في ذكر المسألة المشهورة بين الناس وبيان ما فيها

55 paragraphs · vol. 1, p. 278

Page 2 of 2

  1. واما فِي قسم الطّلب وَالْأَمر فالمقصود مِنْهُ التَّنْبِيه على الْعلَّة وَأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَإِذا قلت علم كَمَا علمك الله {وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك} الْقَصَص ٧٧ واعف كَمَا عَفا الله عَنْك وَنَحْوه كَانَ فِي ذَلِك تنيبه للْمَأْمُور على شكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم الله بهَا عَلَيْهِ وَأَنه حقيق أَن يقابلها بِمِثْلِهَا ويقيدها بشكرها فَإِن جَزَاء تِلْكَ النِّعْمَة من جِنْسهَا وَمَعْلُوم أَنه يمْتَنع خطاب الرب سُبْحَانَهُ بِشَيْء من ذَلِك

    vol. 1, p. 288وَلَا يحسن فِي حَقه فَيصير ذكر التَّشْبِيه لَغوا لَا فَائِدَة فِيهِ وَهَذَا غير جَائِز

    vol. 1, p. 287
  2. الثَّالِث أَن قَوْله كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم صفة لمصدر مَحْذُوف وَتَقْدِيره صَلَاة مثل صَلَاتك على آل إِبْرَاهِيم وَهَذَا الْكَلَام حَقِيقَته أَن تكون الصَّلَاة مماثلة للصَّلَاة المشبهة بهَا فَلَا يعدل عَن حَقِيقَة الْكَلَام وَوَجهه

  3. وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى أَن هَذَا التَّشْبِيه حَاصِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل صَلَاة من صلوَات الْمُصَلِّين فَكل مصل صلي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذِهِ الصَّلَاة فقد طلب من الله أَن يُصَلِّي على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة مثل الصَّلَاة الْحَاصِلَة لآل إِبْرَاهِيم وَلَا ريب أَنه إِذا حصل لَهُ من كل مصل طلب من الله لَهُ صَلَاة مثل صلَاته على آل إِبْرَاهِيم حصل لَهُ من ذَلِك أَضْعَاف مضاعفة من الصَّلَاة لَا تعد وَلَا تحصى وَلم يُقَارِبه فِيهَا أحد فضلا عَن أَن يُسَاوِيه أَو يفضله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  4. وَنَظِير هَذَا أَن يُعْطي ملك لرجل ألف دِرْهَم فيسأله كل وَاحِد من رَعيته أَن يعْطى لرجل آخر أفضل مِنْهُ نَظِير تِلْكَ الْألف فَكل وَاحِد قد سَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ ألفا فَيحصل لَهُ من الألوف بِعَدَد كل سَائل

  5. وَأورد أَصْحَاب هَذَا القَوْل على أنفسهم سؤالاً وَهُوَ أَن التَّشْبِيه حَاصِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل هَذِه الصَّلَاة الْمَطْلُوبَة وكل فَرد من أفرادها فالإشكال وَارِد كَمَا هُوَ

  6. وَتَقْرِيره أَن الْعَطِيَّة الَّتِي يعطاها الْفَاضِل لَا بُد أَن تكون أفضل

    vol. 1, p. 289من الْعَطِيَّة الَّتِي يعطاها الْمَفْضُول فَإِذا سُئِلَ لَهُ عَطِيَّة دون مَا يسْتَحقّهُ لم يكن ذَلِك لائقاً بمنصبه

  7. وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَن هَذَا الاشكال إِنَّمَا يرد إِذا لم يكن الْأَمر للتكرار فَأَما إِذا كَانَ الْأَمر للتكرار فالمطلوب من الْأمة أَن يسْأَلُوا الله لَهُ صَلَاة بعد صَلَاة كل مِنْهَا نَظِير مَا حصل لابراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَيحصل لَهُ من الصَّلَوَات مَا لَا يُحْصى مِقْدَاره بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة الْحَاصِلَة لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام

  8. وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف فَإِن التَّشْبِيه هُنَا إِنَّمَا هُوَ وَاقع فِي صَلَاة الله عَلَيْهِ لَا فِي معنى صَلَاة الْمُصَلِّي وَمعنى هَذَا الدُّعَاء اللَّهُمَّ أعْطه نَظِير مَا أَعْطَيْت إِبْرَاهِيم فالمسؤول لَهُ صَلَاة مُسَاوِيَة للصَّلَاة على إِبْرَاهِيم وَكلما تكَرر هَذَا السُّؤَال كَانَ هَذَا مَعْنَاهُ فَيكون كل مصل قد سَأَلَ الله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة دون الَّتِي يَسْتَحِقهَا وَهَذَا السُّؤَال وَالْأَمر بِهِ متكرر فَهَل هَذَا إِلَّا تَقْوِيَة لجَانب الْإِشْكَال

  9. ثمَّ إِن التَّشْبِيه وَاقع فِي أصل الصَّلَاة وأفرادها وَلَا يُغني جوابكم عَنهُ بقضية التّكْرَار شَيْئا فَإِن التّكْرَار لَا يَجْعَل جَانب الْمُشبه بِهِ أقوى من جَانب الْمُشبه كَمَا هُوَ مُقْتَضى التَّشْبِيه فَلَو كَانَ التّكْرَار يَجعله كَذَلِك لَكَانَ الِاعْتِذَار بِهِ نَافِعًا بل التّكْرَار يقتضى زِيَادَة تَفْضِيل الْمُشبه وقوته فَكيف يشبه حِينَئِذٍ بِمَا هُوَ دونه فَظهر ضعف هَذَا الْجَواب

  10. وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى آل إِبْرَاهِيم فيهم الْأَنْبِيَاء الَّذين لَيْسَ فِي آل مُحَمَّد مثلهم فَإِذا طلب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولآله من الصَّلَاة مثل مَا لإِبْرَاهِيم وَآله وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء حصل لآل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذَلِك مَا يَلِيق

    vol. 1, p. 290بهم فَإِنَّهُم لَا يبلغون مَرَاتِب الْأَنْبِيَاء وَتبقى الزِّيَادَة الَّتِي للأنبياء وَفِيهِمْ إِبْرَاهِيم لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيحصل لَهُ بذلك من المزية مَا لم يحصل لغيره

  11. وَتَقْرِير ذَلِك أَن يَجْعَل الصَّلَاة الْحَاصِلَة لإِبْرَاهِيم ولآله وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء جملَة مقسومة على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَلَا ريب أَنه لَا يحصل لآل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل مَا حصل لآل إِبْرَاهِيم وَفِيهِمْ الْأَنْبِيَاء بل يحصل لَهُم مَا يَلِيق بهم فَيبقى قسم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالزِّيَادَة المتوفرة الَّتِي لم يَسْتَحِقهَا آله مُخْتَصَّة بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيصير الْحَاصِل لَهُ من مَجْمُوع ذَلِك أعظم وَأفضل من الْحَاصِل لإِبْرَاهِيم وَهَذَا احسن من كل مَا تقدمه

  12. وَأحسن مِنْهُ أَن يُقَال مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ من آل إِبْرَاهِيم بل هُوَ خير آل إِبْرَاهِيم كَمَا روى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} آل عمرَان ٣٣

  13. قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مُحَمَّد من آل إِبْرَاهِيم وَهَذَا نَص فَإِنَّهُ إِذا دخل غَيره من الْأَنْبِيَاء الَّذين هم من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم فِي آله فدخول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولى فَيكون قَوْلنَا كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم متناولاً للصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم

  14. ثمَّ قد أمرنَا الله أَن نصلي عَلَيْهِ وعَلى آله خُصُوصا بِقدر مَا صلينَا عَلَيْهِ مَعَ سَائِر آل إِبْرَاهِيم عُمُوما وَهُوَ فيهم وَيحصل لآله من ذَلِك مَا يَلِيق بهم وَيبقى الْبَاقِي كُله لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

    vol. 1, p. 291وَتَقْرِير هَذَا أَنه يكون قد صلى عَلَيْهِ خُصُوصا وَطلب لَهُ من الصَّلَاة مَا لآل إِبْرَاهِيم وَهُوَ دَاخل مَعَهم وَلَا ريب أَن الصَّلَاة الْحَاصِلَة لآل إِبْرَاهِيم وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَهم أكمل من الصَّلَاة الْحَاصِلَة لَهُ دونهم فيطلب لَهُ من الصَّلَاة هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي هُوَ أفضل مِمَّا لإِبْرَاهِيم قطعا وَتظهر حِينَئِذٍ فَائِدَة التَّشْبِيه وجريه على أَصله وَأَن الْمَطْلُوب لَهُ من الصَّلَاة بِهَذَا اللَّفْظ أعظم من الْمَطْلُوب لَهُ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْمَطْلُوب بِالدُّعَاءِ إِنَّمَا هُوَ مثل الْمُشبه بِهِ وَله أوفر نصيب مِنْهُ صَار لَهُ من الْمُشبه الْمَطْلُوب أَكثر مِمَّا لإِبْرَاهِيم وَغَيره وانضاف إِلَى ذَلِك مِمَّا لَهُ من الْمُشبه بِهِ من الْحصَّة الَّتِي لم تحصل لغيره

  15. فَظهر بِهَذَا من فَضله وشرفه على إِبْرَاهِيم وعَلى كل من آله وَفِيهِمْ النَّبِيُّونَ مَا هُوَ اللَّائِق بِهِ وَصَارَت هَذِه الصَّلَاة دَالَّة على هَذَا التَّفْضِيل وتابعة لَهُ وَهِي من موجباته ومقتضياته ف صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله تَسْلِيمًا كثيرا وجزاه عَنَّا أفضل مَا جزى نَبيا عَن أمته اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد