أصل الضلال والخطأ في هذه الأمة هو بترك الحسنات لا فعل السيئات
2 paragraphs · vol. 21, p. 110
- vol. 21, p. 110
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} الْآيَاتِ. فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ بِتَرْكِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمِيثَاقِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِالْأَمْرِ حَصَلَتْ لَهُمْ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ الَّتِي مِنْهَا فِعْلُ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ؛ وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ؛ وَأَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. وَأَخْبَرَ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ أَنَّهُ أَلْقَى بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي قَوْلِهِ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} الْآيَةَ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ السَّلَفِ مِثْلُ قتادة وَغَيْرِهِ فِي فِرَقِ النَّصَارَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ.
-
وَهَكَذَا إذَا تَأَمَّلْت أَهْلَ الضَّلَالِ وَالْخَطَأِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَجِدُ الْأَصْلَ تَرْكَ الْحَسَنَاتِ لَا فِعْلَ السَّيِّئَاتِ وَأَنَّهُمْ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ أَصْلُ أَمْرِهِمْ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ جِهَةِ مَا نَفَوْهُ وَالْإِثْبَاتُ فِعْلُ حَسَنَةٍ وَالنَّفْيُ تَرْكُ سَيِّئَةٍ فَعُلِمَ أَنَّ تَرْكَ الْحَسَنَاتِ أَضَرُّ مِنْ فِعْلِ السَّيِّئَاتِ وَهُوَ أَصْلُهُ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الوعيدية مِنْ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا يُعَظِّمُونَهُ
vol. 21, p. 111مِنْ أَمْرِ الْمَعَاصِي وَالنَّهْيِ عَنْهَا وَاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَتَعْظِيمِهِ أَحْسَنُوا لَكِنْ إنَّمَا أُتُوا مِنْ جِهَةِ عَدَمِ اتِّبَاعِهِمْ لِلسُّنَّةِ وَإِيمَانِهِمْ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِ وَإِنْ كَانَ ذَا كَبِيرَةٍ. وَكَذَلِكَ الْمُرْجِئَةُ فِيمَا أَثْبَتُوهُ مِنْ إيمَانِ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ أَحْسَنُوا لَكِنْ إنَّمَا أَصْلُ إسَاءَتِهِمْ مِنْ جِهَةِ مَا نَفَوْهُ مِنْ دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ وَعُقُوبَاتِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ. فَالْأَوَّلُونَ بَالَغُوا فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ وَقَصَّرُوا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. وَهَؤُلَاءِ قَصَّرُوا فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي الْأَمْرِ بِكَثِيرِ مِنْ الْمَعْرُوفِ. وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ هُمْ فِي تَعْظِيمِ الْمَعَاصِي وَذَمِّ فَاعِلِهَا وَتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الظُّلْمِ وَفِعْلِ الْقَبِيحِ مُحْسِنُونَ وَإِنَّمَا أَسَاءُوا فِي نَفْيِهِمْ مَشِيئَةَ اللَّهِ الشَّامِلَةَ وَقُدْرَتَهُ الْكَامِلَةَ وَعِلْمَهُ الْقَدِيمَ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ الْجَهْمِيَّة؛ فَإِنَّ أَصْلَ ضَلَالِهِمْ إنَّمَا هُوَ التَّعْطِيلُ وَجَحْدُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَالْأَمْرُ فِيهِمْ ظَاهِرٌ جِدًّا. وَلِهَذَا قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الرُّسُلَ جَاءُوا بِالْإِثْبَاتِ الْمُفَصَّلِ وَالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ وَالْكُفَّارَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ