النهي والنفي لا يستقل بنفسه، بل لا بد أن سببه بثبوت وأمر
6 paragraphs · vol. 21, p. 127
- vol. 21, p. 127
وَاتِّبَاعِ الرُّسُلِ فِي الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْإِثْبَاتُ وَطَرِيقُ الْكَافِرِينَ مِنْ الْمُعَطِّلَةِ وَنَحْوِهِمْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ وَالنَّفْيُ وَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَرْجِيحِ الْأَمْرِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى النَّهْيِ وَالنَّفْيِ.
-
الْوَجْهُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ النَّفْيَ وَالنَّهْيَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَهُ ثُبُوتٌ وَأَمْرٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ وَالْإِثْبَاتِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَعْدُومَ ابْتِدَاءً وَلَا يَقْصِدَ الْمَعْدُومَ ابْتِدَاءً وَقَدْ قَرَّرْت هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَبَيَّنْت أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَعْدُومَ إلَّا بِتَوَسُّطِ تَصَوُّرِ الْمَوْجُودِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَصَوُّرُهُ لَمْ يُمْكِنْهُ قَصْدُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ وَالْإِرَادَةَ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ وَالتَّصَوُّرِ وَالْأَمْرُ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ أَوْكَدُ مِنْهُ فِي الشُّعُورِ وَالْعِلْمِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَتَصَوَّرُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَيُخْبِرُ عَنْهُمَا وَأَمَّا إرَادَةُ الْمَعْدُومِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنَّمَا إرَادَةُ عَدَمِ الشَّيْءِ هِيَ بُغْضُهُ وَكَرَاهَتُهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إمَّا أَنْ يُرِيدَ وُجُودَ الشَّيْءِ أَوْ عَدَمَهُ أَوْ لَا يُرِيدَ وُجُودَهُ وَلَا عَدَمَهُ فَالْأَوَّلُ هُوَ أَصْلُ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ إرَادَةُ عَدَمِهِ فَهُوَ بُغْضُهُ وَكَرَاهَتُهُ وَذَلِكَ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرِ الْمُبْغِضِ الْمَكْرُوهِ فَصَارَ الْبُغْضُ وَالْكَرَاهَةُ لِلشَّيْءِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِهِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ النَّاهِي وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْمَنْهِيِّ فَرْعًا مِنْ جِهَتَيْنِ:
vol. 21, p. 128مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَصَوُّرَهُ فَرْعٌ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَحْبُوبِ الْمُرَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَأَنَّ قَصْدَ عَدَمِهِ الَّذِي هُوَ بُغْضُهُ وَكَرَاهَتُهُ فَرْعٌ عَلَى إرَادَةِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي هُوَ حُبُّهُ وَإِرَادَتُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَلِمَ عَدَمَ شَيْءٍ وَأَخْبَرَ عَنْ عَدَمِهِ مِثْلَ قَوْلِنَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقَوْلِنَا: لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَقَوْلِنَا: لَيْسَ الْمَسِيحُ بِإِلَهِ وَلَا رَبٍّ وَقَوْلِنَا: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّمْثِيلُ إلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: لَيْسَ الْجَبَلُ يَاقُوتًا وَلَا الْبَحْرُ زِئْبَقًا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ الْخَبَرِيَّةَ النَّافِيَةَ الَّتِي هِيَ قَضَايَا سَلْبِيَّةٌ لَوْلَا تَصَوُّرُ النَّفْيِ وَالْمَنْفِيِّ عَنْهُ لَمَا أَمْكَنَهُ الْإِخْبَارُ بِالنَّفْيِ وَالْحُكْمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَصَوَّرَ النَّفْيَ وَالْمَنْفِيَّ عَنْهُ مِثْلَ تَصَوُّرِ الْجَبَلِ وَالْيَاقُوتِ. وَالْمَنْفِيُّ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَنَفْسُ الْإِنْسَانِ الَّتِي هِيَ الشَّاعِرَةُ الْعَالِمَةُ الْمُدْرِكَةُ بِقُوَاهَا وَآلَاتِهَا لَمْ تَجِدْ الْعَدَمَ وَلَمْ تَفْقَهْهُ وَلَمْ تُصَادِفْهُ وَلَمْ تُحِسَّهُ بِشَيْءِ مِنْ حَوَاسِّهَا الْبَاطِنَةِ وَلَا الظَّاهِرَةِ وَلَا شَعَرَتْ إلَّا بِمَوْجُودِ لَكِنْ لَمَّا شَعَرَتْ بِمَوْجُودِ أَخَذَ الْعَقْلُ وَالْخَيَالُ يُقَدِّرُ فِي النَّفْسِ أُمُورًا تَابِعَةً لِتِلْكَ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ إمَّا أُمُورٌ مُرَكَّبَةٌ وَإِمَّا مُشَابِهَةٌ لَهَا فَإِنَّهُ أَدْرَكَ الْيَاقُوتَ وَأَدْرَكَ الْجَبَلَ ثُمَّ رَكَّبَ فِي خَيَالِهِ جَبَلَ يَاقُوتٍ وَعَرَفَ جِنْسَ النُّبُوَّةِ وَعَرَفَ الزَّمَانَ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدَّرَ نَبِيًّا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ وَعَرَفَ الْإِلَهَ وَالْأُلُوهِيَّةَ الثَّابِتَةَ لِلَّهِ رَبِّ
vol. 21, p. 129الْعَالَمِينَ ثُمَّ قَدَّرَ وُجُودَهَا بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ. ثُمَّ الْمُؤْمِنُ يَنْفِي هَذَا الْمُقَدَّرَ مِنْ أُلُوهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُبُوَّةِ أَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكَافِرُ قَدْ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَ هَذَا الْقَدَرِ فَيَرَى ثُبُوتَ الْأُلُوهِيَّةِ لِلشَّمْسِ؛ أَوْ الْقَمَرِ؛ أَوْ الْكَوَاكِبِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ النَّبِيِّينَ أَوْ بَعْضِهِمْ؛ أَوْ الصَّالِحِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ؛ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْبَشَرِ أَوْ الْأَوْثَانِ الْمَصْنُوعَةِ مَثَلًا لِبَعْضِ هَذِهِ الْآلِهَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يُمْكِنْهُ تَصَوُّرُ عَدَمِ شَيْءٍ وَلَا الْإِخْبَارُ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَصَوَّرَ وُجُودًا قَاسَ بِهِ عَلَيْهِ؛ وَقَدَّرَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ؛ ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ الْمَقِيسَ الْمُقَدَّرَ بِهِ؛ ثُمَّ أَثْبَتَهُ وَالْفَرْعُ الْمَقِيسُ الْمُقَدَّرُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ الْمُقَدَّرِ بِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْعَدَمُ إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّفْرِيعِ لَا بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ وَالْحَقِيقَةِ وَالتَّأْصِيلِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمَوْجُودَاتِ لَا يُمْكِنُ النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ فِي الدُّنْيَا إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَوْ التَّمْثِيلِ لَكِنْ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ مَا يُدْرِكُهُ الْإِنْسَانُ حَقِيقَةً وَتَأْوِيلًا؛ وَمِنْهَا مَا يُدْرِكُهُ قِيَاسًا أَوْ تَمْثِيلًا؛ كَمُدْرَكَاتِ الْمَنَامِ. وَأَمَّا الْمَعْدُومُ فَلَا يُدْرِكُهُ إلَّا قِيَاسًا أَوْ تَمْثِيلًا؛ إذْ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ يَنَالُهَا الْحَيُّ الْمُدْرِكُ وَتُبَاشِرُهَا الذَّوَاتُ الشَّاعِرَةُ؛ إذْ حَقِيقَةُ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ عَيْنُ مَاهِيَّتِه. وَأَمَّا مَا يُقَدَّرُ فِي الْعَقْلِ مِنْ الْمَاهِيَّاتِ وَالْحَقَائِقِ فَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ الْعَيْنِيِّ الْكَوْنِيِّ؛ وَقَدْ لَا يَكُونُ
- vol. 21, p. 130
وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِي الْقَصْدِ وَالْحُبِّ وَالْإِرَادَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَحْبُوبَ أَوْ الْمَكْرُوهَ الْمُبْغِضَ لَا يُتَصَوَّرُ حُبُّهُ وَلَا بُغْضُهُ إلَّا بَعْدَ نَوْعٍ مِنْ الشُّعُورِ بِهِ وَالشُّعُورُ فِي الْمَوْجُودِ أَصْلٌ؛ وَفِي الْمَعْدُومِ فَرْعٌ فَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ الَّذِي يَتْبَعُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُحِبُّ مَا يُلَائِمُهُ وَيُنَاسِبُهُ وَلَهُ بِهِ لَذَّةٌ وَنَعِيمٌ وَنَفْسُهُ لَا تُلَائِمُ الْعَدَمَ الْمَحْضَ وَالنَّفْيَ الصِّرْفَ؛ وَلَا تُنَاسِبُهُ؛ وَلَا لَهُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ لَذَّةٌ وَلَا سُرُورٌ وَلَا نِعْمَةٌ وَلَا نَعِيمٌ وَلَا خَيْرَ أَصْلًا؛ وَلَا فَائِدَةٌ قَطْعًا؛ بَلْ مَحَبَّةُ الْعَدَمِ الْمَحْضِ كَعَدَمِ الْمَحَبَّةِ وَاللَّذَّةُ بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ كَعَدَمِ اللَّذَّةِ وَمَا لَيْسَ شَيْءٌ أَصْلًا كَيْفَ يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَوْ لَذَّةٌ أَوْ خَيْرٌ؟ وَلَكِنَّ نَفْسَهُ تُحِبُّ مَا لَهَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَذَّةٌ مِثْلَ مَحَبَّةِ اللَّبَنِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ؛ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْذِيَةِ ثُمَّ لِمَا يَلْتَذُّ بِهِ مِنْ مَنْكُوحٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ مَا يَلْتَذُّ بِهِ مِنْ شَرَفٍ وَرِيَاسَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ مَا يَلْتَذُّ بِهِ مِنْ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَيُحِبُّ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَضَرَّةَ مِنْ اللِّبَاسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْخَيْرِ الَّذِي يَقِيهِ عَدُوَّهُ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْآدَمِيِّينَ الْمُؤْذِينَ؛ وَالدَّوَابِّ الْمُؤْذِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُحِبُّ وُجُودَ مَا يَنْفَعُهُ وَعَدَمَ مَا يَضُرُّهُ. وَالنَّافِعُ لَهُ إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الضَّارُّ لَهُ فَتَارَةً
vol. 21, p. 131يُرَادُ بِهِ عَدَمُ النَّافِعِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يَضُرُّهُ عَدَمُ النَّافِعِ. وَعَدَمُ النَّافِعِ إنَّمَا يُقْصَدُ بِوُجُودِ النَّافِعِ. وَتَارَةً يَضُرُّهُ أَمْرٌ مَوْجُودٌ فَذَلِكَ الَّذِي يَضُرُّهُ لَمْ يَبْغُضْ مِنْهُ إلَّا مَضَرَّتَهُ لَهُ وَمَضَرَّتُهُ لَهُ إزَالَةُ نَعِيمِهِ أَوْ تَحْصِيلُ عَذَابِهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْته مُعَارَضٌ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ يَأْمُرُ بِالتَّقْوَى وَيَحُضُّ عَلَيْهَا حَتَّى لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْهَا وَهِيَ وَصِيَّةُ اللَّهِ إلَى الْأَوَّلِينَ والآخرين وَهِيَ شِعَارُ الْأَوْلِيَاءِ وَأَوَّلُ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ أَصْحَابِ الْعَاقِبَةِ؛ وَأَهْلِ الْمَقْعَدِ الصِّدْقِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهَا. وَالتَّقْوَى هِيَ تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَعْمَالُ الْبِرِّ يَعْمَلُهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَلَنْ يَصْبِرَ عَنْ الْآثَامِ إلَّا صِدِّيقٌ.
-
وَفِي تَعْظِيمِ الْوَرَعِ وَأَهْلِهِ وَالزُّهْدِ وَذَوِيهِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ ذِكْرِهِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَائِدٌ إلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَفُضُولِ الْمُبَاحَاتِ وَهِيَ بِقِسْمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَشْبَهُ مِنْهَا بِقِسْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالنَّاسُ يَذْكُرُونَ مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ هَذَا الْوَرَعِ وَمَنَاقِبِهِمْ مَا لَا يَذْكُرُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ.
- vol. 21, p. 132
فَنَقُولُ: هَذَا السُّؤَالُ مُؤَلَّفٌ مِنْ شَيْئَيْنِ: جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ؛ وَجَهْلٌ بِجِهَةِ حَمْدِ ذَلِكَ. فَنَقُولُ أَوَّلًا: وَمَنْ الَّذِي قَالَ: إنَّ التَّقْوَى مُجَرَّدُ تَرْكِ السَّيِّئَاتِ؟ بَلْ التَّقْوَى - كَمَا فَسَّرَهُمَا الْأَوَّلُونَ والآخرون -: فِعْلُ مَا أُمِرْت بِهِ وَتَرْكُ مَا نُهِيت عَنْهُ كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ لَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ: اتَّقُوهَا بِالتَّقْوَى قَالُوا: وَمَا التَّقْوَى؟ قَالَ: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنْ اللَّهِ تَرْجُوَ ثَوَابَ اللَّهِ وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنْ اللَّهِ تَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَكْبَرِ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ: {الم} {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} إلَى آخِرِهَا فَوَصَفَ الْمُتَّقِينَ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ: مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ إقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . وَقَالَ: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
vol. 21, p. 133وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وَهَذِهِ الْآيَةُ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ مِنْ أَعْظَمِ آيِ الْقُرْآنِ وَأَجْمَعِهِ لِأَمْرِ الدِّينِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ فَنَزَلَتْ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ {عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ} " وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْفَاعِلِينَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ هُمْ الْمُتَّقُونَ وَعَامَّةُ هَذِهِ الْأُمُورِ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ الْبِرُّ وَأَهْلُهَا هُمْ الصَّادِقُونَ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: (آمَنَّا وَعَامَّتُهَا أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ هِيَ أَفْعَالٌ مَأْمُورٌ بِهَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَدْخَلُ فِي الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِيمَانِ مِنْ عَدَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَبِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ اسْتَحَقَّتْ الْجَنَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} وَقَالَ: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} {إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} وَقَالَ: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} وَهَذِهِ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ
vol. 21, p. 134أَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَهَا هُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ: وَهُمْ الْمُتَّقُونَ وَالصِّدْقُ وَاجِبٌ وَالْإِيمَانُ وَاجِبٌ إيجَابَ حُقُوقٍ سِوَى الزَّكَاةِ وَقَوْلُهُ: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} وَقَوْلُهُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} . وَقَوْلُهُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَقَوْلُهُ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وَقَوْلُهُ: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} فِي " سُبْحَانَ " " وَالرُّومِ " فَإِتْيَانُ ذِي الْقُرْبَى حَقَّهُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَالْمِسْكِينِ إطْعَامُ الْجَائِعِ وَابْنِ السَّبِيلِ قِرَى الضَّيْفِ وَفِي الرِّقَابِ فِكَاكُ الْعَانِي وَالْيَتِيمِ نَوْعٌ مِنْ إطْعَامِ الْفَقِيرِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {عُودُوا الْمَرِيضَ وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ} " وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ أَحْمَد: " {لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ} " . وَأَيْضًا فَالرَّسُولُ مِثْلُ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ فَاتِحَةُ دَعْوَاهُمْ فِي هُودٍ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} وَفِي الشُّعَرَاءِ:
- vol. 21, p. 135
{أَلَا تَتَّقُونَ} {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} وَقَالَ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وَقَالَ: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} . فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعُهُودِ مِنْ التَّقْوَى الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ هُوَ جُمْلَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ إمَّا بِالشَّرْعِ أَوْ بِالشَّرْطِ وَكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ. وَذَلِكَ وَفَاءٌ بِعَهْدِ اللَّهِ وَعَهْدِ الْعَبِيدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ التَّقْوَى إمَّا تَقْوَى اللَّهِ: وَإِمَّا تَقْوَى عَذَابِهِ كَمَا قَالَ: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} فَالتَّقْوَى اتِّقَاءُ الْمَحْذُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَبِتَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ بِالْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ تَقْوَى لِأَنَّ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِعْلَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ سَبَبُ الْأَمْنِ مِنْ ذَمِّ اللَّهِ وَسَخَطِ اللَّهِ وَعَذَابِ اللَّهِ فَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ خَوْفُ الْإِثْمِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ مَضَرَّةٌ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ الَّذِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ بِاسْمِ التَّقْوَى لِيُبَيِّنَ وُجُوبَ ذَلِكَ وَأَنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَرِّضٌ لِلْعَذَابِ بِتَرْكِ التَّقْوَى. وَنَقُولُ ثَانِيًا: إنَّهُ حَيْثُ عَبَّرَ بِالتَّقْوَى عَنْ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ أَنْ قِيلَ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْبِرُّ مَا أُمِرْت بِهِ؛ وَالتَّقْوَى مَا نُهِيت عَنْهُ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مَقْرُونًا
vol. 21, p. 136بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا ذَكَرَ مَعَهَا الْبِرَّ وَكَمَا فِي قَوْلِ نُوحٍ: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ التَّقْوَى مُسْتَلْزِمَةٌ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَنَقُولُ ثَالِثًا: إنَّ أَكْثَرَ بَنِي آدَمَ قَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا يَتْرُكُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إلَّا الصِّدِّيقُونَ كَمَا قَالَ سَهْلٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَهُ مُقْتَضَى فِي النَّفْسِ وَأَمَّا تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَى خِلَافِ الْهَوَى وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فَهُوَ أَصْعَبُ وَأَشَقُّ فَقَلَّ أَهْلُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَهُ إلَّا مَعَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا تُتَصَوَّرُ تَقْوَى وَهِيَ فِعْلٌ تَرْكٌ [وَ] قَطُّ؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الشِّرْكَ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى الْمُضِلِّ وَاتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ أُمُورًا كَثِيرَةً تَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ فَتَقْوَاهُمْ تَحْفَظُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا وَتَمْنَعُهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تَضُرُّهُمْ بِخِلَافِ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مَثَلًا؛ فَإِنَّ وُجُودَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ مَا يُفْسِدُ فَلَا يَسْلَمُ لَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَّقِينَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ النَّافِعَ وَاتَّقَى الْأَطْعِمَةَ الْمُؤْذِيَةَ فَصَحَّ جِسْمُهُ وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ سَلِيمَةً. وَغَيْرُ الْمُتَّقِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَلَطَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ اغْتَذَى بِهَا لَكِنَّ تِلْكَ التَّخَالِيطَ قَدْ تُورِثُهُ