قوله فصل
76 paragraphs · vol. 1, p. 218
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 227
وَذهب الرَّازِيّ وَمن تبعه إِلَى إِنَّه ضَرُورِيّ من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن غير الْعلم / لَا يعلم إِلَّا بِالْعلمِ، فَلَو علم الْعلم بِغَيْرِهِ كَانَ دوراً، لكنه مَعْلُوم، فَيكون لَا بِالْغَيْر، وَهُوَ الضَّرُورِيّ.
-
وَالْجَوَاب - بعد تَسْلِيم كَونه مَعْلُوما -: أَن توقف تصور غير الْعلم إِنَّمَا هُوَ على حُصُول الْعلم بِغَيْرِهِ، أَعنِي علما ً جزئياً مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر، لَا على تصور حَقِيقَة الْعلم، وَالَّذِي يُرَاد حُصُوله بالغيرإنما هُوَ تصور حَقِيقَة الْعلم لَا حُصُول جزئي مِنْهُ، فَلَا دور للِاخْتِلَاف. الثَّانِي: أَن علم كل أحد بِأَنَّهُ مَوْجُود ضَرُورِيّ، أَي: مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ، وَهَذَا علم خَاص، وَهُوَ مَسْبُوق بِالْعلمِ الْمُطلق، وَالسَّابِق على الضَّرُورِيّ ضَرُورِيّ، فالعلم الْمُطلق ضَرُورِيّ. وَالْجَوَاب: أَن الضَّرُورِيّ حُصُول الْعلم، وَهُوَ غير تصور الْعلم، الَّذِي هُوَ الْمُتَنَازع فِيهِ، وَذَلِكَ أَنه لَا يلْزم من حُصُول أَمر تصَوره، حَتَّى يتبع تصَوره حُصُوله، وَلَا تقدم تصَوره، حَتَّى يكون تصَوره شرطا لحصوله، وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ الانفكاك مُطلقًا فتغايرا، فَلَا يلْزم من كَون أَحدهمَا ضَرُورِيًّا كَون الآخر كَذَلِك.
-
مَعَ أَن الْفَخر الرَّازِيّ بعد كَلَامه هَذَا، حَده فِي تَقْسِيم حصر فِيهِ الْعلم وأضداده، فعد ذَلِك من تناقضه.
- vol. 1, p. 228
وَاخْتَارَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته " : أَنه أَرَادَ بِالَّذِي لَا يحد لكَونه ضَرُورِيًّا هُوَ الْعلم بِمُجَرَّد الْإِدْرَاك على مَا يَأْتِي، وَمَا ذكره فِي التَّقْسِيم إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيق اليقيني.
-
وَلذَلِك قَالَ: (هُوَ حكم الذِّهْن الْجَازِم المطابق لموجب) .
-
وَهُوَ أولى من نسبته إِلَى التَّنَاقُض.
قلت: وَيحْتَمل أَن يكون لَهُ فِيهِ قَولَانِ، وَلم يزل الْعلمَاء على ذَلِك.
-
قَوْله: {تَنْبِيه: يُطلق الْعلم - أَيْضا - على مُجَرّد الْإِدْرَاك، فَيشْمَل الْأَرْبَعَة، {مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء} [يُوسُف: ٥١] ، [وعَلى التَّصْدِيق، فَيخْتَص] [الظني والقطعي] } .
-
اعْلَم أَن للْعلم إطلاقات لُغَة وَعرفا.
-
أَحدهَا: اليقيني، وَهُوَ الَّذِي لَا يحْتَمل النقيض، / وَهُوَ المُرَاد بِالْحَدِّ الأول، وَهُوَ الأَصْل.
-
الثَّانِي: مُجَرّد الْإِدْرَاك، سَوَاء كَانَ جَازِمًا، أَو مَعَ احْتِمَال رَاجِح، أَو مَرْجُوح، أَو مسَاوٍ، مجَازًا، وَمن هَذَا الْقَبِيل: قَوْله تَعَالَى: {مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء} [يُوسُف: ٥١] ، إِذْ المُرَاد: نفي كل إِدْرَاك.
-
الثَّالِث: مُطلق التَّصْدِيق - قَطْعِيا أَو ظنياً - لَا التَّصَوُّر، فَحِينَئِذٍ يكون
vol. 1, p. 229مُقَابلا للمعرفة الَّتِي هِيَ تصور ساذج لَا حكم فِيهِ، وَمعنى مُقَابلَته: أَنَّك تَقول: إِمَّا معرفَة وَإِمَّا علم، كَمَا تَقول: إِمَّا تصور وَإِمَّا تَصْدِيق، وَيَأْتِي ذَلِك قَرِيبا فِي الْمَتْن.
-
وَمن أجل مَا قَرَّرْنَاهُ؛ كَانَ " عرف " وَمَا فِي مَعْنَاهُ من مادته مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد، تَقول: عرفت زيدا، أَي: تصورته، بِلَا زِيَادَة على ذَلِك، بِخِلَاف الْعلم وَمَا تصرف مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، تَقول: علمت [زيدا] صَائِما، إِذْ الْمَقْصُود نِسْبَة الصّيام إِلَى زيد، فَيتَوَقَّف على مُسْند ومسند إِلَيْهِ، فَمن الأول قَوْله تَعَالَى: {فعرفهم وهم لَهُ منكرون} [يُوسُف: ٥٨] وَمن الثَّانِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: ١٠] .
-
قَوْله: { [فَيَأْتِي] الْعلم بِمَعْنى الظَّن: {فَإِن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: ١٠] ، [وَعَكسه] : {الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا رَبهم} [الْبَقَرَة: ٤٦] ، وَبِمَعْنى الْمعرفَة: {لَا تعلمهمْ} [التَّوْبَة: ١٠١] } .
-
لما تقدم أَن الْعلم يُطلق على مُطلق التَّصْدِيق، فَيشْمَل الْيَقِين وَالظَّن.
- vol. 1, p. 230
مِثَاله فِي الظَّن: قَوْله تَعَالَى: {فَإِن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: ١٠] ، أَي: ظننتموهن مؤمنات؛ إِذْ الْيَقِين هُنَا مُتَعَذر؛ إِذْ لَا قدرَة إِلَى الإطلاع عَلَيْهِ، لَكِن لما نزل ذَلِك منزلَة الْيَقِين، لتعذر الْيَقِين، ولعظم كلمة التَّوْحِيد، أطلق عَلَيْهِ علما.
-
وَيَأْتِي الظَّن بِمَعْنى الْعلم اليقيني - عكس الأول - وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا رَبهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون} [الْبَقَرَة: ٤٥ - ٤٦] ، وَقَوله تَعَالَى [فِي] / فصلت: ٠ وظنوا مَا لَهُم من محيص} [الْآيَة: ٤٨] .
-
وَقَوله تَعَالَى على الْأَصَح فِي بَرَاءَة: {وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ} [الْآيَة: ١١٨] .
-
بِخِلَاف قَوْله تَعَالَى: (قَالَ الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا الله كم من
vol. 1, p. 231فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله} [الْبَقَرَة: ٢٤٩] ، وَقَوله تَعَالَى: {ورءا المجرمون النَّار فظنوا أَنهم مواقعوها} [الْكَهْف: ٥٣] ، فَإِنَّهَا على بَابهَا على الْأَصَح فِي الثَّانِيَة.
-
وَيَأْتِي الْعلم بِمَعْنى الْمعرفَة، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: {لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ} [التَّوْبَة: ١٠١] ، أَي: لَا تعرفهم نَحن نعرفهم.
قَالَ الْبرمَاوِيّ وَغَيره: (قد جَاءَ علم بِمَعْنى عرف، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ وأخفى} [طه: ٧] ، {يعلم خَائِنَة الْأَعْين} [غَافِر: ١٩] ، {حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم} [مُحَمَّد: ٣١] ، وَهُوَ كثير) .
- vol. 1, p. 232
قَوْله: { [وَعَكسه] }
-
يَعْنِي: تَأتي الْمعرفَة بِمَعْنى الْعلم، وَقد قَالَ فِي " الْمِصْبَاح " : (عَلمته أعلمهُ: عَرفته، هَكَذَا يفسرون الْعلم بالمعرفة، وَبِالْعَكْسِ، لتقارب الْمَعْنيين) انْتهى، وَيَأْتِي.
قلت: وَفِي التَّنْزِيل: {مِمَّا عرفُوا من الْحق} [الْمَائِدَة: ٨٣] ، أَي: علمُوا.
-
قَوْله: {فَوَائِد. الأولى: أَحْمد، وَالشَّيْخ، وَالْأَكْثَر: الْعلم يتَفَاوَت كالإيمان، وَعنهُ: تفاوته بِكَثْرَة المتعلقات} .
-
اخْتلف الْعلمَاء فِي الْعلم هَل يتَفَاوَت، أم تفاوته بِكَثْرَة المتعلقات وَأما نَفسه فَلَا يتَفَاوَت؟ فِيهِ قَولَانِ لَهُم، هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد.
-
أَحدهمَا: يتَفَاوَت، وَهُوَ الصَّحِيح، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي " أُصُوله " ، فِي التَّوَاتُر هَل يُفِيد الْعلم أم لَا؟ لما قَالَ من نفي إفادته للْعلم: لِأَنَّهُ يحصل مِنْهُ التَّفَاوُت وَهُوَ منَاف لليقين، وَأجَاب الرَّازِيّ عَن ذَلِك.
- vol. 1, p. 233
بِجَوَاب غير سديد -: قَالَ الأرموي: (وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب، بل الْحق أَن المعلومات تَتَفَاوَت) . - قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل -: (وَهِي مَسْأَلَة خلاف، وَعَن أَحْمد فِيهَا رِوَايَتَانِ، الْأَصَح: التَّفَاوُت، فَإنَّا نجد بِالضَّرُورَةِ الْفرق بَين كَون الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ، وَبَين مَا علمناه من جِهَة التَّوَاتُر، مَعَ كَون الْيَقِين / حَاصِلا فيهمَا) .
-
وَيَأْتِي هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
-
وَقَالَ - أَيْضا - ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي مَوضِع آخر قبل قَوْله: الْأَنْبِيَاء معصومون: (وَاخْتلفُوا فِي المعلومات هَل تَتَفَاوَت؟ وَفِيه رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد فِي الْمعرفَة الإنسانية، ذكره أَبُو يعلى) انْتهى.
- vol. 1, p. 234
وَقَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " فِي الْكَلَام على الْوَاجِب: (قَالَ بعض أَصْحَابنَا - يَعْنِي بِهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين -: وَالصَّوَاب أَن جَمِيع الصِّفَات الْمَشْرُوطَة بِالْحَيَاةِ تقبل التزايد، وَعَن أَحْمد فِي الْمعرفَة الْحَاصِلَة فِي الْقلب فِي الْإِيمَان هَل تقبل التزايد وَالنَّقْص؟ رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيح من مَذْهَبنَا، وَمذهب جُمْهُور أهل السّنة: إِمْكَان الزِّيَادَة فِي جَمِيع ذَلِك) انْتهى.
-
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين - أَيْضا - فِي بحث مَعَ القَاضِي أبي يعلى فِي مَسْأَلَة الإحساس وَمَا يدْرك بالحواس هَل يخْتَلف؟ قَالَ: (والأصوب أَن القوى الَّتِي هِيَ [الإحساس] وَسَائِر الْعُلُوم والقوى تخْتَلف) .
-
وَيَأْتِي هَذَا - أَيْضا - فَجعل سَائِر الْعُلُوم تخْتَلف، وَقَالَ: (هَذِه الْمَسْأَلَة من جنس مَسْأَلَة الْإِيمَان) .
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: (الْأَكْثَرُونَ على التَّفَاوُت، أَي: يكون علم أجلى من علم، وَنَقله فِي " الْبُرْهَان " عَن أَئِمَّتنَا، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي " الشَّامِل " : أَنه لَا يتَفَاوَت عِنْد الْمُحَقِّقين، وَاخْتَارَهُ هُوَ، والأبياري فِي شرح
vol. 1, p. 235البرها [ن] . - قلت: وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد - فعلى هَذَا تفاوته بِكَثْرَة المتعلقات.
-
وَمن فَوَائِد الْخلاف: أَن الْإِيمَان هَل يزِيد وَينْقص؟ قِيَاسه على أَنه من قبيل الْعُلُوم لَا الْأَعْمَال، خلافًا للمعتزلة) انْتهى.
قلت: أهل السّنة وَالسَّلَف على أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص، وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة مَشْهُورَة، وَالْقُرْآن مَمْلُوء من ذَلِك مِمَّا ذكر بَعْضهَا البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " وَغَيره من الْأَئِمَّة، وَتَأْتِي محررة فِي مَسْأَلَة الْإِيمَان.
- vol. 1, p. 236
قَوْله " {الثَّانِيَة: علم الله [تَعَالَى] قديم} ، / لِأَنَّهُ صفة من صِفَاته، وَصِفَاته قديمَة، {لَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلَا نظرياً} ، بِلَا نزاع بَين الْأَئِمَّة، وَهُوَ وَاحِد لَيْسَ بِعرْض، فَيتَعَلَّق بِجَمِيعِ المعلومات إِجْمَالا وتفصيلاً على مَا هِيَ بِهِ.
vol. 1, p. 237قَالَ فِي الْمقنع: (علم الله صفة ذاتية وجودية وَاحِدَة، أحَاط الله بهَا - لم تزل وَلَا تزَال - بِكُل كلي وجزئي مَوْجُود ومعدوم على مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلَا نظرياً) انْتهى.
-
قَوْله: {وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ عَارِف} .
-
لَا يُوصف سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَنَّهُ عَارِف؛ لِأَن الْمعرفَة قد تكون علما مستحدثاً، وَالله تَعَالَى مُحِيط علمه بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء على حقائقها على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صفة من صِفَاته، وَهُوَ قديم، وَحكي إِجْمَاعًا.
قَالَ ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين " : (علم الله تَعَالَى لَا يُسمى معرفَة، حَكَاهُ القَاضِي إِجْمَاعًا) .
-
وَخَالف الكرامية فَقَالُوا: يُوصف بِأَنَّهُ عَارِف لِاتِّحَاد الْعلم والمعرفة.
vol. 1, p. 238وَقَالَ القَاضِي من أَصْحَابنَا فِي " الْمُعْتَمد " : (يجوز وَصفه تَعَالَى بِأَنَّهُ عَارِف) .
قلت: ومرادهم - وَالله أعلم -: أَن الْمعرفَة كَالْعلمِ، فَكَمَا أَنه يُوصف بِالْعلمِ يُوصف عِنْد هَؤُلَاءِ بالمعرفة، وَلَيْسَ مُرَادهم بالمعرفة فِي حَقه: الَّتِي هِيَ مستحدثة بعد أَن لم تكن، وَإِن هَذَا لَا يَقُوله أحد من أهل السّنة، إِنَّمَا ينْسب إِلَى الرافضة، على مَا يَأْتِي فِي بَاب النّسخ، وَهُوَ كفر.
-
وَحكي عَن ابْن الباقلاني: اتِّحَاد الْعلم والمعرفة، ثمَّ وجدته فِي " الْمِصْبَاح الْمُنِير " قَالَه، فَإِنَّهُ قَالَ: (قَالَ النيلي [ (لَا تَعْلَمُونَهُم الله