسْتَقل بعلة تعطلت الْأُخْرَى كمكان امْتَلَأَ بجسم، وَفعل وَقع بِوَاحِد، وكما لَا يَصح فعل من فاعلين هَذَا مَعَ تساويهما، وَإِلَّا فالعلة الضعيفة لَا تعْمل مَعَ القوية بِلَا خلاف.
-
الْقَائِل بالمنصوصة: لاستقلال كل مِنْهُمَا بنصه، فَكل وَاحِد عَلامَة، والمستنبطة إِن عين بِنَصّ اسْتِقْلَال كل وصف فمنصوصة، وَإِلَّا فإسناد الحكم إِلَى أَحدهمَا تحكم وَإِلَى كل مِنْهُمَا تنَاقض؛ لِأَنَّهُ يكون مستغنيا عَن كل مِنْهُمَا غير مستغن، فَتعين إِلَيْهِمَا مَعًا كل مِنْهُمَا جُزْء عِلّة.
-
رد: يستنبط استقلالها بِثُبُوت الحكم فِي مَحل كل مِنْهُمَا مُنْفَردا.
-
الْقَائِل بالمستنبطة: لاستقلالها لما سبق فِيمَا قبله والمنصوصة قَطْعِيَّة فَفِي استقلالها اجْتِمَاع المثلين، أَو تَحْصِيل الْحَاصِل.
-
رد: لَيست قَطْعِيَّة، ثمَّ يجوز اجْتِمَاع أَدِلَّة قَطْعِيَّة على مَدْلُول وَاحِد.
-
قَوْله: [فعلى الْجَوَاز كل / وَاحِدَة عِلّة عِنْد الْأَكْثَر، وَعند ابْن عقيل جُزْء عِلّة، وَقيل وَاحِدَة لَا بِعَينهَا] .
- vol. 1, p. 3259
اسْتدلَّ للْأولِ: بِأَنَّهُ ثَبت اسْتِقْلَال كل مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة.
-
رد: لم ثبتَتْ مجتمعة، وَأَيْضًا: لَو لم تكن كل وَاحِدَة عِلّة لَا لامتنع اجْتِمَاع الْأَدِلَّة؛ لِأَنَّهَا أَدِلَّة.