المشروع من الزهد والورع
3 paragraphs · vol. 21, p. 137
- vol. 21, p. 137
أَمْرَاضًا إمَّا مُؤْذِيَةً؛ وَإِمَّا مُهْلِكَةً. وَمَعَ هَذَا فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ حَاجَتَهُ وَانْتِفَاعَهُ بِتَرْكِ الْمُضِرِّ مِنْ الْأَغْذِيَةِ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَتِهِ وَانْتِفَاعِهِ بِالْأَغْذِيَةِ النَّافِعَةِ بَلْ حَاجَتُهُ وَانْتِفَاعُهُ بِالْأَغْذِيَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا أَعْظَمُ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِمَا تَرَكَهُ مِنْهَا بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ غِذَاءً قَطُّ لَهَلَكَ قَطْعًا وَأَمَّا إذَا تَنَاوَلَ النَّافِعَ وَالضَّارَّ فَقَدْ يُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ؛ وَقَدْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْعَطَبُ وَإِذَا تَنَاوَلَ النَّافِعَ دُونَ الضَّارِّ حَصَلَتْ لَهُ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ. فَالْأَوَّلُ نَظِيرُ مَنْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالثَّانِي نَظِيرُ مَنْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهُوَ المخلط الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. وَالثَّالِثُ نَظِيرُ الْمُتَّقِي الَّذِي فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَاجْتَنَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَعَظُمَ أَمْرُ التَّقْوَى لِتَضَمُّنِهَا السَّلَامَةَ مَعَ الْكَرَامَةِ لَا لِأَجْلِ السَّلَامَةِ فَقَطْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ دَارٌ إلَّا الْجَنَّةُ أَوْ النَّارُ فَمَنْ سَلِمَ مِنْ النَّارِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يُنَعَّمْ عُذِّبَ فَلَيْسَ فِي الْآدَمِيِّينَ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ الْعَذَابِ وَالنَّعِيمِ جَمِيعًا. فَتَدَبَّرْ هَذَا فَكُلُّ خَصْلَةٍ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا أَوْ أَثْنَى عَلَيْهَا فَفِيهَا فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا بُدَّ: تَضَمُّنًا أَوْ اسْتِلْزَامًا وَحَمْدُهَا لِنَيْلِ الْخَيْرِ عَنْ الشَّرِّ وَالثَّوَابِ عَنْ الْعِقَابِ.
-
وَكَذَلِكَ الْوَرَعُ الْمَشْرُوعُ وَالزُّهْدُ الْمَشْرُوعُ مِنْ نَوْعِ التَّقْوَى الشَّرْعِيَّةِ وَلَكِنْ قَدْ غَلِطَ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا الْوَرَعُ الْمَشْرُوعُ الْمُسْتَحَبُّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ: اتِّقَاءُ مَنْ يَخَافُ
vol. 21, p. 138أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلذَّمِّ وَالْعَذَابِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُشْتَبِهَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْوَاجِبَ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُشْتَبِهَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْحَرَامَ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا الْمَكْرُوهَاتُ قُلْت: نَخَافُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلنَّقْصِ وَالْعَذَابِ. وَأَمَّا الْوَرَعُ الْوَاجِبُ فَهُوَ اتِّقَاءُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلذَّمِّ وَالْعَذَابِ وَهُوَ فِعْلُ الْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِيمَا اشْتَبَهَ أَمِنْ الْوَاجِبِ هُوَ أَمْ لَيْسَ مِنْهُ؟ وَمَا اشْتَبَهَ تَحْرِيمُهُ أَمِنْ الْمُحَرَّمِ أَمْ لَيْسَ مِنْهُ؛ فَأَمَّا مَا لَا رَيْبَ فِي حِلِّهِ فَلَيْسَ تَرْكُهُ مِنْ الْوَرَعِ وَمَا لَا رَيْبَ فِي سُقُوطِهِ فَلَيْسَ فِعْلُهُ مِنْ الْوَرَعِ. وَقَوْلِي عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتْرُكُ الْحَرَامَ الْبَيِّنَ أَوْ الْمُشْتَبَهَ إلَّا عِنْدَ تَرْكِ مَا هُوَ حَسَنَةٌ مَوْقِعُهَا فِي الشَّرِيعَةِ أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ تِلْكَ السَّيِّئَةِ مِثْلَ مَنْ يَتْرُكُ الِائْتِمَامَ بِالْإِمَامِ الْفَاسِقِ فَيَتْرُكُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ وَكَذَلِكَ قَدْ لَا يُؤَدِّي الْوَاجِبَ الْبَيِّنَ أَوْ الْمُشْتَبِهَ إلَّا بِفِعْلِ سَيِّئَةٍ أَعْظَمَ إثْمًا مِنْ تَرْكِهِ مِثْلَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لِذَوِي السُّلْطَانِ إلَّا بِقِتَالِ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ أَعْظَمُ مِنْ فَسَادِ ظُلْمِهِ. وَالْأَصْلُ فِي الْوَرَعِ الْمُشْتَبِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ عِرْضَهُ وَدِينَهُ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي
vol. 21, p. 139الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ} " وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي السُّنَنِ قَوْلُهُ: " {دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك} " وَقَوْلُهُ: " {الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ وَسَكَنَ إلَيْهِ الْقَلْبُ} " وَقَوْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: " {الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِك وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ} " {وَإِنَّهُ رَأَى عَلَى فِرَاشِهِ تَمْرَةً فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا} " .
-
وَأَمَّا فِي الْوَاجِبَاتِ. . . (١) ، لَكِنْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الْوَرَعِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ: أَحَدُهَا: اعْتِقَادُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرْكِ فَلَا يَرَوْنَ الْوَرَعَ إلَّا فِي تَرْكِ الْحَرَامِ لَا فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَهَذَا يُبْتَلَى بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَدَيِّنَةِ الْمُتَوَرِّعَةِ تَرَى أَحَدَهُمْ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْكَلِمَةِ الْكَاذِبَةِ وَعَنْ الدِّرْهَمِ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ لِكَوْنِهِ مَنْ مَالِ ظَالِمٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ فَاسِدَةٍ وَيَتَوَرَّعُ عَنْ الرُّكُونِ إلَى الظَّلَمَةِ مِنْ أَجْلِ الْبِدَعِ فِي الدِّينِ وَذَوِي الْفُجُورِ فِي الدُّنْيَا وَمَعَ هَذَا يَتْرُكُ أُمُورًا وَاجِبَةً عَلَيْهِ إمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَةً وَقَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ؛ وَحَقِّ جَارٍ وَمِسْكِينٍ؛ وَصَاحِبٍ وَيَتِيمٍ وَابْنِ سَبِيلٍ؛ وَحَقِّ مُسْلِمٍ وَذِي سُلْطَانٍ؛ وَذِي عِلْمٍ. وَعَنْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفِ
vol. 21, p. 140وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ؛ وَعَنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ لِلْخَلْقِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْوَرَعُ قَدْ يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي الْبِدَعِ الْكِبَارِ؛ فَإِنَّ وَرَعَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ تَوَرَّعُوا عَنْ الظُّلْمِ وَعَنْ مَا اعْتَقَدُوهُ ظُلْمًا مِنْ مُخَالَطَةِ الظَّلَمَةِ فِي زَعْمِهِمْ حَتَّى تَرَكُوا الْوَاجِبَاتِ الْكِبَارَ مِنْ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَةِ؛ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ؛ وَنَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ وَأَهْلُ هَذَا الْوَرَعِ مِمَّنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْأَئِمَّةُ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَصَارَ حَالُهُمْ يُذْكَرُ فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْوَاجِبَ وَالْمُشْتَبِهَ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَ وَالْمُشْتَبِهَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ بِأَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِالْعِلْمِ لَا بِالْهَوَى وَإِلَّا فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ تَنْفِرُ نَفْسُهُ عَنْ أَشْيَاءَ لِعَادَةِ وَنَحْوِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي تَحْرِيمَهَا وَاشْتِبَاهَهَا عِنْدَهُ وَيَكُونُ بَعْضُهُمْ فِي أَوْهَامٍ وَظُنُونٍ كَاذِبَةٍ فَتَكُونُ تِلْكَ الظُّنُونُ مَبْنَاهَا عَلَى الْوَرَعِ الْفَاسِدِ فَيَكُونُ صَاحِبُهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْوَسْوَسَةِ فِي النَّجَاسَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ الْفَاسِدِ الْمُرَكَّبِ مِنْ نَوْعِ دِينٍ وَضَعْفِ عَقْلٍ وَعِلْمٍ وَكَذَلِكَ وَرَعُ قَوْمٍ يُعِدُّونَ غَالِبَ أَمْوَالِ النَّاسِ مُحَرَّمَةً
vol. 21, p. 141أَوْ مُشْتَبِهَةً أَوْ كُلَّهَا وَآلَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهِمْ إلَى إحْلَالِهَا لِذِي سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهَا وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِهَا يَدَ السَّارِقِ وَلَا يَحْكُمُ فِيهَا بِالْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ. وَقَدْ أَنْكَرَ حَالَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ وَذَمَّ الْمُتَنَطِّعِينَ فِي الْوَرَعِ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا} . وَوَرَعُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَثِيرٌ مِنْهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. بَلْ وَرَعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْكُفَّارِ عَنْ وَاجِبَاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَكَذَلِكَ مَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَرَعِهِمْ عَمَّا حَرَّمُوهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْوَرَعُ الَّذِي ذَمَّهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ لَمَّا تَرَخَّصَ فِي أَشْيَاءَ فَبَلَغَهُ أَنَّ أَقْوَامًا تَنَزَّهُوا عَنْهَا فَقَالَ: " {مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَشْيَاءَ أَتَرَخَّصُ فِيهَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَعْلَمَهُمْ بِاَللَّهِ وَأَخْشَاهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ: أَخْشَاهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ بِحُدُودِهِ لَهُ} " وَكَذَلِكَ حَدِيثُ صَاحِبِ الْقِبْلَةِ. وَلِهَذَا يَحْتَاجُ الْمُتَدَيِّنُ الْمُتَوَرِّعُ إلَى عِلْمٍ كَثِيرٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ