في البحر هذا الطهور ماؤه الحل ميتته رواه أبو داود وغيره مع قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما إلى قوله أو لحم خنزير الأنعام فكل من الآية والحديث يتناول خنزير
31 paragraphs · vol. 1, p. 4132
- vol. 1, p. 4132
فعلى هَذَا إِن أمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن علم التَّارِيخ وَكَانَ أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا أَو مُطلقًا ومقيدا وَنَحْو ذَلِك، عمل بِهِ كَمَا تقدم.
-
لَكِن إِن كَانَ أحد المتعارضين سنة قابلها كتاب، فَالصَّحِيح كَذَلِك، أَعنِي إِن أمكن الْعَمَل بهما من وَجه كَانَ أولى، وَلَا يقدم أَحدهمَا على الآخر.
-
وَقيل: يقدم الْكتاب على السّنة، لحَدِيث معَاذ: " الْمُشْتَمل على أَنه يقْضِي بِكِتَاب الله فَإِن لم يجد فبسنة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَرَضي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأقرهُ على ذَلِك " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره.
-
وَقيل: تقدم السّنة على الْكتاب، لقَوْله تَعَالَى: {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} [النَّحْل: ٤٤] .
-
وَأما قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْبَحْر: " هَذَا الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره مَعَ قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما} إِلَى قَوْله: {أَو لحم خِنْزِير} [الْأَنْعَام: ١٤٥] ، فَكل من الْآيَة والْحَدِيث يتَنَاوَل خِنْزِير
vol. 1, p. 4133الْبَحْر، فيتعارض عُمُوم الْكتاب وَالسّنة فِي خِنْزِير الْبَحْر.
-
فَقدم بَعضهم الْكتاب فحرمه، وَقَالَهُ من أَصْحَابنَا أَبُو عَليّ النجاد.
-
وَبَعْضهمْ قدم السّنة فأحله، وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد وَعَلِيهِ جَمَاهِير أَصْحَابه، وَيَأْتِي هَذَا أَيْضا عِنْد قَوْله: " فِي الْأَمر الْخَارِج فِيمَا إِذا تعَارض قُرْآن وَسنة " .
-
وَإِن لم يُمكن الْجمع والتاريخ مَعْلُوم فَالثَّانِي نَاسخ، فَإِن جهل التَّارِيخ اجْتهد فِي الْجمع إِن أمكن، ثمَّ فِي التَّارِيخ، فَإِن تعذر وقف الْأَمر إِلَى أَن نتبينه، فَيعْمل بِمَا يتَبَيَّن.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: إِن عجز عَن التَّرْجِيح أَو تعذر قلد عَالما.
-
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَة: يجوز تعادلهما، وَبِه قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي
vol. 1, p. 4134" مُخْتَصره " ، وَابْن عقيل فِي ضمن مَسْأَلَة الْقيَاس، وَأَبُو بكر الرَّازِيّ، والجرجاني، والجبائي وَابْنه، وَابْن الباقلاني، وَقَالَ: قَالَه الْأَشْعَرِيّ،
vol. 1, p. 4135وكل من صوب كل مُجْتَهد، وَأَنه حُكيَ عَن الْحسن الْعَنْبَري، وَقَالَهُ أَكثر الْعلمَاء، وَذكره بعض أَصْحَابنَا رِوَايَة عَن أَحْمد، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَذكره عَن أَكثر الْفُقَهَاء، كَمَا فِي نظر الْمُجْتَهد اتِّفَاقًا.
-
فعلى هَذَا القَوْل يتخيره كالكفارة وَغَيرهَا، لَكِن فرق الْقَائِل بِالْأولِ بِأَنَّهُ لَا تعَارض فِي الْكَفَّارَة، وَلِهَذَا يجوز وُرُود الشَّرْع بِإِيجَاب الْكل، وَلَا يجوز فِي مَسْأَلَتنَا وَيكون عَلامَة التَّخْيِير.
-
وَالْقَوْل بالتخيير هُنَا اخْتَارَهُ أَبُو بكر بن الباقلاني، وَأَبُو عَليّ الجبائي،
vol. 1, p. 4136وَابْنه أَبُو هَاشم، وَغَيرهم، وَمن هُنَا جَازَ للعامي أَن يستفتي من شَاءَ من الْمُفْتِينَ وَيعْمل بقوله كَمَا تقدم.
-
وَقيل: إِن وَقع التعادل فِي الْوَاجِبَات تخير؛ إِذْ لَا يمْتَنع التَّخْيِير فِيهَا فِي الشَّرْع، كمن ملك مِائَتَيْنِ من الْإِبِل مُخَيّر بَين إِخْرَاج أَربع حقاق أَو خمس بَنَات لبون، وَإِن وَقع بَين حكمين متناقضين كإباحة وَتَحْرِيم، فَحكمه التساقط وَالرُّجُوع إِلَى الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة.
-
وَحَيْثُ قُلْنَا بالتعادل أَو التَّخْيِير فَلَا يعْمل وَلَا يُفْتى إِلَّا بِوَاحِد فِي الْأَصَح.
قَالَ الباقلاني: وَلَيْسَ لَهُ تَخْيِير المستفتي والخصوم وَلَا الحكم فِي وَقت بِحكم، وَفِي وَقت بِحكم آخر، بل يلْزم أحد الْقَوْلَيْنِ، وَذكر أَن هَذَا قَول من حَكَاهُ عَنهُ، قَالَ: وَهل يتَعَيَّن أحد الْأَقْوَال بِالشُّرُوعِ فِيهِ كالكفارة أم بالتزامه كالنذر؟ لَهُم فِيهِ قَولَانِ. انْتهى.
vol. 1, p. 4137قَالَ بعض أَصْحَابنَا: نَظِير هذَيْن الْقَوْلَيْنِ: الْقَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا فِي جَوَاز انْتِقَال الْإِنْسَان عَنهُ.
-
وَذكر الْآمِدِيّ: أَنه لَا يمْتَنع ذَلِك كَمَا لَو تغير اجْتِهَاده، إِلَّا أَن يكون الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَاحِدًا لتضرره بالحكم لَهُ، كحل النِّكَاح فِي وَقت وتحريمه فِي آخر.
-
ورد: هَذَا القَوْل الْمُقَابل للأصح.
-
وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْمَسْأَلَة قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى فِي تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ، وَالشَّيْخ موفق الدّين فِي " الرَّوْضَة " وَغَيرهمَا يتعارضان ويسقطان، فَيجب الرُّجُوع إِلَى غَيرهمَا وَهُوَ الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: " ذهب إِلَى هَذَا كثير من الْفُقَهَاء، قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ مَا رَجحه أَصْحَابنَا فِي مَسْأَلَة تعَارض الْبَيِّنَتَيْنِ، لَكِن لَا يلْزم مِنْهُ
vol. 1, p. 4138مَحْظُور، وَهَذَا يلْزم مِنْهُ تَعْطِيل الْأَحْكَام ".
-
وَالْقَوْل الرَّابِع: الْوَقْف كتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ على قَول.
-
وفيهَا قَول خَامِس قَالَه القَاضِي أَيْضا: يكون كعامي يجب تَقْلِيد غَيره.
-
وَذكر أَبُو الْمَعَالِي أَن كلا من المصوبة والمخطئة قَالَ: هَل يُقَلّد عَالما كعامي أَو يقف أَو يتَخَيَّر؟ فِيهِ أَقْوَال. انْتهى.
-
احْتج من منع التعادل فِي الأمارتين فِي نفس الْأَمر مُطلقًا بِأَنَّهُ لَو وَقع، فإمَّا أَن يعْمل بهما وَهُوَ جمع بَين المتنافيين، أَو لَا يعْمل بِوَاحِد مِنْهُمَا فَيكون وضعهما عَبَثا، وَهُوَ محَال على الله تَعَالَى، أَو يعْمل بِأَحَدِهِمَا على التَّعْيِين،
vol. 1, p. 4139وَهُوَ تَرْجِيح من غير مُرَجّح، أَو لَا على التَّعْيِين بل على التَّخْيِير، والتخيير بَين الْمُبَاح وَغَيره يَقْتَضِي تَرْجِيح أَمارَة الإباجة بِعَينهَا، لِأَنَّهُ لما جَازَ لَهُ الْفِعْل وَالتّرْك كَانَ هَذَا معنى الْإِبَاحَة فَيكون تَرْجِيحا؛ لإحدى الأمارتين بِعَينهَا.
-
وَأجِيب: بِأَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَة، بل تَخْيِير للْعَمَل بِإِحْدَى الأمارتين شَاءَ، لَا عمل بِأَيّ الْفِعْلَيْنِ شَاءَ، بِدَلِيل أَنه لَو كَانَت إِحْدَاهمَا تَقْتَضِي تَحْرِيمه لَا يُقَال: هُوَ مُخَيّر بَين فعله مَعَ كَونه حَرَامًا وَبَين غَيره، فَإِذا عمل بِأَحَدِهِمَا وَجب أَن يعْتَقد بطلَان الآخر، بِخِلَاف الْإِبَاحَة فَإِنَّهُ لَا يعْتَقد فِيهَا فَسَاد مَا لم يفعل، وَنَظِيره فِي الشَّرْع التَّخْيِير بَين أَن يُصَلِّي الْمُسَافِر قصرا أَو إتماما، فَإِنَّهُ إِذا جَازَ لَهُ ترك الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد اخْتِيَار الْقصر، لَا يُقَال: إِن فعل الرَّكْعَتَيْنِ مُبَاح.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَفِيه نظر، وَاحْتج من جوز تعادل الأمارتين فِي نفس الْأَمر بِالْقِيَاسِ على جَوَاز تعادلهما فِي الذِّهْن، وَبِأَنَّهُ لَا يلْزم من فَرْضه محَال، وَقد أُجِيب عَن ذَلِك.
وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام فِي " قَوَاعِده " : لَا يتَصَوَّر فِي الظنون تعَارض كَمَا لَا يتَصَوَّر فِي الْعُلُوم، إِنَّمَا يَقع التَّعَارُض بَين أَسبَاب الظنون، فَإِذا تَعَارَضَت: فَإِن حصل الشَّك لم يحكم بِشَيْء، وَإِن وجد ظن فِي أحد الطَّرفَيْنِ
vol. 1, p. 4140حكمنَا بِهِ؛ لِأَن ذهَاب مُقَابِله يدل على ضعفه وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا مُكَذبا للْآخر تساقطا، وَإِن لم يكذب كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه عمل بِهِ حسب الْإِمْكَان كدابة عَلَيْهَا راكبان يحكم لَهما بهَا؛ لِأَن كلا من الْيَدَيْنِ لَا تكذب الْأُخْرَى. انْتهى.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: " وَهُوَ نَفِيس؛ لِأَن الظَّن هُوَ الطّرف الرَّاجِح، وَلَو عورض بِطرف آخر رَاجِح، لزم أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا راجحا مرجوحا، وَهُوَ محَال " انْتهى.
-
قَوْله: {وَالتَّرْجِيح تَقْوِيَة أحد أمارتين على أُخْرَى لدَلِيل، وَمنعه الباقلاني وَجمع كَالشَّهَادَةِ، قَالَ الطوفي: الْتِزَامه فِيهَا مُتَّجه ثمَّ هِيَ آكِد} .
-
لَا يَقع التَّرْجِيح إِلَّا مَعَ وجود التَّعَارُض، فَحَيْثُ انْتَفَى التَّعَارُض انْتَفَى التَّرْجِيح، فالترجيح فرع التَّعَارُض مُرَتّب على وجوده.
-
وَاعْلَم أَنه لَا تعَارض بِالْحَقِيقَةِ فِي حجج الشَّرْع؛ وَلِهَذَا أخر مَا أمكن.
vol. 1, p. 4141قَالَ أَبُو بكر الْخلال من أَئِمَّة أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين: لَا يجوز أَن يُوجد فِي الشَّرْع خبران متعارضان لَيْسَ مَعَ أَحدهمَا تَرْجِيح يقدم، فأحد المتعارضين بَاطِل إِمَّا لكذب النَّاقِل، أَو خطأ بِوَجْه مَا من النقليات، أَو خطأ النَّاظر فِي النظريات، أَو لبُطْلَان حكمه بالنسخ. انْتهى.
وَقَالَ إِمَام الْأَئِمَّة أَبُو بكر ابْن خُزَيْمَة: لَا أعرف حديثين صَحِيحَيْنِ متضادين، فَمن كَانَ عِنْده شَيْء مِنْهُ فَليَأْتِنِي بِهِ لأؤلف بَينهمَا، وَكَانَ من أحسن النَّاس كلَاما فِي ذَلِك، نَقله الْعِرَاقِيّ فِي " شرح ألفيته فِي الحَدِيث " .
-
وحد التَّرْجِيح: تَقْوِيَة إِحْدَى الأمارتين على الْأُخْرَى بِدَلِيل فَيعلم الْأَقْوَى فَيعْمل بِهِ.
قَالَ ابْن مُفْلِح: " هُوَ اقتران الأمارة بِمَا تقوى بِهِ على معارضها " .
وَقَالَ بَعضهم: " المُرَاد بِوَصْف فَلَا يرجح نَص وَلَا قِيَاس بِمثلِهِ " انْتهى.
- vol. 1, p. 4142
فالترجيح فعل الْمُرَجح النَّاظر فِي الدَّلِيل، وَهُوَ تقدم إِحْدَى الأمارتين الصالحتين للإفضاء إِلَى معرفَة الحكم لاخْتِصَاص تِلْكَ الأمارة بِقُوَّة فِي الدّلَالَة، كَمَا لَو تعَارض الْكتاب وَالْإِجْمَاع فِي حكم، فَكل مِنْهُمَا طَرِيق يصلح لِأَن يعرف بِهِ الحكم، لَكِن الْإِجْمَاع اخْتصَّ بِقُوَّة على الْكتاب من حَيْثُ الدّلَالَة، وَيَأْتِي حد الرجحان وَالْفرق بَينهمَا قَرِيبا.
-
وَمنع الباقلاني وَجمع كَالشَّهَادَةِ.
-
وَذكر أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ عَن قوم منع التَّرْجِيح مُطلقًا.
قَالَ الطوفي: الْتِزَامه فِي الشَّهَادَة مُتَّجه ثمَّ هِيَ آكِد
اعْلَم أَن الْعَمَل بالراجح فِيمَا لَهُ مُرَجّح هُوَ قَول جَمَاهِير الْعلمَاء سَوَاء
vol. 1, p. 4143كَانَ الْمُرَجح مَعْلُوما أَو مظنونا، حَتَّى إِن المنكرين للْقِيَاس عمِلُوا بالترجيح فِي ظواهر الْأَخْبَار.
-
وَخَالف القَاضِي أَبُو بكر ابْن الباقلاني فِي جَوَاز الْعَمَل بالمرجح بالمظنون وَقَالَ: إِنَّمَا أقبل التَّرْجِيح بالمقطوع بِهِ كتقديم النَّص على الْقيَاس لَا بالأوصاف، وَلَا الْأَحْوَال، وَلَا كَثْرَة الْأَدِلَّة وَنَحْوهَا، فَلَا يجب الْعَمَل بِهِ فَإِن الأَصْل امْتنَاع الْعَمَل بِالظَّنِّ.
-
خالفناه فِي الظنون المستقلة بأنفسها لإِجْمَاع الصَّحَابَة، فَيبقى التَّرْجِيح على أصُول الِامْتِنَاع؛ لِأَنَّهُ عمل بِظَنّ لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ.
-
ورد قَوْله: بِالْإِجْمَاع على عدم الْفرق بَين المستقل وَغَيره.