فصل: هل تشترط الإقامة لصلاة الجمعة والعيدين؟
3 paragraphs · vol. 25, p. 177
- فَصْلٌ:
-
تَنَازَعَ النَّاسُ فِي " صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ " هَلْ تُشْتَرَطُ لَهُمَا الْإِقَامَةُ أَمْ تُفْعَلُ فِي السَّفَرِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: مِنْ شَرْطِهِمَا جَمِيعًا الْإِقَامَةُ فَلَا يُشْرَعَانِ فِي السَّفَرِ. هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ الْعِيدِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ. وَالثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ لَا فِي هَذَا وَلَا هَذَا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ عُمْدَتُهُمْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ وَلِقَوْلِهِ {إذَا نُودِيَ} وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بِالْمُقِيمِ. وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ قَالُوا: الْعِيدُ إمَّا نَفْلٌ وَإِمَّا فَرْضٌ عَلَى
vol. 25, p. 178الْكِفَايَةِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضٌ آخَرُ كَمَا تَسْقُطُ الظُّهْرُ بِالْجُمُعَةِ وَالنَّوَافِلُ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَكَذَلِكَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ كَصَلَاةِ الْجَنَائِزِ. وَالصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لِلْمُسَافِرِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَافِرُ أَسْفَارًا كَثِيرَةً. قَدْ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَةِ حَجَّتِهِ وَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَمَعَهُ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ وَغَزَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ غَزَاةٍ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى فِي السَّفَرِ لَا جُمُعَةً وَلَا عِيدًا بَلْ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ وَلَا عَلَى رَاحِلَتِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ وَلَا عَلَى مِنْبَرٍ كَمَا كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ كَانَ أَحْيَانًا يَخْطُبُ بِهِمْ فِي السَّفَرِ خُطَبًا عَارِضَةً فَيَنْقُلُونَهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١) وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ قَطُّ أَحَدٌ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ بَلْ وَلَا نَقَلَ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ الْعَادَةَ فَجَهَرَ وَخَطَبَ لَنَقَلُوا ذَلِكَ وَيَوْمَ عَرَفَةَ خَطَبَ بِهِمْ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْخُطْبَةُ لِلْجُمُعَةِ؛
- vol. 25, p. 179
فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْجُمُعَةِ لَخَطَبَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَيَّامِ الْجُمَعِ وَإِنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ النُّسُكِ. وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّهُ يَخْطُبُ بِعَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ جُمُعَةٍ؛ فَثَبَتَ بِهَذَا النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهَا خُطْبَةٌ لِأَجْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ جُمُعَةٍ لَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ بِمِنَى لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ فَقَدْ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَدَخَلَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَدْرَكَ فِيهَا عِيدَ الْفِطْرِ وَلَمْ يُصَلِّ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ صَلَاةَ الْعِيدِ وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ مُسْلِمٌ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ مَعَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ لَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَكَذَلِكَ بَدْرٌ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَدْرَكَهُ يَوْمَ الْعِيدِ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ عِيدٍ فِي السَّفَرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ بِالْمَدِينَةِ إلَّا مَعَهُ كَمَا لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ إلَّا مَعَهُ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ لِكُلِّ دَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ مَسْجِدٌ وَلَهُمْ إمَامٌ يُصَلِّي بِهِمْ وَالْأَئِمَّةُ يُصَلُّونَ بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَلَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ بِهِمْ لَا جُمُعَةً وَلَا عِيدًا. فَعُلِمَ أَنَّ الْعِيدَ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسِ الْجُمُعَةِ لَا مِنْ جِنْسِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ وَلَا مِنْ جِنْسِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ: مَمْنُوعٌ