بواجبات ومحظورات ومباحات وكرامات وفرض الكفاية كالجهاد ونحوه وهو كثير وقد حصره وعده جماعة من العلماء وسنة الكفاية كابتداء السلام وتشميت العاطس على قول
62 paragraphs · vol. 1, p. 873
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 873
فَفرض الْعين وَسنة الْعين: مَا تنَاول كل وَاحِد من الْمُكَلّفين فرضا ونفلاً: كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْم، وَنَحْوهمَا.
-
وَقد يتناولان وَاحِدًا معينا: كخصائص النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد اخْتصَّ بفرائض وَسنَن.
قَالَ الإِمَام أَحْمد: (خص النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بواجبات، ومحظورات، ومباحات، وكرامات) .
-
وَفرض الْكِفَايَة: كالجهاد وَنَحْوه، وَهُوَ كثير، وَقد حصره وعده جمَاعَة من الْعلمَاء.
-
وَسنة الْكِفَايَة: كابتداء السَّلَام، وتشميت الْعَاطِس على قَول،
vol. 1, p. 874وَالْأُضْحِيَّة فِي حق أهل الْبَيْت، وَتَسْمِيَة أحد الآكلين عَن بَقِيَّتهمْ، نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي.
-
وَقد ذكر النَّاظِم، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَغَيرهم: سنة الْكِفَايَة.
-
وَسمي فرض الْكِفَايَة؛ لِأَن فعل الْبَعْض فِيهِ يَكْفِي فِي سُقُوط الْإِثْم.
-
وَالْفرق بَينه وَبَين فرض الْعين: أَن فرض الْعين: مَا تَكَرَّرت مصْلحَته بتكرره كالصلوات الْخمس وَغَيرهَا، فَإِن مصلحتها الخضوع لله، وتعظيمه، ومناجاته، والتذلل والمثول بَين يَدَيْهِ، وَهَذِه الْآدَاب تكْثر كلما كررت الصَّلَاة.
-
وَفرض الْكِفَايَة: مَا لَا تَتَكَرَّر مصْلحَته بتكرره: كإنجاء الغريق، وَغسل الْمَيِّت، وَدَفنه، وَنَحْوهَا.
-
فهما متباينان تبَاين النَّوْعَيْنِ، خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: تبَاين الجنسين، إِذْ الْوَاجِب أَو الْمَنْدُوب صَادِق على الْأَمريْنِ بالتواطؤ، من حَيْثُ أَن كلا مِنْهُمَا لابد من وُقُوعه، أَو وُقُوعه مُحَصل لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الثَّوَاب، فَلَيْسَ لفظ الْفَرْض وَالسّنة مُشْتَركا بَينهمَا اشتراكاً لفظياً كَمَا يَزْعمُونَ.
- vol. 1, p. 875
قَوْله: { [وهما] : مُهِمّ يقْصد حُصُوله من غير نظر بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله} .
-
وأصل هَذَا الْحَد للغزالي، إِلَّا أَنه قَالَ: (كل مُهِمّ ديني يقْصد الشَّرْع حُصُوله من غير نظر إِلَى فَاعله) ، حَكَاهُ عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي كتاب " السّير " ، وَمَعْنَاهُ: أَن فروض الْكِفَايَة أُمُور كُلية تتَعَلَّق بهَا مصَالح دينية ودنيوية لَا يَنْتَظِم الْأَمر إِلَّا بحصولها، فيقصد الشَّرْع حُصُولهَا، وَلَا يقْصد تَكْلِيف الْوَاحِد وامتحانه فِيهَا، بِخِلَاف فروض الْأَعْيَان فَإِن الْكل مكلفون بهَا ممتحنون بتحصيلها، وَهَذَا الْحَد " يَشْمَل سنة الْكِفَايَة، [فَإِنَّهُ] لم يقل: يقْصد الشَّارِع حُصُوله لُزُوما.
-
والمهم قِسْمَانِ: مُهِمّ لابد من حُصُوله، ومهم الشَّرْع حُصُوله.
-
وأسقطت من الْحَد لفظ: (كل) ؛ لِأَنَّهَا للأفراد، والتعريف للماهية.
-
وأسقطت لَفْظَة: (ديني) ؛ ليدْخل نَحْو الْحَرْف والصناعات.
-
وزدنا: (بِالذَّاتِ) من قَوْلنَا: (من غير نظر بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله) ؛ لِأَن مَا من فعل يتَعَلَّق بِهِ الحكم إِلَّا وَينظر فِيهِ للْفَاعِل، حَتَّى يُثَاب على واجبه
vol. 1, p. 876ومندوبه، ويعاقب على ترك الْوَاجِب، وَإِنَّمَا يفترقان فِي كَون الْمَطْلُوب عينا يختبر فِيهِ الْفِعْل ويمتحن ليثاب أَو يُعَاقب، وَالْمَطْلُوب كِفَايَة يقْصد حُصُوله قصدا ذاتياً، وَقصد الْفَاعِل فِيهِ تبع لَا ذاتي.
-
قَوْله: { [وَالْأول] وَاجِب على الْجَمِيع عِنْد الْأَرْبَعَة وَغَيرهم} .
-
هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء، مِنْهُم الْأَرْبَعَة، نَقله عَنْهُم ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " وَغَيره.
قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الْغَزْو وَاجِب على النَّاس كلهم، فَإِذا غزا بَعضهم أَجْزَأَ عَنْهُم) ، وَقَالَهُ أَصْحَابه.
وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي " الْأُم " : (حق على النَّاس غسيل الْمَيِّت، وَالصَّلَاة عَلَيْهِ، وَدَفنه، لَا يسع عامتهم تَركه، وَإِذا قَامَ بِهِ من فِيهِ كِفَايَة أَجْزَأَ عَنْهُم إِن شَاءَ الله تَعَالَى) .
- vol. 1, p. 877
وَقَالَ مَعْنَاهُ فِي بَاب السّلف، وَجرى عَلَيْهِ أَصْحَابه.
-
وَمن الْأُصُولِيِّينَ: الصَّيْرَفِي، والباقلاني، والشيرازي، وَالْغَزالِيّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ، وَنَقله عَن أَصْحَابهم، وَابْن الْحَاجِب، وَغَيرهم.
-
فَائِدَة: إِذا قُلْنَا: إِنَّه تعلق بِالْجَمِيعِ، فَهَل مَعْنَاهُ: أَنه يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد، أَو بِالْجَمِيعِ من حَيْثُ هُوَ جَمِيع؟
-
مُقْتَضى كَلَام الباقلاني الأول، وَظَاهر كَلَام الْأَكْثَرين الثَّانِي.
-
فَمَعْنَى الأول: أَن كل مُكَلّف مُخَاطب بِهِ، فَإِذا قَامَ بِهِ بعض سقط عَن غَيرهم رخصَة وتخفيفاً لحُصُول الْمَقْصُود.
-
وَمعنى الثَّانِي: أَن الْجَمِيع مخاطبون بإيقاعه مِنْهُم، من أَي فَاعل فعله، وَلَا يلْزم على هَذَا أَن يكون الشَّخْص مُخَاطبا بِفعل غَيره. لأَنا نقُول: كلفوا بِمَا هُوَ أَعم من فعلهم وَفعل غَيرهم، وَذَلِكَ مَقْدُور تَحْصِيله مِنْهُم، لِأَن كلا قَادر عَلَيْهِ، وَلَو لم يَفْعَله غَيره، وَفرض الْعين الْمَقْصُود مِنْهُ امتحان كل وَاحِد بِمَا خُوطِبَ بِهِ لحُصُول ذَلِك الْفِعْل مِنْهُ بِنَفسِهِ.
vol. 1, p. 878وَقَالَ طَائِفَة من الْأُصُولِيِّينَ: يلْزم طَائِفَة مُبْهمَة، وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول " ، وَحكي عَن الْمُعْتَزلَة.
-
[قَالَ] الْبرمَاوِيّ: (اخْتَار الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه: أَنه على الْبَعْض، وَاخْتَارَهُ التَّاج السُّبْكِيّ.
-
ورد هَذَا القَوْل: بإثم الْجَمِيع بِتَرْكِهِ إِجْمَاعًا، وإثم وَاحِد مِنْهُم لَا يعقل، لِأَنَّهُ لَا يُمكن عِقَابه، وَسُقُوط الْإِثْم بِفعل بَعضهم لَيْسَ مَانِعا.
-
وَأما قَوْله تَعَالَى: {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم} [التَّوْبَة: ١٢٢] ، فَالْمُرَاد بالطائفة: المسقطة للْوَاجِب.
-
وَقيل: يجب على طَائِفَة مُعينَة عِنْد الله تَعَالَى دون النَّاس.
-
وَقيل: مَا قَامَ بِهِ فَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِ.
-
وَهُوَ نَظِير الْخلاف فِي الْوَاجِب الْمُخَير.
- vol. 1, p. 879
قَوْله: {قَالَ أَصْحَابنَا [وَغَيرهم] : وَمن ظن أَن غَيره لَا يقوم بِهِ وَجب عَلَيْهِ} .
-
وَذَلِكَ لِأَن الظَّن منَاط التَّعَبُّد.
-
قَوْله: { [وَإِن] فعله الْجَمِيع مَعًا كَانَ فرضا إِجْمَاعًا} .
-
لعدم التَّمْيِيز، لَكِن رَأَيْت لإِمَام الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالا أَن يَجْعَل كمسح الرَّأْس فِي الْوضُوء دفْعَة، هَل الْفَرْض الْكل، أَو مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم؟ ثمَّ قَالَ: (وَقد يَقُول الفطن: رُتْبَة الْفَرْضِيَّة فَوق السّنيَّة، وكل مصل من الْجَمِيع يَنْبَغِي أَن لَا يحرم الْفَرْضِيَّة، وَقد قَامَ بِمَا أَمر بِهِ، وَهَذَا لطيف لَا يَصح مثله فِي الْمسْح) انْتهى.
قلت: وَقَرِيب مِمَّا قَالَ، لَو وَجب عَلَيْهِ سبع بَدَنَة فأخرجها كَامِلَة، هَل يُوصف الْكل بِالْوُجُوب، أَو السَّبع وَالْبَاقِي سنة؟ لنا فِيهِ وَجْهَان.
- vol. 1, p. 880
قَوْله: {وَيسْقط [الطّلب الْجَازِم] بِفعل من يَكْفِي كسقوط الْإِثْم إِجْمَاعًا} .
-
وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الْفِعْل، وَقد وجد، وَيَكْفِي فِي سُقُوطه غَلَبَة الظَّن، فَإِذا غلب على ظن طَائِفَة أَن غَيرهَا قَامَ بِهِ سقط، قَالَه القَاضِي، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين، والطوفي، وَغَيرهم.
قَالَ الطوفي: (لَو غلب على ظن طَائِفَة أَن غَيرهَا قَامَ بِهِ سقط عَنْهَا، وَإِن غلب على ظن كل من الطَّائِفَتَيْنِ أَو الطوائف أَن الْأُخْرَى قَامَت بِهِ سقط عَن الْجَمِيع، عملا بِمُوجب الظَّن؛ لِأَنَّهُ كَمَا يصلح مثبتاً للتكاليف يَصح مسْقطًا لَهَا) انْتهى.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ " : (وَإِن ظنت طَائِفَة قيام غَيرهَا بِهِ، وظنت أُخْرَى عَكسه، سقط عَن الأولى، وَوَجَب على الثَّانِيَة.
وَقَالَ: فلك أَن تَقول: هَذَا يشكل بِالِاجْتِهَادِ؛ فَإِنَّهُ من فروض الْكِفَايَة، وَلَا إِثْم فِي تَركه، وَإِلَّا لزم تأثيم أهل الدُّنْيَا.
-
فَإِن قيل: إِنَّمَا انْتَفَى الْإِثْم لعدم الْقُدْرَة.
-
قلتنا: فَيلْزم أَن لَا يكون فرضا) انْتهى.
- vol. 1, p. 881
{ [قيل] : الثَّانِي فرض أَيْضا، [وَجزم بِهِ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " ] ، فَلَا يُجزئ بنية [النَّفْل] [وفَاقا للشَّافِعِيَّة] } ، وذكروه أَيْضا فِي صَلَاة الْجِنَازَة مرّة أُخْرَى، [لتعيينها] بشروعه، لِأَنَّهَا شرعت لمصْلحَة، وَهِي قبُول الشَّفَاعَة، وَلم يعلم.
-
ورد: يَكْفِي الظَّن بِدَلِيل سُقُوط الْإِثْم.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (إِذا بَاشر الْجِهَاد وَقد سقط الْفَرْض، فَهَل يَقع فرضا أَو نفلا؟ علىوجهين كالوجهين فِي صَلَاة الْجِنَازَة إِذا أَعَادَهَا بعد أَن صلاهَا غَيره، وانبنى على الْوَجْهَيْنِ جَوَاز فعلهَا بعد الْعَصْر وَالْفَجْر مرّة ثَانِيَة، وَالصَّحِيح: أَن ذَلِك يَقع فرضا، وَأَنه يجوز فعلهَا بعد الْعَصْر وَالْفَجْر، وَإِن كَانَ ابْتِدَاء الدُّخُول فِيهِ تَطَوّعا كَمَا فِي التَّطَوُّع الَّذِي يلْزم بِالشُّرُوعِ، فَإِنَّهُ كَانَ نفلا ثمَّ يصير إِتْمَامه وَاجِبا) انْتهى.
- vol. 1, p. 882
فَائِدَة: من شُرُوط سُقُوط فرض الْكِفَايَة: أَن يكون فَاعله مُكَلّفا من الْآدَمِيّين، فَلَا يسْقط بِفعل مُمَيّز إِلَّا فِيمَا الْمَقْصُود حُصُوله فَقَط، كحمل الْمَيِّت وَدَفنه وَنَحْوهمَا، وَلنَا خلاف فِي الْأَذَان، وَغسل الْمَيِّت، وَغَيرهمَا، لَكِن الْمَشْهُور من الْمَذْهَب صِحَة الْأَذَان وَغسل الْمَيِّت من الْمُمَيز.