أنه ثمل لكن في تكليفه إشكال من حيث إنه يلزم أن يكون مكلفا بالعبادات كلها ومنها الصلاة ومكلفا بأن لا يصلي لهذه الآية وهما متنافيان ويمكن الجواب بأنه منهي عن قربان الصلاة وهو سكران ثم يزيل السكر ويصلي كما يؤمر من هو
18 paragraphs · vol. 1, p. 1191
- vol. 1, p. 1191
وَأما الثَّالِث، فَلِأَنَّهُ يلْزم أَن من بِهِ مباديء النشاة وَله تَمْيِيز تحرم عَلَيْهِ الصَّلَاة، وَهُوَ بَاطِل، على أَن لفظ الثمل لَيْسَ هُوَ كَمَا [فهم] من حملهَا على النشوان الَّذِي فِيهِ أَوَائِل الطَّرب، فَإِنَّهُ خلاف قَول أهل اللُّغَة إِن الثمل: هُوَ الطافح، وَلذَلِك جَاءَ فِي حَدِيث حَمْزَة: " فَعرف النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه ثمل " .
-
لَكِن فِي تَكْلِيفه إِشْكَال، من حَيْثُ إِنَّه يلْزم أَن يكون مُكَلّفا بالعبادات كلهَا، وَمِنْهَا الصَّلَاة، ومكلفا بِأَن لَا يُصَلِّي لهَذِهِ الْآيَة، وهما متنافيان.
-
وَيُمكن الْجَواب: بِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَن قرْبَان الصَّلَاة وَهُوَ سَكرَان، ثمَّ يزِيل السكر وَيُصلي، كَمَا يُؤمر من هُوَ مُحدث بِإِزَالَة الْحَدث وَيُصلي، مَعَ أَنه مَنْهِيّ عَن الصَّلَاة حَال [حَدثهُ] ، فَهُوَ مَأْمُور مَنْهِيّ باعتبارين، فَإِن كَانَ إِزَالَته
vol. 1, p. 1192لَيست مقدورة لَهُ، فَهُوَ معاقب تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، لِأَن التَّفْرِيع على كَونه لَيْسَ عَاقِلا، وَأَنه تعلق بِهِ الْخطاب، غَايَته - هُنَا - أَن يكون مُكَلّفا بِمَا لَا يطيقه، فَهُوَ من جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال، وَالله أعلم.
-
وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على تَكْلِيفه: أَن النَّص لم يذكرهُ فِي جملَة من رفع عَنهُ الْقَلَم.
وَقَالَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -: (إِذا سكر هذى، وَإِذا هذى افترى، وعَلى المفتري ثَمَانُون جلدَة) إِسْنَاده جيد، رَوَاهُ مَالك وَالدَّارَقُطْنِيّ.
-
وَجمع عمر أَصْحَابه - رَضِي الله عَنْهُم - فاستشارهم، فَقَالَ عَليّ: (إِذا سكر افترى) رَوَاهُ أَحْمد.
- vol. 1, p. 1194
وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره: (وُقُوع طَلَاقه من بَاب ربط الْأَحْكَام بالأسباب) .
-
قَوْله: {كمعذور بِهِ، [أَو مغمى عَلَيْهِ] وآكل بنج، نصا، ونائم، وناس، وَفِي " الْمقنع " : ومخط، فِي الْأَصَح فِيهِنَّ} .
-
ذكرنَا فِي هَذِه الْجُمْلَة مسَائِل لَا يُكَلف صَاحبهَا على الْأَصَح من الْمَذْهَب.
-
إِحْدَاهَا: الْمَعْذُور بالسكر - كالمكره عَلَيْهِ - هَل يُكَلف أم لَا؟
-
فِيهِ خلاف، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَن حكمه حكم الْمغمى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُون فِي تَكْلِيفه وَعَدَمه، على مَا يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (فَدلَّ: أَن السكر لَا يزِيل الْعقل، لكنه يغطيه: كالنوم وَالْإِغْمَاء، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم، وَفِي كَلَام أَصْحَابنَا مَا يدل على خلاف ذَلِك) .
- vol. 1, p. 1195
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي " الْجَامِع الْكَبِير " فِي كتاب الطَّلَاق: (فَأَما إِن أكره على شربهَا، احْتمل أَن يكون حكمه حكم الْمُخْتَار، لما فِيهِ من اللَّذَّة، وَاحْتمل أَن لَا يكون حكمه حكم الْمُخْتَار لسُقُوط المأثم عَنهُ وَالْحَد.
قَالَ: وَإِنَّمَا يخرج هَذَا على الرِّوَايَة الَّتِي تَقول: إِن الْإِكْرَاه يُؤثر فِي شربهَا، فَأَما إِن قُلْنَا: إِن الْإِكْرَاه لَا يُؤثر فِي شربهَا فَحكمه حكم الْمُخْتَار) انْتهى.
-
الثَّانِيَة: الْمغمى عَلَيْهِ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه غير مُكَلّف حَال إغمائه، بل هُوَ أولى من السَّكْرَان الْمُكْره فِي عدم التَّكْلِيف، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد.
-
وَقيل: مُكَلّف.
- vol. 1, p. 1196
فالمغمى عَلَيْهِ فرع مُتَرَدّد بَين النَّائِم وَالْمَجْنُون، فبالنظر إِلَى كَون عقله لم يزل، بل ستره الْإِغْمَاء فَهُوَ كالنائم، وَلِهَذَا قيل: بِأَنَّهُ إِذا شم البنج أَفَاق، وبالنظر إِلَى كَونه إِذا نبه لم ينتبه يشبه الْمَجْنُون، وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِهِ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه مُلْحق فِي الْأَحْكَام بالنائم.
-
وَفِيه أَحْكَام كَثِيرَة ذكرهَا فِي " قَوَاعِد الْأُصُول " .
-
الثَّالِثَة: آكل البنج، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: إِن أكله لغيره حَاجَة - إِذا زَالَ الْعقل - كَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَقع طَلَاق من تنَاوله، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، لِأَنَّهُ لَا لَذَّة فِيهِ، وَفرق الإِمَام أَحْمد بَين آكله وَبَين شَارِب الْخمر، فألحقه بالمجنون.
-
وَعنهُ: هُوَ كَالسَّكْرَانِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين.
vol. 1, p. 1197قَالَ: (لِأَنَّهُ قصد إِزَالَة الْعقل بِسَبَب محرم) .
وَقَالَ القَاضِي فِي " الْجَامِع الْكَبِير " : (إِن زل عقله بالبنج نظرت، فَإِن تداوى بِهِ فَهُوَ مَعْذُور، وَيكون الحكم فِيهِ كَالْمَجْنُونِ، وَإِن تنَاول مَا يزِيل عقله لغير حَاجَة كَانَ حكمه كَالسَّكْرَانِ) .
-
وَالرَّابِعَة، وَالْخَامِسَة: النَّائِم وَالنَّاسِي، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنَّهُمَا غير مكلفين حَال النّوم وَالنِّسْيَان؛ [لِأَن] الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ الْمعِين على وَجه الِامْتِثَال يتَوَقَّف على الْعلم بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ، لِأَن الِامْتِثَال: عبارَة عَن قصد إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ على وَجه الطَّاعَة، وَيلْزم من ذَلِك علم الْمَأْمُور بتوجه الْأَمر نَحوه وبالفعل، فَهُوَ مُسْتَحِيل عقلا لعدم الْفَهم، كَمَا تقدم فِي السَّكْرَان، بِدَلِيل عدم تحرزهم من المضار وَقصد الْفِعْل بلطف ومداراة، بِخِلَاف الطِّفْل وَالْمَجْنُون، فَإِنَّهُمَا يفهمان ويقصدان الْفِعْل عِنْد التلطف بهما، ويحترزان من المضار، بل والبهيمة كَذَلِك.