قوله فصل
80 paragraphs · vol. 1, p. 1019
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 1019
{الْمُبَاح لُغَة: الْمُعْلن والمأذون} .
-
وَالْإِبَاحَة مَأْخُوذَة من مَادَّة (الاتساع) ، وَمِنْه: باحة الدَّار، أَي: ساحتها.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْمُبَاح لُغَة: المعن والمأذون، أخذا من الْإِبَاحَة، وَهِي الْإِظْهَار والإعلان، وَمِنْه: باح بسره) انْتهى.
-
وَمِنْه: أبحت لَهُ الشَّيْء، أَي: [أطلقهُ] لَهُ.
وَقَالَ الطوفي فِي " شَرحه " : (هُوَ مُشْتَقّ من الْإِبَاحَة، وَهِي: الْإِظْهَار، وَقيل: من باحة الدَّار، وَهِي: ساحتها، وَفِيه معنى السعَة وَانْتِفَاء العائق) انْتهى.
- vol. 1, p. 1020
وَفِي " الْقَامُوس " : (أبحتك الشَّيْء: أحللته لَك، وباح: ظهر بسره، كأباحه) انْتهى.
وَقَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير " : (باح الشَّيْء بوحا - من بَاب قَالَ -: ظهر، وَيَتَعَدَّى بالحرف فَيُقَال: باح بِهِ صَاحبه، وبالهمزة - أَيْضا - فَيُقَال: أَبَاحَهُ، وأباح الرجل مَاله: أذن فِي الْأَخْذ وَالتّرْك، وَجعله مُطلق الطَّرفَيْنِ، واستباحه النَّاس: أقدموا عَلَيْهِ) انْتهى.
-
قَوْله: {وَشرعا: مَا خلا من مدح [وذم] لذاته} .
-
فقولنا: (مَا خلا من مدح وذم) ، أخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْحرَام وَالْمَكْرُوه، وخروجها بذلك وَاضح، لِأَن كلا من الْأَرْبَعَة لَا يَخْلُو من مدح أَو ذمّ، إِمَّا فِي الْفِعْل، وَإِمَّا فِي التّرْك.
-
وَلَا يبطل طرد [خِصَال] الْكَفَّارَة، وَلَا الصَّلَاة أول الْوَقْت، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء من الْخِصَال على التَّعْيِين، وَلَا من الْأَوْقَات وَاجِبا.
-
لَكِن لَا بُد فِيهِ من الْإِذْن، لِأَنَّهُ مُتَعَلق الْإِبَاحَة، فَيخرج حكم الْأَشْيَاء قبل وجود الشَّرْع، وَفعل غير الْمُكَلف، وَلذَلِك قُلْنَا: { [وَلَيْسَ مِنْهُ فعل غير الْمُكَلف، قَالَه القَاضِي وَغَيره] } ، فَإِنَّهُ
vol. 1, p. 1021قَالَ: (الْمُبَاح هُوَ كل فعل مَأْذُون فِيهِ لفَاعِله، لَا ثَوَاب لَهُ على فعله، وَلَا عِقَاب فِي تَركه) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (فِيهِ احْتِرَاز من فعل الصّبيان والمجانين والبهائم) .
-
وَسَيَأْتِي كَلَام جده.
-
نعم؛ المُرَاد بِكَوْنِهِ لَا مدح فِيهِ وَلَا ذمّ: الَّذِي شَأْنه ذَلِك، أَو يُقَال: لذاته، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَتْن، ليخرج مَا ترك بِهِ حَرَامًا؛ فَإِنَّهُ يُثَاب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْجِهَة، وَيكون وَاجِبا على رَأْي الكعبي وَأَتْبَاعه كَمَا يَأْتِي، فَإِن ذَلِك لَا يخْتَص بالمباح، وَمَا لَو ترك بِهِ وَاجِبا، فَإِنَّهُ - أَيْضا - يذم من تِلْكَ الْجِهَة.
-
وَالْمرَاد بالمدح والذم: أَن يرد مَا يدل على ذَلِك بطرِيق من الطّرق، كمدح الْفَاعِل أَو ذمه، أَو وعده أَو وعيده، أَو غير ذَلِك.
- vol. 1, p. 1022
قَوْله: {وَيُسمى: طلقا وحلالا} .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَمن أَسْمَائِهِ: الْمُطلق والحلال) .
قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي نظمه وَشَرحه: (يُسمى: مُطلقًا وحلالا) انْتهى.
-
وَالَّذِي رَأَيْته فِي " الْمُنْتَخب " للرازي، وَغَيره: (أَنه يُسمى حَلَالا وطلقا) ، بِلَا مِيم فِي طلقا.
-
وَفِي بعض نسخ " الْمُنْتَخب " : (حَلَالا طلقا) بِلَا وَاو.
وَقَالَ فِي " الْقَامُوس " : (الطلق: الْحَلَال) .
وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح الْمُنِير " : (وَشَيْء طلق - وزان حمل - أَي: حَلَال، وَافْعل هَذَا طلقا لَك، أَي: حَلَالا، وَيُقَال: الطلق: الْمُطلق الَّذِي يتَمَكَّن صَاحبه [فِيهِ] من جَمِيع التَّصَرُّفَات، فَيكون " فعل " بِمَعْنى: مفعول، مثل: الذّبْح، بِمَعْنى: الْمَذْبُوح، وأعطيته من طلق مَالِي، أَي: من حلّه، أَو من مطلقه) انْتهى.
- vol. 1, p. 1023
فيتبين بِهَذَا أَن قَول من قَالَ: مُطلقًا، تَصْحِيف.
-
أما مَا قَالَه ابْن قَاضِي الْجَبَل، فَيمكن أَن يكون من الْكَاتِب، وَهُوَ الظَّاهِر، وَيحْتَمل أَن يكون تصحف عَلَيْهِ.
-
وَأما مَا قَالَه الْبرمَاوِيّ فَلَا يحْتَمل إِلَّا الِاشْتِبَاه عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي " منظومته " :
(وَذُو الْإِبَاحَة مُبَاح جَائِز ... موسع وَمُطلق وَجَائِز)
-
فَلَا يُمكن هُنَا التَّصْحِيف من الْكَاتِب؛ لِأَن النّظم لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بإتيان الْمِيم، فَعلمنَا أَنه قصد ذَلِك، وَصرح بذلك فِي شَرحه، وَالله أعلم.
-
وَأما قَوْلهم: يُقَال للطلق مُطلق، فإطلاق مِنْهُم الْمُطلق على الطلق، لَا أَنهم سموا الْمُبَاح مُطلقًا، إِلَّا إِذا ارتكبوا الْمجَاز بدرجتين، وَمَا الَّذِي اضْطر إِلَى ذَلِك، خُصُوصا للمصنفين، ولعلهم أَرَادوا: الْمُطلق من كل قيد، فَتخرج الْأَحْكَام الْأَرْبَعَة وَيبقى الْمُبَاح، وَهُوَ بعيد، وَالْأولَى اتِّبَاع اللُّغَة فِي ذَلِك.
-
قَوْله: {وَيُطلق هُوَ والحلال على [غير] الْحَرَام} .
-
{ [فَيعم] } الْأَحْكَام { [الْأَرْبَعَة] } ، وَهِي: الْوَاجِب، وَالْمَنْدُوب، وَالْمَكْرُوه، والمباح، لَكِن الْمُبَاح يُطلق على الثَّلَاثَة، والحلال على الْأَرْبَعَة.
- vol. 1, p. 1024
فَيُقَال للْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه: مُبَاح.
-
وَيُقَال لهَذِهِ الثَّلَاثَة وللمباح: حَلَال.
-
لَكِن إِطْلَاق الْمُبَاح على مَا اسْتَوَى طرفاه هُوَ الأَصْل، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا} [يُونُس: ٥٩] .
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وسلك بعض الْعلمَاء ذَلِك فِي تَقْسِيم الحكم، فَقَالَ: الحكم قِسْمَانِ: تَحْرِيم، وَإِبَاحَة.
-
وَفِي " تَعْلِيقه " الشَّيْخ أبي حَامِد فِي كتاب النِّكَاح: (إِنَّهَا ثَلَاثَة: إِيجَاب، وحظر، وَإِبَاحَة) انْتهى، وَيَأْتِي حكم الْجَائِز.
-
قَوْله: {وَلَيْسَ جِنْسا للْوَاجِب - فِي الْأَصَح - بل هما نَوْعَانِ للْحكم} .
-
اخْتلفُوا فِي الْمُبَاح: هَل هُوَ جنس للْوَاجِب، أم نَوْعَانِ للْحكم؟
-
فَذهب طَائِفَة إِلَى الأول، وَذهب طَائِفَة أُخْرَى إِلَى الثَّانِي، وَهُوَ الصَّحِيح.
-
فَالْوَاجِب والمباح نَوْعَانِ مندرجان تَحت جنس، وَهُوَ فعل الْمُكَلف الَّذِي تعلق بِهِ الحكم الشَّرْعِيّ، وتسميته بالحكم مجَازًا.
- vol. 1, p. 1025
وَدَلِيله: أَنه لَو كَانَ الْمُبَاح جِنْسا للْوَاجِب؛ لاستلزام النَّوْع - أَعنِي: الْوَاجِب - التَّخْيِير بَين فعله وَتَركه، والتالي ظَاهر الْفساد، فالمقدم مثله.
-
بَيَان الْمُلَازمَة: أَن الْمُبَاح مُسْتَلْزم للتَّخْيِير، وَإِذا كَانَ الْجِنْس مستلزما للتَّخْيِير، فَيكون الْوَاجِب - وَهُوَ نَوعه - مستلزما للتَّخْيِير.
-
الْقَائِلُونَ بِكَوْن الْمُبَاح جِنْسا للْوَاجِب قَالُوا: الْمُبَاح وَالْوَاجِب مَأْذُون فيهمَا، واختص بفصل: الْمَنْع من التّرْك، والمأذون الَّذِي هُوَ حَقِيقَة الْمُبَاح مُشْتَرك بَين الْوَاجِب وَغَيره، فَيكون جِنْسا لَهُ.
-
أُجِيب: بأنكم تركْتُم فصل الْمُبَاح، لِأَن الْمُبَاح لَيْسَ هُوَ الْمَأْذُون فَقَط، بل الْمَأْذُون مَعَ عدم الْمَنْع من التّرْك، والمأذون بِهَذَا الْقَيْد، لَا يكون مُشْتَركا بَين الْوَاجِب وَغَيره، بل يكون مباينا للْوَاجِب.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر " : (وَالْحق أَن النزاع لَفْظِي؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بالمباح الْمَأْذُون فَقَط، فَلَا شكّ أَنه مُشْتَرك بَين الْوَاجِب وَغَيره، فَيكون جِنْسا، وَإِن أُرِيد بالمباح الْمَأْذُون مَعَ عدم الْمَنْع من التّرْك، فَلَا شكّ أَنه يكون نوعا مباينا للْوَاجِب، فَلم يكن جِنْسا) انْتهى.
-
وَأَخذه من كَلَام الْآمِدِيّ، فَإِنَّهُ اخْتَار: (أَن الْمُبَاح لَيْسَ دَاخِلا فِي مُسَمّى الْوَاجِب، وَأَنَّهَا لفظية، فَإِن أُرِيد مَا أذن فِيهِ مُطلقًا فجنس للْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَإِن أُرِيد مَا أذن فِيهِ وَلَا ذمّ فَلَيْسَ بِجِنْس) انْتهى.
-
وَظَاهر كَلَام كثير من الْعلمَاء: أَن الْخلاف معنوي.
vol. 1, p. 1026وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هِيَ لفظية، لِأَن من قَالَ: الْمُبَاح مَا خير فِيهِ بَين فعله وَتَركه من غير تَرْجِيح، قَالَ: لَيْسَ جِنْسا وَإِلَّا لاستلزم النَّوْع لاستلزام الْخَاص الْعَام، وَهُوَ منَاف للْوُجُوب.
-
وَمن قَالَ: الْمُبَاح: مَا أذن فِيهِ، قَالَ: هُوَ جنس للْوَاجِب لاشْتِرَاكهمَا وَغَيرهمَا كالمندوب وَالْمَكْرُوه فِي الْمَعْنى، واختصاص الْوَاجِب بامتناع التّرْك، وَالْمَنْدُوب بمرجوحيته، وَالْمَكْرُوه برجحانه) انْتهى.
-
قَوْله: {وَلَا مَأْمُورا بِهِ عِنْد الْأَرْبَعَة [وَغَيرهم] ، وَخَالف الكعبي وَأَصْحَابه} .
-
وَنقل الباقلاني وَالْغَزالِيّ عَنهُ: (أَنه مَأْمُور بِهِ دون الْمَنْدُوب، كمرتبة الْمَنْدُوب إِلَى الْوَاجِب) .
-
دَلِيل الأول - وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة -: الْأَمر يسْتَلْزم تَرْجِيح الْفِعْل،
vol. 1, p. 1027وَلَا تَرْجِيح فِي الْمُبَاح، وَلِأَن فِي الشَّرِيعَة مُبَاحا غير مَأْمُور بِهِ إِجْمَاعًا.
قَالَ الكعبي: كل مُبَاح ترك حرَام، وَترك الْحَرَام وَاجِب، وَلَا يتم إِلَّا بِأحد أضداده، وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَاجِب.
-
وَتَأَول الْإِجْمَاع بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْفِعْل دون تعلق الْأَمر بِهِ، بِسَبَب توقف ترك الْحَرَام عَلَيْهِ، جمعا بَين الْأَدِلَّة.