الاشتقاق
133 paragraphs · vol. 1, p. 540
Page 4 of 4
- vol. 1, p. 570
وَقَالَهُ القَاضِي فِي مَسْأَلَة الْإِجْمَاع.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره: (هَذَا غلط؛ لِأَن الْإِيمَان لَا يُفَارِقهُ بِالْمَوْتِ، بل هُوَ مُؤمن بعد مَوته، وَهَذِه فِي مَسْأَلَة (النُّبُوَّة لَا تَزُول بِالْمَوْتِ) ، وبسببها جرت المحنة على الأشعرية فِي زمن / ملك خُرَاسَان مَحْمُود ابْن سبكتكين، وَالْقَاضِي وَسَائِر أهل السّنة أَنْكَرُوا هَذَا عَلَيْهِم، حَتَّى صنف
vol. 1, p. 571الْبَيْهَقِيّ " حَيَاة الانبياء فِي قُبُورهم " ، وَلِأَن الْآيَة دلّت على وجوب اتِّبَاع الماضين فَلَا تردد، فَإِن الْعَصْر الثَّانِي محجوجون بالعصر الأول وَإِن كَانُوا قد مَاتُوا) انْتهى.
-
وَمن فروع الْمَسْأَلَة: لَو قَالَ: أَنا مقرّ، فَإِن زَاد: بدعواك، وَنَحْوهَا، كَانَ إِقْرَارا، وَإِن لم يزدْ، فَفِي كَونه إِقْرَارا وَجْهَيْن لأَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَالصَّحِيح أَنه إِقْرَار، وَالله تَعَالَى أعلم.
-
{تَنْبِيه: يسْتَثْنى من [مَحل الْخلاف] } ثَلَاث مسَائِل: الأولى: {لَو طَرَأَ على الْمحل وصف وجودي يُنَاقض الأول، فمجاز إِجْمَاعًا} .
-
مِثَاله: تَسْمِيَة الْيَقظَان نَائِما، بِاعْتِبَار النّوم السَّابِق، فَهُوَ مجَاز قطعا، وَكَذَا تَسْمِيَة الْقَائِم قَاعِدا، وَعَكسه، بِاعْتِبَار الْقعُود وَالْقِيَام السَّابِقين،
vol. 1, p. 572وَذَلِكَ لِأَنَّهُ من بَاب إِطْلَاق أحد الضدين على الآخر، هَذَا مُقْتَضى كَلَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ إِجْمَاع الْمُسلمين وَأهل اللِّسَان.
-
الثَّانِيَة: { [لَو] منع مَانع من [خَارج] من إِطْلَاقه، فَلَا حَقِيقَة وَلَا مجَاز} .
-
مِثَاله: إِطْلَاق الْكَافِر على من أسلم لتضاد الوصفين، فَلَا يكون حَقِيقَة، وَلما فِيهِ من إهانة الْمُسلم والإخلال بتعظيمه، وَلذَلِك يُسمى مُؤمنا فِي حَال نَومه وَنَحْوه، إطلاقاً مُتَعَيّنا شَائِعا، وَلَا مجَاز، بل لَو قيل: إِنَّه حَقِيقَة شَرْعِيَّة، أَو مُسْتَثْنى من الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة لذَلِك، لم يكن بَعيدا، وَحِينَئِذٍ فإسناد منع ذَلِك إِلَى الْمَانِع، أولى من القَوْل بِإِسْنَادِهِ إِلَى عدم الْمُقْتَضِي، لكَون الأَصْل عدم الْمُقْتَضِي وَعدم الْمَانِع، لأَنا نقُول: إِنَّمَا ذَلِك عِنْد الِاحْتِمَال، وَهنا قد تحقق وجود مَانع، وَيَأْتِي فِي الْقيَاس لنا خلاف فِي أَن الْمَانِع يَسْتَدْعِي وجود الْمُقْتَضى أَو لَا؟
- vol. 1, p. 573
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: قَالَ الْقَرَافِيّ: (مَحل الْخلاف إِذا كَانَ الْمُشْتَقّ مَحْكُومًا بِهِ كزيد مُشْرك أَو زَان أَو سَارِق، أما إِذا كَانَ مُتَعَلق الحكم وَهُوَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ ك {اقْتُلُوا الْمُشْركين} [التَّوْبَة: ٥] ، {الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا} [النُّور: ٢] ، {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا} [الْمَائِدَة: ٣٨] ، فَهُوَ حَقِيقَة مُطلقًا فِيمَن اتّصف بِهِ / فِي الْمَاضِي وَالْحَال والإستقبال، إِذْ لَو كَانَ مجَازًا لَكَانَ من أشرك أَو زنا أَو سرق بعد زمَان نزُول الْآيَة وَالْخطاب بهَا يكون مجَازًا فَلَا يدْخل فِيهَا، لِأَن الأَصْل عدم الْمجَاز، وَلَا قَائِل بذلك، أَي: وَإِذا قُلْنَا: بِاعْتِبَار الِانْقِضَاء فِي الْمَاضِي فيقيد بذلك أَيْضا وَلَا مخلص من الْإِشْكَال إِلَّا بِمَا قَرَّرْنَاهُ، لِأَن الله تَعَالَى لم يحكم فِي تِلْكَ الْآيَات بشرك أحد وَلَا بزناه وَلَا بسرقته، وَإِنَّمَا حكم بِالْقَتْلِ وَالْجَلد وَالْقطع على الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات؛ نعم هُوَ مُتَعَلق هَذِه الْأَحْكَام) انْتهى.
- vol. 1, p. 574
وَقد خُولِفَ فِي زَمَانه، واضطربوا فِي جَوَابه، وَإِن كَانَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمَحْصُول " قد ذكر نَحوه.
-
فَأجَاب بَعضهم عَن ذَلِك: بِأَن الْمجَاز وَإِن كَانَ الأَصْل عَدمه، إِلَّا أَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على أَن المتصفين بِهَذِهِ الصِّفَات بعد وُرُود النُّصُوص يتناولهم وَتثبت تِلْكَ الْأَحْكَام فيهم.
-
وَلَكِن الْجَواب الصَّحِيح: أَن هُنَا شَيْئَيْنِ: إِطْلَاق اللَّفْظ وَإِرَادَة الْمَعْنى من غير تعرض لزمان، كَقَوْلِنَا: الْخمر حرَام، فَإِنَّهُ صَادِق، سَوَاء كَانَت الخمرية مَوْجُودَة أَو لَا، فإطلاق الْخمر فِي هَذِه الْحَالة حَقِيقَة، لِأَن المُرَاد بِالْحَال حَال التَّلَبُّس لَا التَّلَفُّظ، وَكَذَلِكَ نَحْو: {اقْتُلُوا الْمُشْركين} [التَّوْبَة: ٥] ، و {الزَّانِيَة وَالزَّانِي} [النُّور: ٢] ، {وَالسَّارِق والسارقة} [الْمَائِدَة: ٣٨] ، لم يقْصد إِلَّا من اتّصف بالشرك وبالزنا، وبالسرقة وَقت تلبسه، وَذَلِكَ حَقِيقَة، وَمثله: إِطْلَاق ذَلِك بعد الِانْقِضَاء، فَإِنَّهُ لم يخرج عَن ذَلِك الَّذِي أطلق حَقِيقَة وَاسْتمرّ، وَإِنَّمَا يَقع التَّجَوُّز، عِنْد إِرَادَة الْمُتَكَلّم إِطْلَاق الْوَصْف بِاعْتِبَار مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَو مَا يؤول إِلَيْهِ.
vol. 1, p. 575قَالَ السُّبْكِيّ: (وَإِنَّمَا سرى الْوَهم للقرافي من اعْتِقَاده أَن الْمَاضِي وَالْحَال والمستقبل بِحَسب زمَان إِطْلَاق اللَّفْظ، وَالْقَاعِدَة صَحِيحَة فِي نَفسهَا، وَلَكِن لم يفهمها حق فهمها، فالمدار على حَال التَّلَبُّس لَا حَال النُّطْق.
-
على أَنه قد نُوقِشَ الْقَرَافِيّ فِي مَوَاضِع مِنْهَا:
قَوْله: إِن مُتَعَلق الحكم لَيْسَ مرَادا.
-
يرد / عَلَيْهِ: قَوْلك: الْقَاتِل يقتل، أَو الْكَافِر يقتل، تُرِيدُ بِهِ معهوداً حَاضرا، فَإِنَّهُ لَا يكون حَقِيقَة حَتَّى يكون الْقَتْل قَائِما بِهِ من حَيْثُ الْخطاب، وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {اقْتُلُوا الْمُشْركين} [التَّوْبَة: ٥] ، ينْحل إِلَى الَّذين هم مشركون فهم مَحْكُوم عَلَيْهِم.
-
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فرق بَين أَن يكون الْمُشْتَقّ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أَو مُتَعَلق الحكم، أَو غير ذَلِك، فالمدار على مَا قَرَّرْنَاهُ) انْتهى.