قال قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين

74 paragraphs · vol. 1, p. 44

Page 1 of 2

  1. وَقَالَ ابْن الْقيم فِي " عدَّة الصابرين " : (الشُّكْر يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان والجوارح، فالقلب للمعرفة والمحبة، وَاللِّسَان للثناء وَالْحَمْد، والجوارح لاستعمالها فِي طَاعَة المشكور وكفها عَن معاصية.

    vol. 1, p. 44
  2. وَالشُّكْر أخص بالأفعال، وَالْحَمْد أخص بالأقوال.

  3. وَسبب الْحَمد أَعم من سَبَب الشُّكْر، ومتعلق الشُّكْر وَمَا بِهِ الشُّكْر أَعم مِمَّا بِهِ الْحَمد.

  4. وَمَا يحمد الرب عَلَيْهِ أَعم مِمَّا يشْكر عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يحمد على أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله ونعمه، ويشكر على نعمه.

  5. وَمَا يحمد بِهِ أخص مِمَّا يشْكر بِهِ؛ فَإِنَّهُ يشْكر بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان والجوارح، ويحمد بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان) انْتهى.

  6. وَلَقَد أَجَاد وأفصح عَن المُرَاد.

    وَقَالَ أَيْضا: (الْحَمد الْإِخْبَار عَنهُ بِصِفَات كَمَاله مَعَ محبته وَالرِّضَا وَعنهُ، فَإِن كرر المحامد شَيْئا بعد شَيْء صَار ثَنَاء، فَإِن كَانَ الْمَدْح بِصِفَات / الْجلَال وَالْعَظَمَة والكبرياء وَالْملك صَار مجلداً، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " قَالَ الله تَعَالَى: قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ

    vol. 1, p. 45ولعبدي مَا سَأَلَ، فَإِذا قَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين، قَالَ الله: حمدني عَبدِي.

  7. وَإِذا قَالَ: الرَّحْمَن الرَّحِيم، قَالَ الله: أثنى عَليّ عَبدِي.

  8. وَإِذا قَالَ: مَالك يَوْم الدّين، قَالَ الله تَعَالَى: مجدني عَبدِي) فَفرق بَين الْحَمد وَالثنَاء، وَلَو كَانَ الْحَمد هُوَ الثَّنَاء لما صَحَّ الْفرق) انْتهى.

  9. وَذهب الْمبرد وَغَيره إِلَى أَن الْحَمد وَالشُّكْر بِمَعْنى وَاحِد.

    قلت: قَالَ فِي " الْقَامُوس " : (الْحَمد: الشُّكْر وَالرِّضَا وَالْجَزَاء وَقَضَاء الْحق، وَأحمد الله إِلَيْك وأشكره) انْتهى.

  10. وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس: " معنى الْحَمد لله: الشُّكْر لله " .

    vol. 1, p. 46
  11. وَسُئِلَ - أَيْضا - عَن الْحَمد فَقَالَ: " كلمة شكر لأهل الْجنَّة " .

  12. ورده جمع وَقَالُوا: (لَيْسَ بمرضي) ؛ فَإِن فِي الحَدِيث: " الْحَمد رَأس الشُّكْر " رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيره " ، وَهُوَ دَال على الْفرق بَينهمَا.

  13. وَقيل: الشُّكْر أَعم من الْحَمد؛ فَإِنَّهُ بِاللِّسَانِ والجوارح، وَالْحَمْد بِاللِّسَانِ فَقَط، ذكره ابْن الملقن.

    vol. 1, p. 47
  14. وَالْحَمْد لَا يكون إِلَّا عَن علم، وَالشُّكْر قد يكون عَن ظن، نَقله ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " مُخْتَصر لَهُ على الْمِنْهَاج " .

  15. تَنْبِيهَات:
  16. الأول: مَا ذكر من معنى الْحَمد وَالشُّكْر أَولا مَعْنَاهُمَا لُغَة، وَأما مَعْنَاهُمَا فِي عرف الْأُصُولِيِّينَ وَغَيرهم فَهُوَ: أَن الْحَمد لَيْسَ هُوَ قَول الْقَائِل: الْحَمد لله. وَإِن كَانَ هَذَا القَوْل فَردا من أَفْرَاد الْمَاهِيّة، بل هُوَ فعل يشْعر بتعظيم الْمُنعم بِسَبَب كَونه منعماً، وَذَلِكَ الْفِعْل: إِمَّا فعل الْقلب. أَعنِي: اعْتِقَاد اتصافه بِصِفَات الْكَمَال والجلال.

  17. أَو فعل اللِّسَان. أَعنِي: ذكر مَا يذكرهُ بِقَلْبِه.

  18. أَو فعل الْجَوَارِح. وَهُوَ الْإِتْيَان بِأَفْعَال دَالَّة على ذَلِك.

  19. وَالشُّكْر لَيْسَ هُوَ قَول الْقَائِل: الشُّكْر لله، وَلَا القَوْل الْمُطلق الدَّال على تَعْظِيم الله، وَإِن كَانَ الثَّانِي / جُزْءا مِنْهُ وَالْأول فَرد من هَذَا الْجُزْء، بل هُوَ صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ إِلَى مَا خلق لأَجله من جَمِيع الْحَواس والآلات والقوى، فَالْحَمْد هُنَا أَعم من الشُّكْر مُطلقًا، فَكل شكر حمد وَلَا عكس.

    vol. 1, p. 48
  20. إِذا علم ذَلِك؛ فقد يوضع الْحَمد مَوضِع الشُّكْر، فَيُقَال: (حمدته على معروفه عِنْدِي) ، كَمَا يُقَال: (شكرته) وَلَا عكس، فَلَا يُقَال: (شكرته على شجاعته وَكَرمه) .

  21. فَائِدَة: اخْتلف فِي اشتقاق الْحَمد، فَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: (هُوَ مُشْتَقّ من الحمدة، وَهِي شدَّة لَهب النَّار) .

    قلت: قَالَ فِي " الْقَامُوس " : (حمدة النَّار بِالتَّحْرِيكِ، صَوت التهابها، وَيَوْم محتمد شَدِيد الْحر) انْتهى.

    vol. 1, p. 49وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: (هُوَ مقلوب من الْمَدْح، كَقَوْلِهِم: مَا أطيبه وأيطبه) وَيَأْتِي هَذَا. الثَّانِي: قد تقدم أَن بَين الْحَمد وَالشُّكْر اللغويين عُمُوما وخصوصاً من وَجه؛ لِأَن الْحَمد قد يَتَرَتَّب على الْفَضَائِل وَهِي الصِّفَات الجميلة لَا يتَجَاوَز مِنْهَا أثر وَلَا مَنْفَعَة إِلَى غير الممدوح كالشجاعة.

  22. وَالشُّكْر يخْتَص بالفواضل وَهِي النعم، وَهِي الصِّفَات والمزايا المتعدية الَّتِي يحصل مِنْهَا مَنْفَعَة لغير الممدوح، كالإحسان والمواهب والعطايا.

  23. وَبَين الْحَمد وَالشُّكْر العرفيين عُمُوم وخصوص مُطلقًا، فَالْحَمْد أَعم مُطلقًا لعُمُوم النعم الْوَاصِلَة إِلَى الحامد وَغَيره، واختصاص الشُّكْر بِمَا يصل إِلَى الشاكر.

  24. وَذَلِكَ لِأَن الْمُنعم الْمَذْكُور فِي تَعْرِيف الْحَمد مُطلق، لم يُقيد بِكَوْنِهِ منعماً على الحامد وَغَيره فتناولهما.

  25. بِخِلَاف الشُّكْر؛ إِذْ قد اعْتبر فِيهِ منعم مَخْصُوص وَهُوَ الله تَعَالَى، ونعمه واصلة إِلَى الشاكر.

    vol. 1, p. 50
  26. وَالنِّسْبَة بَين الحمدين اللّغَوِيّ والعرفي عُمُوم وخصوص من وَجه؛ لِأَن الْحَمد الْعرفِيّ هُوَ الشُّكْر اللّغَوِيّ.

  27. وَبَين الشكرين الْعرفِيّ واللغوي عُمُوم مُطلق؛ لِأَن الشُّكْر اللّغَوِيّ يعم النِّعْمَة إِلَى الْغَيْر دون الْعرفِيّ فَهُوَ أَعم والعرفي أخص مُطلقًا، وَكَذَا بَين الشُّكْر الْعرفِيّ / وَالْحَمْد اللّغَوِيّ؛ لِأَن الأول مَخْصُوص بِالنعْمَةِ على الشاكر سَوَاء كَانَ بِاللِّسَانِ أَو لَا، وَالثَّانِي - وَإِن خص بِاللِّسَانِ - فَهُوَ مشترط فِيهِ مُطَابقَة الْأَركان والجنان؛ ليَكُون على جِهَة التبجيل، وَقد لَا يكون فِي مُقَابلَة نعْمَة فَهُوَ أَعم مُطلقًا فَكل شكر عرفي حمد لغَوِيّ وَلَا ينعكس، وَهَذَا بِحَسب الْوُجُود، وَكَذَا بَين الْحَمد الْعرفِيّ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ عُمُوم مُطلق - أَيْضا - إِذا قيدت النِّعْمَة فِي اللّغَوِيّ بوصلها إِلَى الشاكر، وَأما إِذا لم يتَقَيَّد فهما متحدان.

  28. وَأما الشُّكْر الْمُطلق فَهُوَ على قِيَاس مَا مضى من تَعْظِيم الْمُنعم بِصَرْف نعْمَته إِلَى مَا يرضيه.

    vol. 1, p. 51
  29. الثَّالِث: الْحَمد والمدح أَخَوان فِي الِاشْتِقَاق الْأَكْبَر لَا مُتَرَادِفَانِ، ويشتركان - أَيْضا - فِي الْمَعْنى؛ لِأَن الْحَمد هُوَ الثَّنَاء على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ من نعْمَة وَغَيرهَا.

  30. والمدح هُوَ الثَّنَاء على الْجَمِيل مُطلقًا.

  31. فاشتركا فِي الثَّنَاء، وَهُوَ الذّكر بِالْخَيرِ مُطلقًا، لَكِن الْحَمد يخْتَص بِأَهْل الْعلم بِخِلَاف الْمَدْح.

  32. وَلِأَنَّهُ شَامِل الْأَفْعَال الاختيارية وَغَيرهَا، وَالْحَمْد لَا يكون إِلَّا على الْأَفْعَال الاختيارية من الْإِحْسَان والفضائل.

  33. تَقول: (حمدته على علمه وَكَرمه) ، وَلَا نقُول: (حمدته على صباحة خَدّه ورشاقة قده) بل (مدحته) ، فالمدح أَعم، لِأَن كل حمد مدح وَلَيْسَ كل مدح حمداً.

  34. وَالشُّكْر على النِّعْمَة خَاصَّة لَكِن بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان والجوارح، فبينه وَبَين الْحَمد والمدح عُمُوم من وَجه، كَمَا تقدم فِي الْحَمد وَالشُّكْر.

    وَقَالَ الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ الرَّاغِب: (الْمَدْح أَعم من الْحَمد؛ لِأَن الثَّنَاء على الشَّخْص بِمَا لَا اخْتِيَار لَهُ [فِيهِ] كحسن الْوَجْه وَالْقد وَنَحْوهمَا يُطلق على الْمَدْح دون الْحَمد، وَحِينَئِذٍ يكون مُتَعَلق الْمَدْح هُوَ الممدوح عَلَيْهِ أَعم الثَّلَاثَة) انْتهى.

    vol. 1, p. 53وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: (الْحَمد مقلوب / الْمَدْح) كَمَا تقدم ذكره.

    vol. 1, p. 52
  35. تَنْبِيه: إِنَّمَا خص الْحَمد هُنَا دون الْمَدْح، ليؤذن بِالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيّ، وَدون الشُّكْر ليعم الْفَضَائِل والفواضل، وَلِأَن الْحَمد رَأس الشُّكْر، واقتداء بِالْكتاب الْعَزِيز كَمَا تقدم.

  36. قَوْله: {لله} .

  37. أَقُول: قرن الْحَمد بِاللَّه دون سَائِر أَسْمَائِهِ لفائدتين جليلتين عظيمتين.

  38. إِحْدَاهمَا: أَنه اسْم للذات مُخْتَصّ بِهِ على مَا يَأْتِي قَرِيبا، فَيعم جَمِيع أَسْمَائِهِ الْحسنى.

    قَالَ الْقُرْطُبِيّ: (وَاخْتِيَار الشَّافِعِي وَكثير من الْمُحَقِّقين: أَنه

    vol. 1, p. 54اسْم علم للذات المقدسة - وَسَيَأْتِي ذَلِك وتعليله - وَالْألف وَاللَّام لَازِمَة لَهُ لَا للتعريف وَلَا لغيره) انْتهى.

  39. الثَّانِيَة: أَنه اسْم الله الْأَعْظَم عِنْد كثير من الْعلمَاء.

    قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ: (قَالَ أَكثر أهل الْعلم: اسْم الله الْأَعْظَم هُوَ الله) .

  40. وَاللَّام فِيهِ للاستحقاق والاختصاص، أَي: الْحَمد يخْتَص بِهِ الله تَعَالَى دون غَيره من الموجودات، أَي: أَنه مَقْصُور عَلَيْهِ لَا يسْتَحقّهُ أحد سواهُ.