قوله فصل

76 paragraphs · vol. 1, p. 218

Page 1 of 2

  1. {الْعلم يحد عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر، فَفِي " الْإِرْشَاد " معرفَة الشَّيْء، وَفِي " الْعدة " ، و " التَّمْهِيد " ، والباقلاني: معرفَة [الْمَعْلُوم] ، وَفِي " الْوَاضِح: إِدْرَاك الْأُمُور بحقائقها، وأصحها مَا فِي " الْمقنع " وَغَيره: صفة يُمَيّز [المتصف] بهَا تمييزاً جَازِمًا مطابقاً} .

    vol. 1, p. 218
  2. اخْتلف الْعلمَاء فِي الْعلم، هَل يحد أم لَا؟

  3. فَذهب الْأَكْثَر إِلَى أَنه يحد، وَلَهُم فِيهِ حُدُود كَثِيرَة لَا تحصر، وَلَا يسلم أَكْثَرهَا من خدش وتزييف.

    vol. 1, p. 219
  4. وَقد ذكر أَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل، وَغَيرهمَا، من ذَلِك حدوداً كَثِيرَة وزيفوها.

  5. وَمِمَّنْ قَالَ يحد: أَصْحَابنَا، والأشعرية، والمعتزلة، وَغَيرهم.

  6. وَذكرنَا هُنَا من حدودهم أَرْبَعَة.

  7. الأول قَالَه ابْن أبي مُوسَى فِي " الْإِرْشَاد " : وَهِي: (معرفَة الشَّيْء) ، وَفِيه إِيهَام وتعريف الشَّيْء بمرادفه وَهِي الْمعرفَة، وَالشَّيْء أَيْضا لَا يكون إِلَّا للموجود، فَخرج غَيره، فَلَيْسَ بِجَامِع.

  8. الثَّانِي قَالَه القَاضِي أَبُو بكر ابْن الباقلاني، وَالْقَاضِي أَبُو يعلى، وَأَبُو الْفرج فِي مُقَدّمَة " الْإِيضَاح " ، وَأَبُو الْخطاب، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " الورقات " ، وَغَيرهم هُوَ: (معرفَة الْمَعْلُوم) .

  9. ورد بِوَجْهَيْنِ:
  10. أَحدهمَا: بِكَوْن الْمعرفَة مرادفة للْعلم، وتعريف الشَّيْء بمرادفه لَا يَصح.

  11. وَالثَّانِي: أَن لفظ مَعْلُوم مُشْتَقّ من الْعلم، وَلَا بُد من مَعْرفَته، فَيحْتَاج فِي معرفَة الْعلم إِلَى معرفَة الْعلم، وَهُوَ دور.

  12. وَلَكِن الْمَعْلُوم يَشْمَل الْمَوْجُود وَغَيره، فَكَانَ أجمع من التَّعْرِيف الَّذِي قبله.

    قَالَ فِي " نِهَايَة المبتدئين " : (فِيهِ دور يمْتَنع، وتعريف بالأخفى، وَعلم الله لَا يُسمى معرفَة فَلَا يعمه) .

  13. الثَّالِث قَالَه ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " فَقَالَ: (الْعلم: وجدان النَّفس الناطقة للأمور بحقائقها) .

  14. وَيرد عَلَيْهِ: / أَن وجدان مُشْتَرك أَو مُتَرَدّد، غير أَن قرينَة التَّعْرِيف دلّت على أَن المُرَاد بِهِ الْإِدْرَاك فَيقرب الْأَمر، فَلذَلِك قلت ذَلِك: (بِمَعْنَاهُ) .

  15. وَيرد عَلَيْهِ أَيْضا: أَن علم الله يخرج مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ نفسا ناطقة قَالَه

    vol. 1, p. 221الطوفي، وَقَالَ: (لَو قَالَ: وجدان النَّفس الْأُمُور بحقائقها لأمكن دُخُول علم الله، إِلَّا أَن يكون ابْن عقيل عرف الْعلم الْمُحدث) .

  16. الرَّابِع - وَهُوَ الأولى - قَالَه ابْن حمدَان فِي " مقنعه " ، فَقَالَ: (هُوَ صفة يُمَيّز بهَا الْإِنْسَان بَين الْجَوَاهِر والأجسام والأعراض وَالْوَاجِب والممكن والممتنع تمييزاً جَازِمًا مطابقاً) .

  17. وَمَعْنَاهُ للآمدي، ونقحه ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره " ، فَقَالَ: (هُوَ صفة توجب تمييزاً لَا يحْتَمل النقيض) .

  18. فَقَوله فِي " الْمقنع " : (صفة، هُوَ كالجنس للحد يتَنَاوَل جَمِيع الصِّفَات كالحياة وَالْقُدْرَة والإرادة.

  19. وَقَوله: (يُمَيّز المتصف بهَا تمييزاً جَازِمًا " أخرج جَمِيع الصِّفَات إِلَّا الصّفة الْمَذْكُورَة، لَكِن بَقِي الْحَد متناولاً الظَّن وَالشَّكّ وَالوهم؛ لِأَنَّهَا جَمِيعًا صِفَات توجب تمييزاً.

  20. وَقَوله: (جَازِمًا) ، أخرج ذَلِك.

  21. وَقَوله: (مطابقاً) ، المطابق الْمُوَافق لما فِي نفس الْأَمر، وَبِه يخرج الْجَهْل الْمركب، فالتمييز المطابق هُوَ الَّذِي لَا يحْتَمل النقيض، فَهُوَ بِمَعْنى حد ابْن الْحَاجِب.

  22. فَائِدَة: (اعْترض على هَذَا الْحَد بِالْعلمِ بالأمور العادية، ككون الْجَبَل حجرا، فَإِنَّهُ علم وَيحْتَمل النقيض؛ لجَوَاز انقلاب الْجَبَل ذَهَبا مثلا، لتجانس الْجَوَاهِر واستوائها فِي قبُول الصِّفَات مَعَ ثُبُوت الْقَادِر الْمُخْتَار، وهما [يوجبان] جَوَاز ذَلِك.

    vol. 1, p. 222
  23. وَأجِيب بِالْمَنْعِ، [وَأسْندَ] بِأَن الشَّيْء يمْتَنع أَن يكون فِي الزَّمن الْوَاحِد حجرا وذهباً بِالضَّرُورَةِ، فَإِذا علم بِالْعَادَةِ كَونه حجرا فِي وَقت، اسْتَحَالَ أَن يكون فِي ذَلِك الْوَقْت ذَهَبا، [وَإِذا] علم كَونه حجرا دَائِما، اسْتَحَالَ أَن يكون ذَهَبا فِي شَيْء من الْأَوْقَات، وَنفي احْتِمَال النقيض فِي نفس الْأَمر فِي جَمِيع الْعُلُوم ضَرُورِيّ.

  24. نعم، إِنَّه يحْتَمل النقيض بِمَعْنى: أَنه لَو قدر بدله / نقيصه لم يلْزم مِنْهُ محَال لنَفسِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجب الِاحْتِمَال كَمَا فِي حُصُول الْجِسْم فِي حيزه واختصاصه بحركته أَو سكونه إِذا علم بالحس، فَإِنَّهُ لَو قدر نقيضه فِي ذَلِك الْوَقْت لم يلْزم مِنْهُ محَال، مَعَ أَن نقيضه فِي ذَلِك الْوَقْت غير مُحْتَمل.

  25. وَالتَّحْقِيق: أَن احْتِمَال مُتَعَلقَة لنقيض الحكم الثَّابِت فِيهِ، لَا يسْتَلْزم أَن لَا يجْزم بِأَن الْوَاقِع أَحدهمَا بِعَيْنِه جزما مطابقاً لأمر [يُوجِبهُ] من [حس] وَغَيره) قَالَه الْعَضُد.

  26. ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك: هَل يدْخل إِدْرَاك الْحَواس فِيمَا لَا يحْتَمل النقيض؟ وَهل هُوَ من الْعلم أم لَا؟

    vol. 1, p. 223
  27. وَالصَّحِيح عدم الدُّخُول، فَلذَلِك قُلْنَا: {فَلَا يدْخل إِدْرَاك الْحَواس خلافًا للأشعري وَجمع} .

  28. ذهب الْأَشْعَرِيّ وَمن تبعه إِلَى دُخُول إِدْرَاك الْحَواس فِي الْحَد، إِلَّا أَن يُزَاد فِيهِ: فِي الْمعَانِي الْكُلية، حَتَّى يخرج إِدْرَاك الْحَواس، وَفِيه نظر؛ لِأَن المُرَاد بِالْعلمِ الْمَعْنى الْأَخَص الَّذِي هُوَ قسم من التَّصْدِيق، وَإِلَّا [لورد مَا] يحْتَمل النقيض كالظن والتصورات الساذجة، فَإِنَّهُ لَا يعْتَبر فِيهَا مُطَابقَة.

  29. وَذهب جمع من أَصْحَابنَا كَابْن مُفْلِح وَغَيره: إِلَى عدم دُخُولهَا فِيمَا

    vol. 1, p. 224لَا يحْتَمل النقيض، وَهُوَ أظهر، وَلِهَذَا قدمْنَاهُ فِي الْمَتْن، لِأَنَّهَا تَمْيِيز بَين المحسات الْجُزْئِيَّة لَا الْأُمُور الْكُلية، والتصديق مُتَعَلق بِالنِّسْبَةِ وَلَا يحْتَاج إِلَى الزِّيَادَة عَلَيْهِ فِي الْمعَانِي الْكُلية، لِأَن المُرَاد بِالْعلمِ: الْمَعْنى الْأَخَص، الَّذِي هُوَ قسم من التَّصْدِيق.

    قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (عِنْد الْأَشْعَرِيّ أَن إِدْرَاك الْحَواس نوع من الْعلم) ، قَالَ: (وَفِيه نظر لجَوَاز غلط الْحس) .

    قَالَ الْأَصْفَهَانِي بعد كَلَام الْأَشْعَرِيّ: (وَلقَائِل أَن يَقُول: هَذَا الْحَد إِمَّا أَن يكون للْعلم بِالْمَعْنَى الْأَخَص الَّذِي هُوَ قسم من التَّصْدِيق، أَو يكون للْعلم بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ، المنقسم إِلَى التَّصَوُّر والتصديق، فَإِن كَانَ للثَّانِي فقيد: (لَا يحْتَمل النقيض) غير صَحِيح؛ لِأَن الظنون والاعتقادات علم بِهَذَا الْمَعْنى وهما يحتملان النقيض، وَأَيْضًا التصورات / الساذجة - [وَهُوَ] حُصُول صُورَة الشَّيْء [من غير كَون اعْتِبَاره] مطابقاً أَو غير مُطَابق - علم بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يعْتَبر [عدم] احْتِمَال النقيض فِيهِ.

  30. وَإِن كَانَ الأول؛ فَلَا نسلم اندراج إِدْرَاك الْحَواس تَحت الْحَد؛ لِأَن إِدْرَاك الْحسي من قبيل التصورات) انْتهى.

    وَقَالَ القطب الشِّيرَازِيّ فِي " شرح الْمُخْتَصر " : (فِي دُخُوله نظر؛ لأَنا لَا نسلم أَن إِدْرَاك الْحَواس مِمَّا يُوجب تمييزاً لَا يحْتَمل النقيض؛ لِأَن الْحس قد يدْرك الشَّيْء لَا على مَا هُوَ عَلَيْهِ، كالمستدير مستوياً، والمتحرك سَاكِنا، وَنَحْوهمَا) انْتهى.

    vol. 1, p. 225
  31. قَوْله: {وَقيل: لَا يُسمى علما} .

  32. ذكره ابْن مُفْلِح، أَي: لَا يُسمى إِدْرَاك الْحَواس علما، وَلذَلِك قَالَ الْأَصْفَهَانِي - لما قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَإِلَّا زيد فِي الْأُمُور المعنوية) - (أَي: وَإِن لم يسم إِدْرَاك الْحَواس علما، زيد على الْحَد) .

  33. فَدلَّ على أَنه قيل: لَا يُسمى علما، وَهُوَ ظَاهر مَا قدمه ابْن حمدَان فِي " الْمقنع " ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حد الْعلم: (وَهُوَ صفة يُمَيّز بهَا بَين الْأُمُور الْكُلية تمييزاً) جَازِمًا بدهياً، أَو ضَرُورِيًّا، أَو نظرياً، وَقيل: أَو حسياً) .

  34. فَمَا أَدخل الْحسي إِلَّا على قَول.

  35. وَهُوَ الَّذِي مَال إِلَيْهِ القطب الشِّيرَازِيّ، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَتقدم لَفْظهمَا.

  36. قَوْله: {وَقيل: لَا يحد، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْغَزالِيّ: لعسره، ويميز ببحث وتقسيم، و [قَالَ] الرَّازِيّ: لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ، ثمَّ حَده فناقض.

    vol. 1, p. 226
  37. وَقيل: الأول: لمُجَرّد الْإِدْرَاك، وَالثَّانِي، لليقيني، وَهُوَ أولى} .

  38. اخْتلف من قَالَ: الْعلم لَا يحد، فَذهب أَبُو الْمَعَالِي وتلميذه الْغَزالِيّ إِلَى أَنه لَا يحد لعسره، لَكِن يُمَيّز ببحث وَمِثَال وتقسيم.

    قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: (لَا يحد لعسره) ، وَمرَاده بِحَدّ حَقِيقِيّ.

  39. واستبعد مَا قَالَا، لِأَنَّهُمَا إِن أفادا تمييزاً فَيعرف بهما، وَإِلَّا فَلَا يعرف بهما.

  40. ورده القَاضِي عضد الدّين.