وما به الإرشاد هو كتاب الله وسنة رسوله
54 paragraphs · vol. 1, p. 196
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 204
أَحدهمَا: الْحَاصِل من الْفرق بَين تَعْرِيف الدَّلِيل على رَأْي الْفُقَهَاء، وتعريفه على رَأْي المناطقة: أَن الدَّلِيل عِنْد المناطقة / هُوَ الْمَادَّة وَالصُّورَة وَعند غَيرهم هُوَ الْمَادَّة فَقَط، فَإِذا أُرِيد الدَّلِيل على إِثْبَات الصَّانِع بحدوث مصنوعه - وَهُوَ الْعَالم - كَانَ مَجْمُوع قَوْلنَا: (الْعَالم حَادث وكل حَادث لَهُ صانع) هُوَ الدَّلِيل على أَن الْعَالم لَهُ صانع عِنْد المناطقة، وَالدَّلِيل عِنْد غَيرهم (الْعَالم) فَقَط؛ لِأَن النّظر فِيهِ يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب، أما بعد أَن يَتَرَتَّب وَيحصل الْمَطْلُوب [فَكيف] يكون دَلِيلا؟ وَرجح رَأْي المناطقة؛ بِأَن النّظر إِلَى دلَالَة الشَّيْء بِالْفِعْلِ أقوى من النّظر إِلَيْهِ بِاعْتِبَار دلَالَته بِالْقُوَّةِ، وَالله أعلم.
-
الثَّانِي: إِذا كَانَ مُقَدمَات الدَّلِيل كلهَا قَطْعِيَّة لم ينْتج إِلَّا [قَطْعِيا] ، وَيُسمى حِينَئِذٍ برهاناً، كَمَا تقدم فِي: (الْعَالم حَادث) ، وَإِن كَانَت مقدماته كلهَا أَو بَعْضهَا ظنية لم ينْتج إِلَّا ظنياً؛ لِأَن النتيجة دَائِما تتبع أدون المقدمتين.
-
مِثَاله: الْوضُوء عبَادَة، وكل عبَادَة بنية، ينْتج: أَن الْوضُوء بنية.
-
وَمِثَال مَا [إِحْدَى] مقدماته قَطْعِيَّة وَالْأُخْرَى ظنية: قَوْلنَا: صَلَاة الظّهْر فرض، وكل فرض يشرع لَهُ الْأَذَان، فَصَلَاة الظّهْر يشرع لَهَا الْأَذَان، فَالْأولى قَطْعِيَّة وَالثَّانيَِة ظنية.
- vol. 1, p. 205
قَوْله: {وَيحصل الْمَطْلُوب عقبه عَادَة [مكتسباً] ، وَقيل: ضَرُورَة} .
-
اخْتلف المتكلمون فِي حُصُول الْمَطْلُوب بعد الْإِتْيَان بِالدَّلِيلِ، هَل هُوَ مكتسب أَو ضَرُورِيّ؟ على قَوْلَيْنِ:
ذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنه مكتسب بقدرة حَادِثَة، وَعَلِيهِ أَكثر الأشاعرة.
-
وَذهب الْأُسْتَاذ وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " الْبُرْهَان " [إِلَى] أَنه وَاقع بقدرة الله اضراراً، إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لأمكنه تَركه، وَلَا يُمكنهُ تَركه، فَدلَّ أَنه اضطراري.
قلت: هَذِه الْمَسْأَلَة قريبَة من مَسْأَلَة التَّوَاتُر وَحُصُول الْعلم بِهِ، وَالصَّحِيح هُنَاكَ أَن خبر التَّوَاتُر لَا يُولد الْعلم، وَيَقَع عِنْده بِفعل الله تَعَالَى عِنْد الْفُقَهَاء وَغَيرهم، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
-
وَقد أَطَالَ الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " هُنَا، وَذكر أَن فِي الْمَسْأَلَة
vol. 1, p. 206/ ثَلَاثَة أَقْوَال، قَول الأشاعرة، وَقَول الْمُعْتَزلَة، وَقَول الفلاسفة، فَقَالَ: قَالَت الأشاعرة: يجب عَادَة لَا عقلا، إِذْ لَا وجوب وَلَا إِيجَاب على الله تَعَالَى، لَكِن جرت الْعَادة بِأَن يفِيض على نفس الْمُسْتَدلّ - بعد النّظر الصَّحِيح مَادَّة وَصُورَة - مَطْلُوبَة الَّذِي توجه إِلَى تَحْصِيله.
-
وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن حُصُوله بالتوليد، والتوليد هُوَ: أَن يُوجد وجود شَيْء وجود شَيْء آخر، كالنظر هُنَا فَإِنَّهُ وجد من النَّاظر بِلَا وَاسِطَة، وبواسطته تولد مِنْهُ الْمَطْلُوب، فالنظر فعل النَّاظر من غير وَاسِطَة، والنتيجة الْحَاصِلَة بعده فعله بِوَاسِطَة، فيسمى توليداً، فعندهم كل فعل صدر عَن الْحَيَوَان بِلَا وَاسِطَة يُسمى: مُبَاشرَة، وكل فعل احْتَاجَ فِي صدوره إِلَى وَاسِطَة: توليداً.
-
وَذَهَبت الفلاسفة إِلَى اللُّزُوم الْعقلِيّ، أَي: بعد اشْتِمَال النّظر على الشَّرَائِط الْمُعْتَبرَة لَا يجوز التَّخَلُّف بِوَجْه، لما تقرر عِنْدهم من أَن المبدأ [تَمام] الْفَيْض، وَالنَّفس بِوَاسِطَة الْمُقدمَات الْمرتبَة الْمُشْتَملَة على شَرَائِط الصِّحَّة مَادَّة وَصُورَة [قد] استعدت لقبُول الْفَيْض، فَلَا يجوز التَّخَلُّف، إِذْ لَا مَانع من الطَّرفَيْنِ.
-
وَالْجَوَاب: أَن الْمُخْتَار لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، وَقد أثبتنا فِي مَحَله أَنه مُخْتَار سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
-
وَمِمَّا يجب التَّنْبِيه لَهُ: أَن الْمُعْتَزلَة وَإِن قَالُوا بالتوليد لَكِن وافقوا الفلاسفة، إِذْ التوليد لَازم للمباشرة، كحركة الْمِفْتَاح بحركة الْيَد) .
vol. 1, p. 207ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: (لَا خلاف عِنْدهم فِي أَن الْعلم الْحَاصِل - أَو الظَّن - بعد النّظر فِي الدَّلِيل مكتسب، لِأَن كل استدلالي [كسبي] وَلَا عكس، وَمَا نقل عَن بعض الْمَشَايِخ: أَن الْعلم الْحَاصِل بعد النّظر ضَرُورِيّ، مَعْنَاهُ: انه لَا تَأْثِير لقدرة العَبْد فِيهِ، لَا أَنه لَا يحْتَاج إِلَى [الْكسْب] ، إِذْ كل نَظَرِي كسبي إِجْمَاعًا، / وَلَا عكس) انْتهى.
-
وَقَوْلنَا: (وَيحصل الْمَطْلُوب) ، أولى من قَول من قَالَ: (وَيحصل الْعلم) ؛ لِأَن الْمَطْلُوب يَشْمَل الْعلم وَالظَّن، لِأَن الدَّلِيل مُشْتَمل على كل مِنْهُمَا كَمَا تقدم، بِخِلَاف من قَالَ: الْعلم، فَإِنَّهُ يخرج من ذَلِك الظَّن.
-
قَوْله: {والمستدل: الطَّالِب للدليل من سَائل ومسؤول، قَالَه} القَاضِي {فِي " الْعدة " و} ، أَبُو الْخطاب فِي { " التَّمْهِيد " و} ، ابْن عقيل فِي { " الْوَاضِح " } .