رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان

31 paragraphs · vol. 1, p. 1198

  1. ويخص النَّائِم وَالنَّاسِي لقَوْل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " رفع الْقَلَم عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ " ، و " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان " .

    vol. 1, p. 1198
  2. وَألْحق ابْن حمدَان فِي " مقنعه " المخطيء بهما، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد نَص عَلَيْهِ صَاحب الشَّرِيعَة - صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ - وَقَوله تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ} [الْأَحْزَاب: ٥] ، وَهُوَ معنى الحَدِيث، والْحَدِيث فِيهِ ضعف.

    فَقَالَ فِي " الْمقنع " : (المخطيء غير مُكَلّف بِمَا هُوَ مخط فِيهِ.

    ثمَّ قَالَ: قلت: فالنائم والمغمى عَلَيْهِ أَسْوَأ حَالا من المخطيء، فَلَا يكلفان، وَالْقَضَاء إِن وَجب فبخطاب وضع وإخبار، لوُجُود سَببه فِي حَقّهمَا، وَهُوَ الْأَهْلِيَّة الْقَرِيبَة حصولا، حَقِيقَة، لَا بِأَمْر أول أَو ثَان) .

    vol. 1, p. 1199
  3. فَائِدَة: المخطيء: اسْم فَاعل من أَخطَأ يخطيء إخطاء خلاف الْعمد، وَاسم الْمصدر: الْخَطَأ - بِفَتْح الْخَاء والطاء -، وَأما خطيء - بِكَسْر الطَّاء - يخطأ بِفَتْحِهَا، بِوَزْن علم يعلم - فَمَعْنَاه: أَثم، والمصدر: الخطء - بِكَسْر الْخَاء

    vol. 1, p. 1200وَسُكُون الطَّاء -، قَالَ الله تَعَالَى: {إِن قَتلهمْ كَانَ خطئا كَبِيرا} [الْإِسْرَاء: ٣١] ، أَي: إِثْمًا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر لنا ذنوبها إِنَّا كُنَّا خاطئين} [يُوسُف: ٩٧] ، وَقد يُطلق الخاطيء بِمَعْنى المخطيء.

  4. قَوْله: {وَالْمكْره الْمَحْمُول كالآلة غير مُكَلّف، عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر} .

  5. وَهُوَ مِمَّا لَا يُطَاق.

    قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (إِذا انْتهى الْإِكْرَاه إِلَى سلب الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار، فَهَذَا غير مُكَلّف إِجْمَاعًا) انْتهى.

    vol. 1, p. 1201وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: مُكَلّف، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " .

  6. {وَلنَا وَجه: [أَنه إِذا حلف: لَا يفعل كَذَا، فأكره على فعله حَتَّى بَقِي كالآلة، فَإِنَّهُ يَحْنَث] } ، وَحكي رِوَايَة عَن أَحْمد.

    قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَذكر بعض أَصْحَابنَا وَجها، وَبَعْضهمْ رِوَايَة فِي الْيَمين: يَحْنَث) .

    vol. 1, p. 1202
  7. وَحكى الطوفي فِي " مُخْتَصره " عَن الْأَصْحَاب: أَنه مُكَلّف مُطلقًا كالحنفية.

    قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَهُوَ سَهْو) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.

  8. وحكاية ابْن قَاضِي الْجَبَل الْإِجْمَاع فِيهِ نظر أَيْضا، إِلَّا أَن يُرِيد أَنه غير مأثوم، فَمُسلم.

    وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (الْمُكْره كالآلة يمْتَنع تَكْلِيفه، قيل: بِاتِّفَاق، لَكِن الْآمِدِيّ أَشَارَ إِلَى أَن تطرقه الْخلاف من التَّكْلِيف بالمحال، لتصور الِابْتِلَاء مِنْهُ، بِخِلَاف الغافل.

  9. وَفِي مَذْهَبنَا وَجه أَن الصَّائِم إِذا أوجر مكْرها يفْطر، لَكِن لَيْسَ لكَونه مُكَلّفا، بل لِأَن الْفطر عِنْده: مَا يصل إِلَى الْجوف مُطلقًا، فَيرجع إِلَى خطاب الْوَضع، فَلَا تَكْلِيف بِفعل الملجأ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِب الْوُقُوع، وَلَا بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنع) .

    vol. 1, p. 1203
  10. قَوْله: {وبالتهديد وَالضَّرْب مُكَلّف عندنَا وَعند الْأَكْثَر خلافًا للمعتزلة والطوفي} .

  11. وَالْمذهب: الأول - وَهُوَ مَذْهَب أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم: الشَّافِعِيَّة، وَغَيرهم - لصِحَّة الْفِعْل مِنْهُ وَتَركه، وَنسبَة الْفِعْل إِلَيْهِ حَقِيقَة، وَلِهَذَا يَأْثَم الْمُكْره بِالْقَتْلِ بِلَا خلاف، قَالَه الْمُوفق فِي " الْمُغنِي " ، مَعَ أَنه علل أحد الْقَوْلَيْنِ لنا وللشافعية فِيمَا إِذا علق طَلَاقا بقدوم زيد، فَقدم مكْرها: لَا يَحْنَث، لزوَال اخْتِيَاره بِالْإِكْرَاهِ.

  12. وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة والطوفي - من أَصْحَابنَا - إِلَى أَنه غير مُكَلّف.

    فَقَالَ فِي " مُخْتَصره " : (وَالْعدْل الظَّاهِر الشَّرْعِيّ، يَقْتَضِي عدم تَكْلِيفه) .

    vol. 1, p. 1204وَقَالَ قبل ذَلِك فِي بِنَاء الْمَسْأَلَة: (وَالْحق: أَن الْخلاف فِيهِ مَبْنِيّ على خلق الْأَفْعَال، وَمن رَآهَا خلق الله قَالَ بتكليف الْمُكْره، إِذْ جَمِيع الْأَفْعَال وَاجِبَة بِفعل الله تَعَالَى، فالتكليف بإيجاد الْمَأْمُور بِهِ مِنْهَا، وَترك الْمنْهِي، غير مَقْدُور، وَهَذَا أبلغ، وَمن لَا فَلَا) انْتهى.

    قَالَت الْمُعْتَزلَة: (لَا يجوز تَكْلِيفه بِعبَادة، لِأَن من أصلهم وجوب إثابة الْمُكَلف، والمحمول على الشَّيْء لَا يُثَاب عَلَيْهِ) .

  13. وَأطلق جمَاعَة عَنْهُم: لَا يُكَلف، وألزمهم الباقلاني: الْإِكْرَاه على الْقَتْل.

    قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: (وَهِي هفوة عَظِيمَة؛ لأَنهم لم يمنعوا النَّهْي عَن الشَّيْء مَعَ الْإِكْرَاه، بل الِاضْطِرَار إِلَى فعل شَيْء مَعَ الْأَمر بِهِ) .

  14. فَمحل الْخلاف فِي التَّكْلِيف بِعَين الْمُكْره عَلَيْهِ، وَتَحْرِيم الْقَتْل تَكْلِيف بِتَرْكِهِ.

  15. وَفِي كَلَام أبي الْمَعَالِي نظر، لِأَن القَاضِي إِنَّمَا رد عَلَيْهِم بذلك، لِأَن

    vol. 1, p. 1205الْقُدْرَة عِنْدهم شَرط فِي تَكْلِيفه، وَلَا تتَحَقَّق إِلَّا بِأَن يقدر على الشَّيْء وضده عِنْدهم أَيْضا، فتحريم الْقَتْل الَّذِي أكره عَلَيْهِ دَلِيل على أَنه قَادر، فَلَا وَجه لمنعهم التَّكْلِيف بِعَين الْمُكْره عَلَيْهِ مُطلقًا، هَذَا كُله معنى كَلَام ابْن التلمساني.

    وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَأما الْمُكْره غير الملجأ فَلَا يمْتَنع تَكْلِيفه، وَمُقَابِله ينْقل عَن الْحَنَفِيَّة، وَرُبمَا نقل عَن الْمُعْتَزلَة، لَكِن الأثبت فِي النَّقْل عَنْهُم، كَمَا قَالَ ابْن التلمساني، أَنه يمْتَنع التَّكْلِيف بِفعل الْمُكْره، لاشْتِرَاط كَون الْمَأْمُور بِهِ بِحَيْثُ يُثَاب عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُثَاب هُنَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ لداعي الْإِكْرَاه لَا لداعي الشَّرْع، وَلَا يمْتَنع التَّكْلِيف بِتَرْكِهِ، فَإِنَّهُ إِذا ترك كَانَ أبلغ فِي إِجَابَة دَاعِي الشَّرْع) .

  16. تَنْبِيه: هَذِه الْمَسْأَلَة مُخْتَلفَة الحكم فِي الْفُرُوع فِي الْمَذْهَب، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْوَال، وَالْأَفْعَال، فِي حق الله وَحقّ العَبْد، على مَا لَا يخفى، وَالْأَشْهر عندنَا: نَفْيه فِي حق الله تَعَالَى، وثبوته فِي حق العَبْد.

  17. وَضَابِط الْمَذْهَب - أَيْضا -: أَن الْإِكْرَاه لَا يُبِيح [الْأَفْعَال، وَإِنَّمَا

    vol. 1, p. 1206يُبِيح] الْأَقْوَال، وَإِن اخْتلف فِي بعض الْأَفْعَال، وَاخْتلف التَّرْجِيح.

  18. وَلِصَاحِب الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة مسَائِل فِي ذَلِك كَثِيرَة، مُخْتَلفَة الْأَحْكَام.

  19. قَوْله: {ويبيح الْإِكْرَاه مَا قبح ابْتِدَاء، خلافًا للمعتزلة} .

  20. بِنَاء مِنْهُم على التحسين والتقبيح العقليين، وَقد مضى الْكَلَام فِي ذَلِك بِمَا فِيهِ مقنع.

  21. وَاسْتدلَّ الْجَمَاعَة لذَلِك: بِإِبَاحَة كلمة الْكفْر بِالْإِكْرَاهِ بِالْآيَةِ، وبالإجماع، وَفِيهِمَا كِفَايَة.

  22. قَوْله: {وَالْمكْره بِحَق مُكَلّف، عِنْد الْأَرْبَعَة وَغَيرهم} .

    vol. 1, p. 1207
  23. وَقد ذكر الْفُقَهَاء فِي الْأَحْكَام من البيع وَغَيره، وَمن ذَلِك إِكْرَاه الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ على الْإِسْلَام، فَإِنَّهُ يَصح مِنْهُمَا، وهما مكلفان بذلك، وإكراه الْحَاكِم الْمَدْيُون بِالْوَفَاءِ مَعَ الْقُدْرَة، وَنَحْو ذَلِك من الْأَحْكَام.

  24. {فَائِدَة [تتَعَلَّق بهَا] :} قَالَ الإِمَام {أَحْمد و [أَكثر الْعلمَاء] : (لَا يجب على الله [تَعَالَى] شَيْء) .

    vol. 1, p. 1208قَالَ ابْن عقيل [وَغَيره] : (لَا عقلا وَلَا شرعا) .

    وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَجمع [من] أَصْحَابنَا وَغَيرهم: (يجب عَلَيْهِ شرعا بفضله وَكَرمه) ، وَحكي عَن أهل السّنة.

    قَالَ الشَّيْخ [تَقِيّ الدّين] : (أَكثر النَّاس يثبت استحقاقا زَائِدا على مُجَرّد الْوَعْد) .

  25. وَعند الْمُعْتَزلَة: يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْأَصْلَح} .

  26. وَجه تعلق هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة الْإِكْرَاه: أَن الله تَعَالَى توعد العَاصِي، وتارك الْوَاجِب عَلَيْهِ من الْعِبَادَات وَغَيرهَا بالعقوبة، ووعد الْمُطِيع، وفاعل الْوَاجِب عَلَيْهِ من الْعِبَادَات وَغَيرهَا بالثواب، وَكَذَلِكَ فَاعل المستحبات، فَلَا يُقَال: [إِن من يتوعده] تَعَالَى يكون الْفَاعِل مكْرها كَمَا لَو أكرهه أحد من النَّاس على ذَلِك، هَذَا مَا ظهر لي من ذَلِك، فَإِن ابْن مُفْلِح أَدخل هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مَسْأَلَة الْمُكْره.

  27. إِذا علم ذَلِك: فَأكْثر أهل السّنة قَالُوا: لَا يجب على الله تَعَالَى شَيْء، مِنْهُم: الإِمَام أَحْمد، وَغَيره من الْأَئِمَّة وأتباعهم، بل يثيب الْمُطِيع بفضله

    vol. 1, p. 1209وَرَحمته وَكَرمه، حَتَّى قَالَ ابْن عقيل وَغَيره من الْعلمَاء: (لَا يجب على الله [شَيْء] لَا عقلا وَلَا شرعا) .

    قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَمعنى كَلَام جمَاعَة من أَصْحَابنَا: أَنه يجب عَلَيْهِ شرعا بفضله وَكَرمه، وَلِهَذَا أوجبوا إِخْرَاج الْمُوَحِّدين من النَّار بوعده) .

    قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ} [الرّوم: ٤٧] : (أَي: وَاجِبا أوجبه هُوَ) .

  28. وَذكره بعض الشَّافِعِيَّة عَن أهل السّنة.

    وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (أَكثر النَّاس يثبت استحقاقا زَائِدا على مُجَرّد الْوَعْد، لهَذِهِ الْآيَة، وَلِحَدِيث معَاذ: " أَتَدْرِي مَا حق الله على الْعباد، وَمَا حق الْعباد على الله " .

  29. وَعند الْمُعْتَزلَة: يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْأَصْلَح، وَهِي قَاعِدَة من قواعدهم، وَلِهَذَا قَالُوا هُنَا: لَا يجوز تَكْلِيف الْمُكْره بِعبَادة، لِأَن من أصلهم: وجوب إثابة الْمُكَلف، والمحمول على الشَّيْء كرها لَا يُثَاب عَلَيْهِ.

    vol. 1, p. 1210
  30. وَعِنْدنَا وَعند الْأَكْثَر: لَا يقف الْأَمر على الْمصلحَة، بل يجوز أَن يَأْمر بِمَا لَا مصلحَة فِيهِ للْمَأْمُور، وَلَكِن التَّكْلِيف إِنَّمَا وَقع على وَجه الْمصلحَة، بِنَاء على أَنه قد يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد كَونه، وَأَنه لَا يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الصّلاح والأصلح، وَأَنه سُبْحَانَهُ لَا يقبح مِنْهُ شَيْء، بل يفعل مَا يَشَاء.

  31. هَذَا كَلَام القَاضِي، نَقله الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، وَذكر مَأْخَذ الْمَسْأَلَة وَطوله فِي " المسودة " .