ما تسمى به الخالق هل يكون مجازا في حق المخلوق؟
3 paragraphs · vol. 21, p. 441
- vol. 21, p. 441
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مِنْهَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ اسْمِ الْوُجُودِ فِي الْحَوَادِثِ؛ وَإِمَّا خِلَافُهُ. فَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى الْوُجُودِ فِي الْوُجُودِ وَاجِبًا لِذَاتِهِ؛ ضَرُورَةَ أَنَّ وُجُودَ الْبَارِي وَاجِبٌ لِذَاتِهِ؛ أَوْ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الرَّبِّ مُمْكِنًا؛ ضَرُورَةَ إمْكَانِ وُجُودِ مَا سِوَى اللَّهِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَزِمَ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَهَذَا فِي دَلِيلِهِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: عَلَى أَنَّ اسْمَ الْوُجُودِ حَقِيقَةٌ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الِاشْتِرَاكَ. وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ قَطْعًا. وَالْأُولَى فِيهَا نِزَاعٌ؛ خِلَافُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ اسْمٍ تَسَمَّى بِهِ الْمَخْلُوقُ لَا يُسَمَّى بِهِ الْخَالِقُ إلَّا مَجَازًا حَتَّى لَفْظِ الشَّيْءِ وَهُوَ قَوْلُ جَهْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُسَمُّونَهُ مَوْجُودًا وَلَا شَيْئًا؛ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَكَسَ وَقَالَ: بَلْ كُلَّمَا يُسَمَّى بِهِ الرَّبُّ فَهُوَ حَقِيقَةٌ؛ وَمَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِي مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ.
- vol. 21, p. 442
وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا؛ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ قَالُوا: إنَّهُ مُتَوَاطِئٌ التَّوَاطُؤَ الْعَامَّ؛ أَوْ مُشَكِّكًا إنْ جَعَلَ الْمُشَكِّكَ نَوْعًا آخَرَ؛ وَهُوَ غَيْرُ التَّوَاطُؤِ الْخَاصِّ الَّذِي تَتَمَاثَلُ مَعَانِيهِ فِي مَوَارِدِ أَلْفَاظِهِ. وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا شِرْذِمَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ وَلَا نُظَّارٍ مَشْهُورِينَ. وَمَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا حَكَاهُ الرَّازِيَّ فَقَدْ غَلِطَ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ الرَّجُلِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ: أَنَّ الْوُجُودَ اسْمٌ عَامٌّ يَنْقَسِمُ إلَى: قَدِيمٍ؛ وَحَادِثٍ وَلَكِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ مَاهِيَّتِه وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فَظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا كَمَا احْتَجَّ بِهِ الآمدي وَذَلِكَ غَلَطٌ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ يَتَبَيَّنُ بِالْكَلَامِ عَلَى حُجَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْوُجُودِ دَالًّا عَلَى الذَّاتِ؛ أَوْ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ. يُقَالُ لَهُ: أَتُرِيدُ بِهِ لَفْظَ الْوُجُودِ الْعَامِّ الْمُنْقَسِمِ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ؛ أَمْ لَفْظَ الْوُجُودِ الْخَاصِّ؟ كَمَا يُقَالُ: وُجُودُ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الرَّبُّ وَغَيْرُهُ - بَلْ كُلُّ
vol. 21, p. 443مُسَمَّيَيْنِ - تَارَةً تُعْتَبَرُ مُطْلَقَةً عَامَّةً تَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ؛ وَتَارَةً تُعْتَبَرُ مُقَيَّدَةً بِهَذَا الْمُسَمَّى. وَلَفْظُ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ؛ وَالْقَدِيرِ؛ وَالسَّمِيعِ؛ وَالْبَصِيرِ وَالْمَوْجُودِ؛ وَالشَّيْءِ؛ وَالذَّاتِ: إذَا كَانَ عَامًّا يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَإِذَا قِيلَ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ: لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ كَمَا إذَا قِيلَ: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} لَمْ يَدْخُلْ الْخَالِقُ فِي اسْمِ هَذَا الْحَيِّ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ؛ وَالْكَلَامُ؛ وَالِاسْتِوَاءُ؛ وَالنُّزُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: تَارَةً يُذْكَرُ مُطْلَقًا عَامًّا: وَتَارَةً يُقَالُ: عِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ؛ وَكَلَامُهُ؛ وَنُزُولُهُ؛ وَاسْتِوَاؤُهُ: فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْخَالِقِ؛ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْمَخْلُوقُ. كَمَا إذَا قِيلَ: عِلْمُ الْمَخْلُوقِ وَقُدْرَتُهُ: وَكَلَامُهُ؛ وَنُزُولُهُ؛ وَاسْتِوَاؤُهُ فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وَلَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْخَالِقُ. فَالْإِضَافَةُ أَوْ التَّعْرِيفُ خَصَّصَ وَمَيَّزَ وَقَطَعَ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ لَفْظُ الْوُجُودِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: وُجُودُ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ. فَإِذَا قِيلَ: وُجُودُ الْعَبْدِ وَذَاتُهُ وَمَاهِيَّتُه وَحَقِيقَتُهُ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ دَالًّا عَلَى ذَاتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهِ.
- vol. 21, p. 444
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: وُجُودُ الرَّبِّ وَنَفْسِهِ؛ وَذَاتُهُ؛ وَمَاهِيَّتُه وَحَقِيقَتُهُ: كَانَ دَالًّا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ: وَهُوَ نَفْسُهُ الْمُتَّصِفَةُ بِصِفَاتِهِ. فَقَوْلُهُ: اسْمُ الْوُجُودِ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى ذَاتِ الرَّبِّ؛ أَوْ صِفَةٍ زَائِدَةٍ. يُقَالُ لَهُ: إنْ أَرَدْت لَفْظَ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ الَّذِي يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ؛ فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ وَلَا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْمُمْكِنِ؛ بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ وَالْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ إنَّمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا فِي الذِّهْنِ وَاللَّفْظِ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ هُوَ نَفْسُهُ كُلِّيٌّ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْخَارِجِ. وَهَذَا كَمَا إذَا قِيلَ: الذَّاتُ وَالنَّفْسُ: بِحَيْثُ يَعُمُّ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ الْكُلِّيِّ لَا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدِ مِنْهُمَا كَمَا إذَا قِيلَ: الْوُجُودُ يَنْقَسِمُ إلَى: وَاجِبٍ؛ وَمُمْكِنٍ. وَالذَّاتُ تَنْقَسِمُ إلَى: وَاجِبٍ: وَمُمْكِنٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ بِالْوُجُودِ مَا يَعُمُّهُمَا جَمِيعًا كَمَا إذَا قِيلَ: الْوُجُودُ كُلُّهُ وَاجِبُهُ وَمُمْكِنُهُ؛ أَوْ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ وَالْمُمْكِنُ فَهُنَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِكُلِّ مِنْهُمَا كَمَا إذَا قِيلَ: وُجُودُ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ. فَفِي الْجُمْلَةِ اللَّفْظُ: إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمُشْتَرَكِ فَقَطْ كَالْوُجُودِ الْمُنْقَسِمِ أَوْ عَلَى الْمُمَيَّزِ فَقَطْ كَقَوْلِ: وُجُودِ الْوَاجِبِ: وَقَوْلِ: وُجُودِ الْمُمْكِنِ