الاشتقاق
133 paragraphs · vol. 1, p. 540
Page 1 of 4
- vol. 1, p. 540
قَالَ أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن: (الِاشْتِقَاق من أشرف عُلُوم الْعَرَبيَّة، وأدقها وأنفعها، وأكثرها ردا إِلَى أَبْوَابهَا، أَلا ترى أَن مدَار علم التصريف فِي معرفَة الزَّائِد من الْأَصْلِيّ عَلَيْهِ) .
قَالَ السراج: (لَو [جمدت] المصادر وارتفع الِاشْتِقَاق من كل
vol. 1, p. 541كَلَام، لم تُوجد صفة لموصوف وَلَا فعل لفاعل.
قَالَ: وَجَمِيع النُّحَاة إِذا أَرَادوا أَن يعلمُوا الزَّائِد من الْأَصْلِيّ فِي الْكَلَام، نظرُوا فِي الِاشْتِقَاق) انْتهى.
-
وَهُوَ مَأْخُوذ من الشق، وَهُوَ الْقطع، وَهُوَ افتعال من قَوْلك: اشتققت كَذَا من كَذَا، أَي: اقتطعته مِنْهُ، وَمِنْه قَول الفرزدق:
(مُشْتَقَّة من رَسُول الله نبعته ... )
-
وَحكى ابْن الخشاب من أَصْحَابنَا وَغَيره فِي جَوَاز الِاشْتِقَاق فِي اللُّغَة ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن اللَّفْظ يَنْقَسِم إِلَى جامد ومشتق، وَهَذَا الصَّحِيح، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر مِنْهُم: الْخَلِيل، وسيبويه،
vol. 1, p. 542والأصمعي، وَأَبُو عبيد، وقطرب، وَغَيرهم، وَالْعَمَل عَلَيْهِ.
-
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْأَلْفَاظ كلهَا جامدة، وَلَيْسَ [شَيْء] مِنْهَا مشتقاً من شَيْء، بل كلهَا مَوْضُوعَات، وَبِه قَالَ نفطويه، واسْمه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم.
- vol. 1, p. 543
لِأَنَّهُ كَانَ ظاهرياً من أَصْحَاب دَاوُد، فَلذَلِك جنح إِلَيْهِ وَاخْتَارَهُ، وَأَبُو بكر بن مقسم، نَقله عَنهُ ابْن قَاضِي الْجَبَل، لكَون فِيهِ زَعَمُوا عُمُوما، فيشتق مَا يجوز اشتقاقه ويتجاوز إِلَى أَشْيَاء يبعد اشتقاقها أَو يَسْتَحِيل، فعلى هَذَا / التَّعْلِيل كَأَنَّهُمْ إِنَّمَا [منعُوا] من ذَلِك لِئَلَّا يتَجَاوَز الْحَد، حسماً للمادة، مَعَ جَوَازه وَعدم امْتِنَاعه.
- vol. 1, p. 544
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْكل مُشْتَقّ، وتكلفوا للجامد اشتقاقاً، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن درسْتوَيْه والزجاج، وصنف كتاب ذكر فِيهِ اشتقاق جَمِيع الْأَشْيَاء، حَتَّى قَالَ ابْن جني: (الِاشْتِقَاق يَقع فِي الْحُرُوف، فَإِن نعم حرف جَوَاب، وَنعم وَالنَّعِيم والنعماء وَنَحْوهَا مُشْتَقَّة مِنْهُ) .
-
إِذا علم ذَلِك؛ فالاشتقاق ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَصْغَر، وأوسط، وأكبر، وسمى القَاضِي عضد الدّين الِاشْتِقَاق الْأَوْسَط مِنْهَا بالصغير، وَسَماهُ الكوراني بالكبير، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، وَيَأْتِي تفصيلها وأحكامها قَرِيبا.
-
قَوْله: {رد فرع إِلَى أصل لِمَعْنى جَمعهمَا خَاص فِي أصل الْوَضع بِالْأَصْلِ، قَالَه ابْن الخشاب، وَأولى مِنْهُ: رد لفظ إِلَى آخر لموافقته لَهُ [فِي] الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، ومناسبته فِي الْمَعْنى} .
- vol. 1, p. 545
اخْتلفت عباراتهم فِي حد الِاشْتِقَاق الْأَصْغَر فَإِنَّهُ هُوَ الْمَحْدُود على مَا يَأْتِي.
فَقَالَ ابْن الخشاب من أَصْحَابنَا: (هُوَ رد فرع إِلَى أصل لِمَعْنى جَمعهمَا، هُوَ خَاص فِي أصل الْوَضع بِالْأَصْلِ) .
وَقَالَ الرماني: (هُوَ اقتطاع فرع من أصل يَدُور مَعَه فِي تصاريفه) .
وَقَالَ الميداني: (هُوَ أَن تَجِد بَين اللَّفْظَيْنِ تنَاسبا فِي الْمَعْنى والتركيب، فَترد أَحدهمَا إِلَى الآخر) ، وَنَقله الرَّازِيّ، وَأَتْبَاعه، وارتضوه.
- vol. 1, p. 546
وَلَا شكّ أَن معنى الثَّلَاثَة [مُتَقَارب] ، لَكِن حد الميداني أولى لما سَنذكرُهُ، وَقد نقحه الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره، وَهُوَ الَّذِي ارتضيناه بعد تنقيحه.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (الِاشْتِقَاق يحد تَارَة بِاعْتِبَار الْعلم كَحَد الميداني، وَتارَة بِاعْتِبَار الْعَمَل، بِأَن نَأْخُذ من اللَّفْظ مَا يُنَاسِبه فِي التَّرْكِيب فنجعله دَالا على معنى يُنَاسب مَعْنَاهُ) انْتهى.
-
فَإِن قيل: إِطْلَاق اللَّفْظ يدْخل فِيهِ الْحَرْف، وَلَيْسَ بمشتق وَلَا مُشْتَقّ مِنْهُ.
-
قيل: لم يرد كل لفظ بل مُطلق لفظين، فَيحمل على الْمُمكن، فَهُوَ مُطلق لَا عَام، وَفِيه نظر؛ فَإِن مقَام الشَّرْح والتعريف يُنَافِي الْإِبْهَام.
-
وَالْمرَاد بالتناسب فِي التَّرْكِيب: الْمُوَافقَة فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، احْتِرَاز من الزَّوَائِد، فَإِن التخالف فِيهَا لَا / يضر كنصر وناصر، وَخرج بِهَذَا الْقَيْد: اللفظان المترادفان، فَإِن أَحدهمَا وَإِن وَافق الآخر فِي الْمَعْنى، لكنه لم يُوَافقهُ فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، كالبر والقمح، وَسَوَاء كَانَت الْأُصُول مَوْجُودَة لفظا أَو تَقْديرا، ليدْخل نَحْو: خف، من الْخَوْف، وكل، من الْأكل.
- vol. 1, p. 547
فقولنا: (رد لفظ إِلَى آخر) ، دخل فِيهِ الِاسْم وَالْفِعْل على كل مَذْهَب، فَإِن النُّحَاة اخْتلفُوا فِي الأَصْل، هَل هُوَ الْمصدر، أَو الْفِعْل، أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا أصل بِنَفسِهِ؟
-
فَذهب البصريون: إِلَى أَن الْفِعْل وَالْوَصْف مُشْتَقّ من الْمصدر.
-
وَذهب الْكُوفِيُّونَ: إِلَى أَن الْمصدر وَالْوَصْف مُشْتَقّ من الْفِعْل.
-
وَذهب [ابْن] طَلْحَة: إِلَى أَن كلا من الْمصدر وَالْفِعْل أصل بِنَفسِهِ.
-
وَقيل غير ذَلِك، فقولنا: (رد لفظ إِلَى آخر) يَشْمَل كل مَذْهَب.
-
وَقَوْلنَا: (ومناسبته فِي الْمَعْنى) ، احْتِرَاز عَن مثل: اللَّحْم وَالْملح والحلم، فَإِن كلا [مِنْهَا] يُوَافق الآخر فِي حُرُوفه الْأَصْلِيَّة، وَمَعَ ذَلِك فَلَا اشتقاق [بَينهَا] ، لانْتِفَاء الْمُنَاسبَة فِي الْمَعْنى لقياس مدلولاتها.
- وَأورد على هَذَا الْحَد أموراً:
- vol. 1, p. 548
أَحدهَا: المعدول والمصغر ليسَا مشتقين من المعدول عَنهُ والمكبر مَعَ صدق التَّعْرِيف عَلَيْهِمَا، فَلَا يكون الْحَد مَانِعا.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَنقض بتصغير المصادر وتثنيتها) انْتهى.
-
وَيرد هَذَا أَيْضا على الحدين الآخرين.
-
وَجَوَابه: أَن التناسب فِي الْمَعْنى يَقْتَضِي أَن مَعْنَاهُمَا لَيْسَ متحداً من كل وَجه، وَهَذَانِ متحدان فِي الْمَعْنى من كل وَجه.
-
الثَّانِي: أَن الْحَد يَقْتَضِي أَن الِاشْتِقَاق فعل الْمُتَكَلّم، لِأَنَّهُ قَالَ: رد أَحدهمَا إِلَى الآخر، وَلَكِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ لواضع اللُّغَة، وَنحن إِنَّمَا نستدل بأمارات استقرائية على وُقُوع ذَلِك مِنْهُ.
-
وَيرد - أَيْضا ذَلِك على الحَدِيث.
-
وَجَوَابه يُؤْخَذ مِمَّا يَأْتِي فِي جَوَاب الَّذِي يعده.
-
الثَّالِث: أَن قَول الميداني: (أَن تَجِد) ، يَقْتَضِي أَن الِاشْتِقَاق هُوَ الوجدان، وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا الِاشْتِقَاق الرَّد عِنْد الوجدان، لَا نفس الوجدان، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار فحد الآخرين أولى لسلامتهما من ذَلِك. /
وَجَوَابه مُتَوَقف على معرفَة المُرَاد بِالرَّدِّ فِي قَوْله: (فَيرد) ، فَإِن أَرَادَ: اقتطاع لفظ من لفظ، فَالثَّانِي هُوَ الْمَرْدُود إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى: أَنه حول من الأول إِلَى الثَّانِي حَتَّى صَار كَذَلِك، فالرد حِينَئِذٍ عَمَلي، وَحِينَئِذٍ فالإيراد مُتَوَجّه.
-
وَإِن أَرَادَ بِالرَّدِّ: الِاعْتِبَار وَالْعلم، فَيكون الثَّانِي مردوداً للْأولِ، بِمَعْنى اعْتِبَار أَنه قد أَخذ مِنْهُ، فالرد حِينَئِذٍ علمي لَا عَمَلي، وَلَا إِيرَاد حِينَئِذٍ عَلَيْهِ لَا بِهَذَا وَلَا بِالَّذِي قبله فِي الْإِيرَاد الثَّانِي، فَإِن وجدان التناسب الْمَذْكُور
vol. 1, p. 549وَهُوَ الِاشْتِقَاق، أَي: معرفَة أَن الثَّانِي مَأْخُوذ من الأول، لمعْرِفَة مَا بَينهمَا من التناسب المشروح.
-
وَيرد على حد ابْن الخشاب: كَون فِيهِ إِبْهَام فِي قَوْله: (رد فرع إِلَى أصل) ، وَكَذَا حد الرماني، لَكِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود فِي قَوْله: (فِي تصاريفه) ، وحد الميداني سَالم من ذَلِك من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
-
إِذا علم ذَلِك؛ فللاشتقاق أَرْبَعَة أَرْكَان: الأول: الْمُشْتَقّ، وَالثَّانِي: الْمُشْتَقّ مِنْهُ، وَالثَّالِث: الْمُوَافقَة فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، وَتقدم الِاحْتِرَاز بِهِ، وَالرَّابِع: يُؤْخَذ من التناسب وَمن الْمُشْتَقّ مِنْهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (قَوْله: ومناسبة الْمَعْنى، هُوَ من تَتِمَّة الرُّكْن الرَّابِع) .
وَقَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: (يُؤْخَذ الرُّكْن الرَّابِع من الرُّكْن الثَّانِي وَهُوَ الْمُشْتَقّ مِنْهُ وَهُوَ " التَّغْيِير " ، لِأَنَّهُ لَو انْتَفَى التَّغْيِير بَينهمَا لم يصدق أَنه لفظ آخر بل هُوَ هُوَ، فعدوا الْأَركان: الْمُشْتَقّ، والمشتق مِنْهُ، والموافقة فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة، والمناسبة فِي الْمَعْنى، والتغيير) انْتهى.
-
لَكِن ذكر التَّغْيِير بعد تَمام الْحَد يدل على أَنه لَيْسَ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ
vol. 1, p. 550الْعَضُد: (وَلذَلِك لم يَجعله من ذكره قيدا فِي الْحَد بل قَالَ بعد تَمَامه: وَلَا بُد من تَغْيِير) انْتهى.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا وَأَظنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين -: (إِذا قيل: هَذَا مُشْتَقّ من هَذَا، فَلهُ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: أَن بَينهمَا تنَاسبا لفظا وَمعنى، تكلم أهل اللُّغَة بِهَذَا بعد هَذَا وَقَبله فَكل / مِنْهُمَا مُشْتَقّ من الآخر، وَالْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر وَعَكسه.
-
وَالْمعْنَى الثَّانِي: كَون أَحدهمَا أصلا للْآخر.
-
فَإِن عني بِهِ التَّكَلُّم بِأَحَدِهِمَا قبل الآخر، لم يقم على هَذَا دَلِيل فِي أَكثر الْمَوَاضِع، وَإِن عني بِهِ سبق أَحدهمَا عقلا لكَونه مُفردا وَهَذَا مركبا فالفعل مُشْتَقّ من الْمصدر) انْتهى.
-
قَوْله: {وَلَا بُد من تَغْيِير} .
-
هَذَا هُوَ الرُّكْن الرَّابِع على مَا قيل كَمَا تقدم، والتغيير خَمْسَة عشر نوعا، وَذَلِكَ إِمَّا بِزِيَادَة حرف، أَو حَرَكَة، أَو هما مَعًا، أَو نُقْصَان حرف،
vol. 1, p. 551أَو حَرَكَة، أَو هما مَعًا، أَو زِيَادَة حرف ونقصانه، أَو زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، أَو زِيَادَة حرف ونقصان حَرَكَة، أَو زِيَادَة حَرَكَة ونقصان حرف، عكس الَّذِي قبله، أَو زِيَادَة حرف مَعَ زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، أَو زِيَادَة حَرَكَة مَعَ زِيَادَة حرف ونقصانه، عكس الَّذِي قبله، أَو نُقْصَان حرف مَعَ زِيَادَة حَرَكَة ونقصانها، أَو نُقْصَان حَرَكَة مَعَ زِيَادَة حرف ونقصانه، أَو زِيَادَة حرف ونقصانه وَزِيَادَة حَرَكَة ونقصانها.
-
لِأَن التَّغْيِير؛ إِمَّا تَغْيِير وَاحِد، أَو تغييران، أَو ثَلَاثَة، أَو أَرْبَعَة.
- فالتغيير الْوَاحِد فِي أَرْبَعَة أَمَاكِن:
-
فَالْأول: زِيَادَة حرف، نَحْو: كَاذِب، من الْكَذِب، زيدت الْألف بعد الْكَاف.
-
وَالثَّانِي: زِيَادَة حَرَكَة، نَحْو: نصر، مَاض من النَّصْر.
-
وَالثَّالِث: نُقْصَان حرف، كصهل من الصهيل، نقصت الْيَاء.