على ما رواه الجماعة عن النبي

60 paragraphs · vol. 1, p. 4144

Page 1 of 2

  1. وَقد رجحت الصَّحَابَة قَول عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - فِي التقاء الختانين " فعلته أَنا وَرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " ، على مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّمَا المَاء من المَاء " لكَونهَا أعرف بذلك مِنْهُم.

    vol. 1, p. 4145قَالَ الطوفي: وَلَيْسَ قَوْله بِشَيْء؛ لِأَن الْعَمَل بالأرجح مُتَعَيّن عقلا وَشرعا، وَقد عملت الصَّحَابَة بالترجيح مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ، وَالتَّرْجِيح دأب الْعقل وَالشَّرْع حَيْثُ احْتَاجَ إِلَيْهِ.

    وَقَالَ الطوفي أَيْضا: لما قَاس الباقلاني الْمَنْع فِي التَّرْجِيح على الْبَينَات الْتِزَام التَّرْجِيح أَيْضا فِي الْبَينَات مُتَّجه، لِأَن إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ إِذا اخْتصّت بِمَا يُفِيد زِيَادَة ظن صَارَت الْأُخْرَى كالمعدومة، وَلَو سلم فِي الْبَيِّنَة فَالْفرق بَينهمَا: أَن بَاب الشَّهَادَة مشوب بالتعبد بِدَلِيل أَن الشَّاهِد لَو أبدل لفظ الشَّهَادَة بِلَفْظ الْإِخْبَار أَو الْعلم، فَقَالَ: أخبر أَو أعلم مَكَان " أشهد " ، لم

    vol. 1, p. 4146يقبل، وَلَا تقبل شَهَادَة جمع من النِّسَاء وَإِن كثرت على يسير من المَال، حَتَّى يكون مَعَهُنَّ رجل، مَعَ أَن شَهَادَة الْجمع الْكثير من النِّسَاء يجوز أَن يحصل بِهِ الْعلم التواتري، وَمَا ذَاك إِلَّا لثُبُوت التَّعَبُّد فَجَاز أَن يكون عدم التَّرْجِيح فِيهَا من ذَلِك بِخِلَاف الْأَدِلَّة؛ إِذْ لَا تعبد فِيهَا.

    vol. 1, p. 4144
  2. فَهَذَا جَوَاب عَمَّا قَالَه الباقلاني من وَجْهَيْن: الْتِزَام الحكم بالترجيح فِي الْبَينَات وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْأَدِلَّة على تَقْدِير التَّسْلِيم.

  3. وَلم يذكر مَا قَالَه أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ: أَنه لَا يعْمل بِأَصْل التَّرْجِيح، بل عِنْد التَّعَارُض يلْزم التَّخْيِير أَو الْوَقْف؛ لِأَن أَبَا الْمَعَالِي أنكر وجوده وَلم يره، وَقَالَ غَيره: إِن صَحَّ عَنهُ فَهُوَ مَسْبُوق بِإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالْأمة من بعدهمْ فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ.

  4. قَوْله: {وَلَا تَرْجِيح فِي الْمذَاهب الخالية عَن دَلِيل، وَقيل: بلَى، وَفِي " التَّمْهِيد " وَغَيره: وَلَا بَين علتين إِلَّا أَن تكون كل مِنْهَا طَرِيقا للْحكم

    vol. 1, p. 4147مُنْفَرِدَة، قَالَ الشَّيْخ: يَقع إِن أمكن كَونه طَرِيقا قبل ثُبُوته} .

  5. لَا تَرْجِيح فِي الْمذَاهب الخالية عَن دَلِيل، إِنَّمَا التَّرْجِيح فِي الْأَلْفَاظ المسموعة والمعاني المعقولة، على مَا يَأْتِي قَرِيبا تَفْصِيل ذَلِك، لَا فِي الْمذَاهب الخالية عَن دَلِيل.

  6. وَهَذِه الْمَسْأَلَة نقلتها من " مُخْتَصر الطوفي " .

    وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه " : إِنَّه نقلهَا من جدل ابْن الْمَنِيّ، قَالَ: " وأصل الْمَسْأَلَة أَن القَاضِي عبد الْجَبَّار قَالَ: إِن التَّرْجِيح لَهُ مدْخل فِي الْمذَاهب، بِحَيْثُ يُقَال: مَذْهَب الشَّافِعِي مثلا أرجح من مَذْهَب أبي حنيفَة أَو غَيره أَو بِالْعَكْسِ، وَخَالفهُ غَيره.

  7. حجَّة عبد الْجَبَّار: أَن الْمذَاهب آراء واعتقادات مُسندَة إِلَى الْأَدِلَّة، وَهِي تَتَفَاوَت فِي الْقُوَّة والضعف، فَجَاز دُخُول التَّرْجِيح فِيهَا كالأدلة.

  8. حجَّة المانعين من وُجُوه:
  9. أَحدهَا: أَن الْمذَاهب لتوافر انهراع النَّاس وتعويلهم عَلَيْهَا صَارَت كالشرائع والملل الْمُخْتَلفَة، وَلَا تَرْجِيح فِي الشَّرَائِع.

  10. وَهُوَ ضَعِيف؛ لِأَن انهراع النَّاس إِلَيْهَا لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا ظنية تقبل التَّرْجِيح، وَلَا نسلم أَنَّهَا تشبه الشَّرَائِع، وَإِن سلمنَا ذَلِك لَكِن لَا نسلم أَن الشَّرَائِع لَا تقبل التَّرْجِيح، بِاعْتِبَار مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْمصَالح والمحاسن، وَإِن كَانَ طَرِيق جَمِيعهَا قَاطعا.

    vol. 1, p. 4148
  11. الْوَجْه الثَّانِي: لَو كَانَ للترجيح مدْخل فِي الْمذَاهب لاضطرب النَّاس، وَلم يسْتَقرّ أحد على مَذْهَب، فَلذَلِك لم يكن للترجيح فِيهِ مدْخل كالبينات.

  12. وَهُوَ ضَعِيف - أَيْضا - وَاللَّازِم مِنْهُ مُلْتَزم، وكل من ظهر لَهُ رُجْحَان مَذْهَب، وَجب عَلَيْهِ الدُّخُول فِيهِ، كَمَا يجب على الْمُجْتَهد الْأَخْذ بأرجح الدَّلِيلَيْنِ.

  13. الْوَجْه الثَّالِث: أَن كل وَاحِد من الْمذَاهب لَيْسَ متمحضا فِي الْخَطَأ وَلَا فِي الصَّوَاب، بل هُوَ مُصِيب فِي بعض الْمسَائِل، مخطيء فِي بَعْضهَا، وعَلى هَذَا فالمذهبان لَا يقبلان التَّرْجِيح، لإفضاء ذَلِك إِلَى التَّرْجِيح بَين الْخَطَأ وَالصَّوَاب فِي بعض الصُّور أَو بَين خطأين وصوابين، وَالْخَطَأ لَا مدْخل للترجيح فِيهِ اتِّفَاقًا.

  14. وَهَذَا الْوَجْه يُشِير فيهإلى أَن النزاع لَفْظِي، وَهُوَ أَن من نفى التَّرْجِيح فَإِنَّمَا أَرَادَ: لَا يَصح تَرْجِيح مَجْمُوع مَذْهَب على مَجْمُوع مَذْهَب آخر لما ذكر، وَمن أثبت التَّرْجِيح بَينهمَا أثْبته بِاعْتِبَار مسائلها الْجُزْئِيَّة وَهُوَ صَحِيح، إِذْ يَصح أَن يُقَال: مَذْهَب مَالك فِي أَن المَاء الْمُسْتَعْمل فِي رفع الْحَدث طهُور،

    vol. 1, p. 4149أرجح من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي أَنه غير طهُور، وَكَذَا فِي غَيرهَا من الْمسَائِل.

  15. فَحِينَئِذٍ يكون النزاع لفظيا؛ إِذْ لَا تنَافِي بَين قَوْلنَا: يجوز التَّرْجِيح فِي الْمذَاهب وَلَا يجوز لاخْتِلَاف مَوْضُوع الحكم بِالْكُلِّ والجزء ".

    قَالَ الطوفي: وَيحْتَمل أَن يكون مأخذه النزاع فِي التصويب، من زعم أَن كل مُجْتَهد مُصِيب امْتنع التَّرْجِيح فِي الْمذَاهب عِنْده، وَمن زعم أَن لَيْسَ كل مُجْتَهد بمصيب اتجه التَّرْجِيح عِنْده.

    قَالَ: وَيحْتَمل أَن النزاع مَبْنِيّ على تعادل الأمارات، فَمن يمنعهُ يمْنَع التَّرْجِيح فِي الْمذَاهب، وَمن يُجِيزهُ يُجِيز التَّرْجِيح وَالتَّفْصِيل.

    ثمَّ قَالَ: وَالصَّحِيح الْمُخْتَار: أَن للترجيح مدخلًا فِي كل الْمذَاهب من حَيْثُ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل.

    قَالَ: ثمَّ إِن التَّرْجِيح فِي الْمذَاهب وَاقع بِالْإِجْمَاع، وَهُوَ دَلِيل الْجَوَاز قطعا، وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين اقتسموا الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا، كمذهب

    vol. 1, p. 4150سُفْيَان وَدَاوُد وَغَيرهمَا، وكل من حسن ظَنّه بِمذهب تعبد بِهِ واتخذه دينا، حَتَّى غلب على مَذْهَب مَالك الْمغرب، وَمذهب أبي حنيفَة الْمشرق، وَالشَّافِعِيّ غَالب الْبِلَاد بَينهمَا، وَأحمد على أهل جيلان وَبَعض الْعرَاق، وكل من الْتزم مذهبا فَإِنَّمَا هُوَ لرجحانه عِنْده بترجيحه بِاجْتِهَادِهِ أَو تَقْلِيد، وَأجْمع الْمُسلمُونَ على عدم الْإِنْكَار على من الْتزم أَي مَذْهَب شَاءَ بذلك التَّرْجِيح، فَكَانَ التَّرْجِيح فِي الْمذَاهب ثَابتا بِالْإِجْمَاع، وَأطَال فِي ذَلِك.

    قلت: وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن حمدَان فِي " آدَاب الْمُفْتِي " وَغَيره، وَكَذَلِكَ يُصَرح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره بذلك فِي كثير من الْمسَائِل.

    vol. 1, p. 4151وَقَالَ فِي " التَّمْهِيد " وَغَيره: " لَا يَصح التَّرْجِيح بَين علتين إِلَّا أَن تكون كل مِنْهُمَا طَرِيقا للْحكم مُنْفَرِدَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَصح تَرْجِيح طَرِيق على مَا لَيْسَ بطرِيق " .

    قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: " يَقع إِن أمكن كَونه طَرِيقا قبل ثُبُوته " .

  16. قَوْله: {ورجحان الدَّلِيل كَون الظَّن الْمُسْتَفَاد مِنْهُ أقوى} .

  17. تقدم تَعْرِيف التَّرْجِيح.

  18. [والرجحان: صفة قَائِمَة بِالدَّلِيلِ أَو مُضَافَة إِلَيْهِ وَهِي: كَون الظَّن الْمُسْتَفَاد مِنْهُ أقوى من غَيره، كالمستفاد من قِيَاس الْعلَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاس الشّبَه، وَمن الْخَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَام، فالترجيح فعل الْمُرَجح، والرجحان صفة الدَّلِيل.

  19. وَيظْهر لَك الْفرق بَينهمَا أَيْضا من جِهَة التصريف اللَّفْظِيّ فَإنَّك تَقول: رجحت الدَّلِيل تَرْجِيحا فَأَنا مرجِّح، وَالدَّلِيل مرجَّح - بِفَتْح الْجِيم - وَتقول: رجح الدَّلِيل رجحانا فَهُوَ رَاجِح، إِلَّا أَنَّك أسندت التَّرْجِيح إِلَى نَفسك إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل، وأسندت الرجحان إِلَى الدَّلِيل، كَذَلِك كَانَ التَّرْجِيح وصف الْمُسْتَدلّ والرجحان وصف الدَّلِيل] .

  20. [وَيجب تَقْدِيم الرَّاجِح إِجْمَاعًا، وَيكون بَين منقولين ومعقولين، ومنقول ومعقول:

    الأول: فِي السَّنَد، والمتن، ومدلول اللَّفْظ، وَأمر خَارج.

    vol. 1, p. 4152
  21. السَّنَد: الْأَرْبَعَة، وَالْأَكْثَر: يرجح بِالْأَكْثَرِ رُوَاة كالأكثر أَدِلَّة فِي الْأَصَح.

  22. وَابْن برهَان، وَالْمجد: بالأوثق.

  23. وَخَالف الْكَرْخِي.

    vol. 1, p. 4153
  24. وَغَيره كَالشَّهَادَةِ والفتيا.

  25. وَعند مَالك، وَقَول لنا: الشَّهَادَة، كالرواية.

    وَقَالَ أَبُو الْخطاب: لَو رجح بِكَثْرَة الْمُفْتِينَ لجَاز.

  26. وَبِزِيَادَة ثِقَة، وفطنة، وورع، وَعلم، وَضبط، ولغة، وَنَحْو.

  27. وباشتهاره بأحدها.

    vol. 1, p. 4154
  28. أَو أحسن سياقا.

  29. وباعتماده على حفظه أَو ذكره.

  30. وبعمله بروايته.

  31. أَولا يُرْسل إِلَّا عَن عدل.

  32. أَو مباشرا.

    vol. 1, p. 4155
  33. أَو صَاحب الْقِصَّة، خلافًا للجرجاني.

  34. أَو مشافها، أَو أقرب عِنْد سَمَاعه.

    vol. 1, p. 4156
  35. أَو من أكَابِر الصَّحَابَة على الْأَصَح.

  36. فَيقدم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وأحدهم، وذكرهما الْفَخر، والطوفي فيهم.

    vol. 1, p. 4157
  37. زَاد الطوفي: فَإِن رجحت رجحت رِوَايَة الأكابر، أَو مُتَقَدم الْإِسْلَام.

    vol. 1, p. 4158وَقَالَ القَاضِي، وَالْمجد، والطوفي: سَوَاء.

  38. وَابْن عقيل وَالْأَكْثَر: الْمُتَأَخر، وبالأكثر صُحْبَة.

  39. زَاد أَبُو الْخطاب: أَو قدمت هجرته.

    vol. 1, p. 4159قَالَ الْآمِدِيّ وَابْن حمدَان وَجمع: أَو مَشْهُور النّسَب.

  40. زَاد الْآمِدِيّ وَمن تبعه: أَو غير ملتبس بضعيف.